غواية الرواية الضرورية – أحمد سعداوي

أذهب إلى الكتابة غالباً بما يُشْبِه الغواية. صورةٌ ما تطرق على باب المخيلة وتظل تلاحقني فأستسلم لها في لحظةٍ ما، كي تكون نواة عملٍ روائيٍّ قادم. هذا ما حدث مع كلّ روايةٍ كتبتُها حتى الآن. أتذكر أن حلماً مثيراً كان نواةً لروايتي “إنه يحلم أو يلعب أو يموت”، كذلك صورة رجل يتّصل هاتفياً بنساء ويتسبب كلامه في إخصابهن ويحملن منه، كانت هذه نواة قصّة “الشهرزاديون” في كتابي “الوجه العاري داخل الحلم”، شخصٌ في مستشفى مجانين يرسم باباً بالطباشير على الحائط كيّ يفرّ منه، انبثقت في ذهني في 2012 وكانت نواةً لرواية “باب الطباشير” التي صدرت في 2017. فتاةٌ بساقٍ رخوة تسحبها وتقف عند الشارع كي توقف سيارة “تاكسي”، كانت هذه هي الصورة الأولية لرواية “مذكرات دي”.

في كراريسي أو في حاسوبي المحمول، أو غالباً في رأسي؛ العشرات من هذه الصور التي تظل ترافقني، وبالتأكيد لن تنتهي كلّها إلى أعمالٍ إبداعية. ولكنني لا أتذكر أنني كنت يوماً برأسٍ فارغٍ هادئٍ من هذه الصور. في السياق العام للكتابة الروائية، كما أرى، يندفع الكاتب إما بهاجس الغواية، كما مثّلتُ لذلك أعلاه، أو لأنه يكتشف “رواية ضرورية”، روايةً يجب أن تُكتب. هناك نداء من الخارج ينادي على هذه الرواية، أو ينادي على من يكتبها.

في هذا النمط هناك أيضاً في أجندتي العديد من الروايات التي “تُنادي” عليّ، وأشعر أنه من الضروري كتابتها. إن لها مكاناً فارغاً هناك في الرفّ المخصّص للروايات العراقية والعربية عموماً. روايات عن مآسينا الكبرى، وتواريخنا الملتبسة. وهناك فرضية لاحتمالٍ مثاليٍّ؛ أن تسحبك الغواية ذات المحرّك الذاتي جداً لكتابة تلك الرواية الضرورية. وربما هذا ما حصل معي حين كتبت “فرانكشتاين في بغداد”.

تحت خانة “الرواية الضرورية” يمكن أن نضع أيضاً تلك الرواية التي يطالب بها القرّاء، أو قِسْمٌ من القرّاء. وهي هنا رواية ضرورية ليس على وفق “تاريخ الفن الروائي”، وإنما هي ضرورية لمسار الكاتب عند جمهوره من القرّاء. فمن “الضروري” أحياناً أن يُعطي الكاتب لجمهوره ما يتوقّعونه من أعمال روائية، وإلا سيخسرهم.

ومن ذلك، على سبيل المثال، ما فَعَلَتْهُ جي كي رولنغ، الكاتبة البريطانية مع سلسلة هاري بوتر. فهي لم تخطّط لكتابة سبعة أجزاء من الرواية إلا استجابةً لطلب الجمهور الذي أُعْجِبَ بالجزء الأول.

إن كلّ الكتّاب تقريباً يحلمون بهذه الشهرة والنجومية والثروة التي جَنَتْها رولنغ من سلسلة هاري بوتر، وهي نتيجة “ضرورية” للكتابة الإبداعية التي تتوجّه في النهاية إلى جمهور، وينتظر الكاتب ردود أفعال هذا الجمهور ويتمنى أن يعجبهم عمله.

مقارنته برولينغ، كما هو الحال مع ميلان كونديرا، كان أيضاً ينتظر بقلقٍ ردود الأفعال من جمهور القرّاء وحجم المبيعات لروايته “الجهل” التي صدرت في عام 2000 بعد الاستقبال غير المتحمّس لروايته السابقة “الهوية” الصادرة في عام 1998. وسحب نفساً عميقاً حين أبلغه وكيله الأدبي أن “الجهل” تحقق مبيعات جيّدة.

وفي فترة أبعد، في بدايات القرن العشرين كان أحد أعمدة الرواية الحداثية وليم فولكنر يفكّر بكتابة رواية “تضرب في السوق” كما يقال، حين جلس ليكتب روايته “الحَرَم”، التي كانت صادمة في موضوعها وتفاصيلها، لأنه كان يريد كتاباً يجلب له أجوراً جيّدة، وعلى الرغم من ذلك فإن شهرته الأدبية والتقريض النقدي جاء على أعماله الأخرى “سارتوريس” و”الصخب والعنف” و”نور في آب”.

رغم هذه المطالب التي تبدو ضرورية أمام الروائي، إلا أنه من الصعب الادّعاء بأن روائيّاً ناجحاً لم يتحرّك في البدء نحو كتابة عمله الأدبي بنوازع ذاتية جدّاً. كان فوكنر يتحدّث عن جدِّهِ وذكريات أسرته الأرستقراطية في عالم الجنوب الأميركي، وخطرت فكرة رواية “هاري بوتر” لرولنغ أثناء انتظارها في محّطة القطار ما بين لندن ومانشستر، وجلست على طاولة غرفة المطبخ، بعد طلاقها، وحيدةً تريد أن تسلّي نفسها بكتابة شيء، وبالتأكيد لم تكن تعرف أنها ستغدو الكاتبة الأشهر والأغنى بثروة تجاوزت المليار دولار.

هناك في البدء؛ ملاحقة غوايةٍ ما تفرضها صورة أو شبح حكاية تسحب الكاتب خلفها وتنادي عليه من أجل الغوص فيها، أو إنشاء عالم كامل منها. أو هناك نداء من “رواية ضرورية” تفرض نفسها من الخارج على الكاتب المحترف، فيستجيب للتحدّي.

صورة لشاب يُقَبِّل حبيبته في كابينة لعبة دوّارة في مدينة الألعاب. ظلّت هذه الصورة في ذهني منذ العام 1992 حتى وجدتُ مكاناً لها في رواية “باب الطباشير”، ثم قبل عامين في عاصمة أوربية، وأثناء ركوبي في دولاب هواء ضخم، رأيت الشباب حينما يصل الدولاب بالكابينات في أعلى ذروةٍ له، يتبادلون القُبَل، بما يشبه الطّقس. اختلطت صور الخيال الأدبي مع الواقع.. أو ربما هو الأمر على هذه الصورة دائماً.

Read Previous

المطاردة القصصية الثامنة – علي السوداني

Read Next

لا يا محمود درويش – عقل العويط

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *