سلوى بكر ترى العالم بعينٍ ثاقبة… وروح ساخرة

عرض وتعليق: يسري عبدالله

تتأسّس التجربة الإبداعية للقاصة والروائية المصرية سلوى بكر على مرتكزات عديدة، من بينها الوعي المتطور بماهية الفن وتحولاته، والانطلاق صوب تجارب فنية متنوعة، تتعدد فيها جغرافيا السرد، وأنساق الحكايات، وعوالم القص، فبدت نصوصها من قبيل: (مقام عطية/ عن الروح التي سرقت تدريجيا/ العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء/ عجين الفلاحة/ إيقاعات متعاكسة)…

 تجارب جمالية وموضوعية تنحو صوب ما هو فني ودلالي على نحو شفيف وعميق، وفي النصوص التي تعاطت فيها مع التاريخ، مثل روايتيها (البشموري/ شوق المستهام)، لم تجعل التاريخ تعبيرا مبتسرا عما كان، بل تعاملت معه بوصفه أداة ناجعة لفهم الحاضر، ورفده بقيم إنسانية خلاقة، فيصير التاريخ أداة لاستعادة المعنى، وكشفا عن المسكوت عنه، وتأريخا لكل أولئك المنسيين والمقموعين.

المقولات الكبرى

وفي مجموعتها القصصية الجديدة “مسرح زوبة” (الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة)، تؤنسن سلوى بكر المقولات الكبرى، كما في قصص (ذات الغلاف الأسود/ عبق حصار لا يُنسى/ الشباك). وفي قصتها المركزية “مسرح زوبة”، تبدو إمكانات الفعل المسرحي حاضرة بدءًا من حركة الولد الصغير الذي “ينط ويزقطط” ، ومروراً بالإلقاء الهزلي للشعر لنوال ابنة زوبة، ووصولا إلى زوبة نفسها التي تصنع أداءً تمثيليًا طيلة القصة.

 “زوبة” الساخرة بأسرتها الطيبة المفجرة للضحك والبكاء المستتر معا، تلوح هنا شخصية الأب- المروي عنه- والممثل لنمط الشخصية الغائبة المحركة للسرد، هذا الأب الذي يعد جزءا من المفارقات الساخرة التي يعتمد عليها النص بنائيا، حيث يصر على دخول انتخابات مجلس الأمة، وهو الخاسر في أي انتخابات يدخلها، حتى لو كانت انتخابات “جمعية صناع الأثاث”، والتي رسب فيها بالفعل.

وعلى هوامش الحكاية يلوح زمن غابر، حيث الجمهورية العربية المتحدة التي يبدأ الزمن الداخلي للقصة بوجودها وينتهي بعد انقضائها، وأم نوال (زوبة) لم تزل تملك مصاغها والقرط الذهبي لم يزل يلمع خلف أذنيها ولم تبع شيئا مما خشيت عليه، وطالب به “أبو كفاح” في انتخاباته التي لم ينجح فيها قط.

تبدأ الكاتبة قصصها من قلب الحكاية دونما استطرادات، مثلما نرى عبر الاستهلال السردي في قصة “النفطي” الذي يحيلك على الشخصية المركزية في القصة حكيم عبد الجبار: “ثلاث خصال لا يحبها حكيم في الناس، التشكي من الفقر وحسد النعمة التي يجود بها الخالق على الناس، ثم الإقبال على أي عمل دون دراسة وتخطيط”.

لا تكسر نهاية القصة أفق التوقع لدى متلقيها، وتحمل دلالة رامزة حيث يكون “حكيم” الذي يخطط لكل شيء أول من يتم تكفينه في المشروع الاستثماري الجديد الذي افتتحه في “الكومباوند” الصاخب بكل شيء، عدا محل “الحانوتي” الذي أقامه بالفعل، وكان أول الذاهبين. تتواتر الروح الساخرة هنا أيضا مثلما تتواتر في قصص عديدة من بينها “فرس النهر”.

الزمن الفني

تتقاطع أزمنة متعددة في قصص المجموعة التي تعتمد على تكنيك الثغرات الزمنية، من قبيل قصتي “أرض النعام” و”المنبر”، واللتين تتشاركان في خلق مقاربة جمالية لتيمة الفقر لعائلتين غارقتين في الجحيم الأرضي.

في “المنبر” يتداخل الموروث الشعبي مع تأويلات المقدس، فالقطة السوداء الحامل في سبع قطط صغار، التي ضربها النجار الماهر، لتأتي القطط له في المنام مهددين إياه بقتل أبنائه السبعة أيضا بالساطور. فيكون تشييد المنبر لجامع القرية، حلاًّ للخروج من وجهة نظر الشيخ الصوفي صاحب الأمارة والعلامة. يشيد المنبر ويستمر الفقر بسبب رجل لم يعمل شهورا متواصلة حتى تبدل حاله وحال أبنائه. وفي “أرض النعام” تدور الحكايات الشعبية عن الكنوز التي يحويها باطن الأرض، وتكون شاغلا للجد الأكبر الذي يُضيع كل شيء من أجل اللاشيء؛ لتتحول المروية إلى حوارية رشيقة بين شخصيتي القصة المركزيتين “الابنة والأم”.

وفي قصة “الأذن الوسطى” يتجه النص إلى كسر أفق التوقع لدى المتلقي حين يترك اسماعيل السائق الأنيق سليل التهذيب اللانهائي عجلة القيادة، بعد أن يوقف السيارة فجأة ويمضي وحيدا صامتا.

سخرية ومساءلة

تحاكي الكاتبة الواقع الاجتماعي المعبأ بالتناقضات الفجة في قصة “الجزمة”، وتدين روح الوصاية الذكورية المسكونة بغطاء اجتماعي، حيث الأخ الأكبر الذي ينضح بالتخلف، محاولا إثناء أخيه الأصغر عن زواجه من امرأة مطلقة، مكيلا سبابا رخيصا للنساء، ورابطا بين المرأة والحذاء، مصوبا نظراته الوقحة صوب فتاة تجلس على مائدة مقابلة: ” – أبص براحتي، أنت عاوزة ترمي بلاكِ على الناس”.

وفي مقطع دالّ، يعتمد على الصورة السردية، والمشهدية البصرية تأتي النهاية: “خلعت جزمتها الزحافي من قدميها الصغيرتين لتقذف الكبير بهما، ربما لتؤكد له خطأ نظريته الخاصة بالجزمة والمرأة أو – لربما- كي تريه وعلى نحو عملي، كيف تكون الجزمة غير مريحة” (ص34).

على الرغم من جاهزية المعنى في قصة “العنوان المناسب”، إلا أن محاولة إشراك المتلقي في  زوايا الحدث القصصي وخاصة في المختتم بدت لافتة ( .. عموما يا أعزائي، تركت لكم الحرية في  اختيار عنوان مناسب لهذه القصة وأنتم تقرأونها بينما تشربون الشاي وتدخنون سجائركم، في منازلكم ومقار عملكم، أو وأنتم تجلسون على مقاهيكم تلوكون الضجر وتتجرعون تبرمكم وتأففكم من الحياة، ومن كل شيء في هذا العالم” (ص39).

تمثل “مسرح زوبة” تنويعة جديدة في المنجز السردي لسلوى بكر، حيث حوت صيغًا سردية مختلفة، وعوالم متعددة، يلوح فيها الفقد والنوستالجيا، والملامح الداخلية للبشر، والحياة بوصفها مرادفا للحرية، وتحضر المقولات الكبرى عبر عناصر ذاتية وصغيرة، بلا صخب أو ضجيج.

Read Previous

جونسون: بريطانيا بحاجة لمزيد من الجهد لمعالجة العنصرية

Read Next

جمعيات رعاية الطفولة تدق ناقوس الخطر بشأن انعكاس وباء كورونا على مستقبل الأطفال في أوروبا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *