الشقيقات الثلاث – عقل العويط

ثلاث فتيات بأعمار الورود، كنّ يُقِمن مع عائلتهنّ في قريتي بزيزا، عُثِر على جثثهنّ عند شاطئ طرطوس، قتلًا أو انتحارًا أو قضاءً وقَدَرًا. لا تعنيني الرواياتُ المتضاربةُ التي أودتْ واحدةٌ منها بحياة الشقيقات الثلاث اللواتي كنتُ أراهنّ يتمشّين (ليتناسَين الشقاء) على الطريق، في تلك القرية المتواضعة. يعنيني فقط هذا الشقاءُ البشريُّ الأعمى الذي أودى بهنّ. وهو الشقاءُ نفسه الذي يودي بالمجهولين والممحوّين والتعساء والمقهورين والمظلومين والمستغَلّين والمنتهَكة كراماتُهم والمطحونة أحلامُهم، مثلما يودي بنا، أحياءً وموتى، في هذه البلاد المفجوعة.

تعنيني (بكرامةٍ جريحة) فقط تلك الأحلامُ الموؤودة، تلك الأوجاعُ السرّيّة، تلك البكاءاتُ الصامتة المكبوتة، وتلك الرغباتُ المندلقة على أسفلت الطريق، مثلما تعنيني (باحتقار) هذه العقولُ المريضة، والأيدي القذرة، والوجوهُ الصفيقة، التي تضعنا في القفص الوجوديّ الأرعن، هنا والآن.

فأيُّ شرطٍ بشريٍّ هو هذا الشرط، وأيُّ حياةٍ ممعوسةٍ هي هذه الحياة الممعوسة، هنا والآن (هل أنادي الله؟!)؟!

يسعني أنْ أزعم بنوعٍ من اليقين أنّ موتَ الشقيقات الثلاث سيلّفُهُ الصمتُ المجرمُ الثقيل، الآن أو بعد حين، وسينبت فوقه – ولا بدّ – عشبُ الإهمال والنسيان، لينضمّ إلى جبل الموت الذي لا يشبع من الموت، وهو الجبل الذي لا يكفّ عن التطلّع (الوقِح)، أكثر فأكثر، إلى فوق، إلى فوق، إلى أنْ يصل إلى سقف السماء، ويلامس السماء، ويتخطّى سدرة المنتهى في السماء. وسأزعم أنّ هذا الجبل لن يراه أحدٌ، ولن يلتفت إليه أحدٌ، ولن يفضحه أحدٌ، ولن يلجمه أحدٌ، ولن يضع له حدًّا أحدٌ (هل يجب أنْ أنادي الله، هنا أيضًا، والآن؟!).

يسعني أنْ أزعم أنّ موتًا كهذا، يُسجَّل كلَّ ليلٍ، كلَّ فجرٍ، وكلَّ نهارٍ، وعند كلِّ دغشةٍ، وفي كلِّ مكانٍ من لبنان، وخصوصًا في الأرياف والقرى والدساكر البعيدة، والمناطق النائية، كما في قلب المركز. وتُتَنَاقَلُ أخبارُ هذا الموت، وحكاياتُه ورواياتُه وجرائمُه همسًا متأفّفًا مَلولًا، أو على سبيل التزجية، حتّى لكأنّه حدثٌ “طبيعيّ”، أو رغيفُ خبزٍ “مجّانيّ”، في وقتٍ بات يعزّ فيه العثورُ – بكرامةٍ (بقليلٍ من الكرامة فحسب) – على رغيفٍ من الخبز.

يا لهذا الموت. يا لهذا الموت!

وأجدُني أنظر إلى لبنان، فأرى – أكثر ما أرى – هؤلاء الذين يديرون حُكْمَ الموتِ في لبنان (عهده وإمارته وولايته ودويلته)، وينظّمون “لقاحاته”، ويشرفون على عدالة توزيعه، وحسن إيقاعه، باعتزازٍ ما بعده من اعتزاز، وبحماسةٍ ما بعدها من حماسة، وبتنافسٍ ما بعده من تنافس، وبأحقادٍ وضغائن ما بعدها من أحقادٍ وضغائن، وبـ”ولاءٍ” للبنان ما بعده من ولاء، فأسأل نفسي: أحقًّا هذا ما أراه، أم هو محضُ ضغثٍ من أضغاث الزمان والمكان؟!

وأسأل نفسي، وأسأل شعبي (شعوبي) ترى، أيجب أنْ نظلّ نخنع أمام حُكْمِ الموتِ هذا (عهده وإمارته وولايته ودويلته)، ونرتجف أمام أصابعه، ونقبّل قدميه، ونكتفي بالهوبرات السفسطائيّة السخيفة التي تحتجّ عليه؟!

سلامٌ إلى أرواح الشقيقات الثلاث!

Read Previous

وسائل التواصل الاجتماعي بين العواطف والحقائق – د.محمد جميعان

Read Next

الإمارات تكشف عن تبادل معلومات استخباراتية حول «حزب الله» مع إسرائيل

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *