نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية

مراجعة: دعاء عيسى

في كتابه: “نقد الثقافة الغربية: في الاستشراق والمركزية الأوروبية”، الصادر في بيروت، عن مركز دراسات الوحدة العربية، عام ٢٠١٧، يركز عبد الإله بلقزيز على ثنائية: الأنا والآخر، التي تتشابك مع ثنائية: الأصالة والحداثة، وفي حين يرفض بلقزيز الأصالة  التقليدية التي تنقطع عن الثقافات الإنسانية المعاصرة، ولا تراها، إما لجهل بها أو لاعتقاد متبنيها بأن ما ينظّرون من أجله، يتضمن بشكل ضمني نقد ما للمركزية الأوروبية.

فإنه يتبنى في المقابل الفكر الحداثي، بمعناه النقدي، الذي يشتمل على كل من: الثقافة الغربية، والثقافة العربية الإسلامية، ويدرسها تاريخيا، إذ يرى بأن الوعي النقدي الذي يمتلكه المفكرون العرب الحداثيين، اكتسبوه من خلال احتكاكهم بالثقافة الغربية، وتلقيهم للمعرفة من المناهج الغربية، التي تشجع على النقد، الأمر الذي منح هؤلاء المفكرين الأسس النقدية التي سيستخدمونها في نقد كل من الثقافتين الغربية والعربية الإسلامية، والعنصر الأساسي في المناهج النقدية تلك هو اعتمادها على الوعي التاريخي، الذي يضع موضوع الدراسة في سياقه التاريخي، وبالتالي يستطيع المفكر أن يفهم كيفية تكوين موضوع دراسته، ومراحل التطور والتغيير التي مر بها موضوع الدراسة، وبتعبير آخر: يستطيع المفكر الذي يتبع المنهج النقدي التاريخي أن يرى نسبية المعرفة، وآليات تشكلها.

كل ما سبق يتعلق بالقسم الأول من العنوان: (نقد الثقافة الغربية)، ولعله أصبح من الواضح بأن بلقزيز لا يقصد بالحداثة، تقليد واستنساخ أفكار الغرب وتوطينها لدينا، بل يقصد بها: الكيفية التي يمكننا من خلالها الاستفادة مما أنتجه الغرب، خاصة أدوات تحليله، والتي استطاع جزء من المفكرين استخدامها ضد الايديولوجيا الغربية، وهنا سأنتقل للقسم الثاني من العنوان: (الاستشراق والمركزية الأوروبية).

يميل بلقزيز لوجهة النظر التي ترى بأن الاستشراق يحتوي على عنصرين: العلم والأيديولوجيا، يرتبط العنصر الأول بدوافع معرفة تاريخ وثقافة الشرق، ويرتبط العنصر الثاني بالأيديولوجيا التي تقلل من شأن المجتمعات الشرقية حينا، وتبرر الاستعمار بأحيان أخرى. مقابل المركزية الأوروبية التي يرى بأنها تتكون من العنصر الثاني فقط: الأيديولوجيا، وعليه تكون المركزية الأوروبية جزءا من الاستشراق، لا العكس.

يمكن القول بأن هدف بلقزيز، الذي دفعه لتأليف هذا الكتاب ينبع من محاولته الجادة لإنصاف الاستشراق، وما قدمه من معرفة، عادت بالفائدة على الآخر العربي (الذي يُعد أحد موضوعات الاستشراق)، والذي يظن لقلة اطلاعه على الكتابات الاستشراقية، بأن الاستشراق هو الايدولوجيا التي لم يترتب عليها إلا ايذاء العربي من خلال ارتباطها بالمصالح الاستعمارية. وهدفه هذا يتقاطع مع هدف عبد الرحمن بدوي الذي دفعه لترجمة العديد من الكتابات الاستشراقية، وفق إحدى رؤى بلقزيز لبدوي، والتي سيتم التطرق لها فيما بعد.

ولقد اعتمد بلقزيز في كتابه، بشكل مكثف على عبد الكبير الخطيبي، خاصة في مفهوم: “النقد المزدوج” للأنا والآخر، والذي يعد الموضوع الأساسي للكتابات النقدية التي تطرقت للاستشراق، بالإضافة لاعتماده على السيد ياسين، في: “الخريطة المعرفية” التي استعملها بلقزيز في نقد الفكر العربي المعاصر لموضوعات الاستشراق والمركزية الأوروبية، وهنا نلاحظ بأنه أكمل العمل البحثي للخطيبي بالعمل البحثي لياسين.

وفيما يخص المنهجية، فلقد وصفها بالمنهجية الاستشكالية التحليلية النقدية، ولقد نوّه عدة مرات بأن منهجيته ليست تاريخية استعراضية، رغم أن عمله احتوى على تأريخ جزئي لخطاب الحداثة في الفكر العربي، والجدير بالذكر بأن جزءا ليس بالبسيط خُصصه للحديث عن المنهجية التي اتبعها المفكرون الذين تلقوا تعليما تقليديا، مقارنة بالمفكرين الذين تلقوا تعليما على أيدي أساتذة مستشرقين أو أساتذة تتلمذوا وقرأوا لمستشرقين، أي أن موضوع المنهجية لم يكن موضوعا عابرا بالنسبة له، فقد اعتبره من إحدى فوائد المعرفة الاستشراقية، وقام بتوضيح ذلك في الكتاب، من خلال عقد مقارنة ما بين المناهج التقليدية التي تعتمد على التلخيص والشرح مقارنةً بالمناهج الاستشراقية، التي أسست لمعرفة أفضل في العلوم الاجتماعية، في وقت لم تكن فيها هذه العلوم قوية بشكل كافي حتى في أوروبا.

في مقدمته للكتاب، حاول أن يوضح بأن الدفاع عن الجانب العلمي من الاستشراق، لا يعني بأن من يقوم بذلك، خاضع للتغربن، الذي عرفه على أنه: التبعية الثقافية والاقتداء المبتذل لأوهام وأساطير هذه الثقافة (مع تنويهه على أن هذه الأوهام والأساطير موجودة في كل الثقافات، أو للدقة: عن كل هذه الثقافات).

أما في الفصل الأول، فلقد خصصه لسؤال: الهوية والأنا، من خلال تطرقه لاختلافات المناهج، ولكيفية التعامل مع المعرفة الاستشراقية، التي وّلدت في لحظة ما، انبهارا رافق المفكرين الذي نهلوا من نبعها، ورغم أنه في القسم الأول من هذا الفصل جادل بأن النقد هو مرحلة تأتي بعد الانبهار، إلا أنه في القسم الثاني من  هذا الفصل، دافع عن القدرة على النقد رغم وجود الانبهار، أي أنه: لا داعي لتجنب أو تجاوز الانبهار بالاستشراق؛ حتى تستطيع تقديم معرفة نقدية عنه.

وفي الفصل الثاني، فلقد اختص بشكل كامل في عبد الرحمن بدوي، وقدرته على تحدث لغات عدة، التي ساعدته في الاطلاع على الكثير من كتابات المستشرقين، الأمر الذي دفعه لكتابة: “موسوعة المستشرقين”، ويجادل بلقزيز بأن بدوي أهمل العديد من المستشرقين الهامين، وبالغ أحيانا في مدح آخرين، ولم تشمل هذه الموسوعة المجلات الاستشراقية التي نوّه بدوي في الهوامش أحيانا لها، ولكن رغم ذلك، يعتبر بلقزيز عبد الرحمن بدوي، مفكرا ومترجما ناجحا، ويخصص ما تبقى من الفصل للحديث عن الحد الفاصل ما بين الكاتب والمترجم، ويجادل بأنه في أحيان كثيرة لا يوجد مثل هذا الحد، خاصة بأن الترجمة قد تكون في الكثير من الأحيان عمل إنابة، أي أن المترجم يلجأ لترجمة كتاب ما، يشعر بأنه يعبر عن مجمل أفكاره التي قد لا يستطيع قولها، ويعطي مثالا على ترجمات عبد الرحمن بدوي لما كتبه المستشرقين عن الإلحاد، وفي قسم آخر من هذا الفصل، يطرح فكرة مفادها: الترجمة قد لا تكون فعل إنابة، بل فعل تعليمي، ويخلص في نهاية هذا الفصل لكوّن بدوي عايش هذه التوصيفات كلها.

وفي الفصل الثالث: خصص بلقزيز، الفصل الثالث لأنور عبد الملك، الذي يجادل بأن النهضويين العرب، كان غالبيتهم من الليبراليين، الذين لم يأخذوا موقفا حاسما من الاستعمار، بل بشروا بالفكر الأوروبي الحديث، وحتى عند نقدهم للاستشراق، تجاهلوا الجانب الأيديولوجي فيه، واعتبروه أمرا يقلل من قيمة الماضي المتعلق بالعرب والمسلمين، لا حاضرهم، وهو أمر يمكن تفسيره بالاعتماد على أنور عبد الملك، بأن الاستشراق التقليدي اهتم بدراسة الماضي، بل وروج لفكرة تقدمه، بينما يكون حاضر الشرقي عبارة عن نهاية لهذا الماضي الحتمي (ولا يُقصد بالنهاية: التجاوز، بل نتائج هذا الماضي الوخيمة)، وعليه يمكن القول بأن النهضويين لم يروا غير الاستشراق الكلاسيكي.

أما الفصل الرابع، فقد خصصه لإدوارد سعيد، الذي قرر دراسة الاستشراق؛ بسبب تجربته الشخصية في كل من المستعمرتين البريطانيتين: مصر، وفلسطين، الأمر الذي دفعه لتخصيص اهتمامه البحثي في الاستشراق الاستعماري، مما منعه من اعطاء الاستشراق العلمي جانبا من الاهتمام؛ الأمر الذي جعل من بلقزيز متخوفا من احتمالية خلق سعيد لصورة نمطية عن الاستشراق، شبيهة للصورة النمطية التي خلقها الاستشراق عن الشرق.

وفي الفصل الخامس يناقش بلقزيز الأصول الأوروبية لنظرة الغرب للإسلام، بالاعتماد على كتابات هشام جعيط، الذي يرى بأن الحساسية الغربية تجاه الاسلام وطبعه بصفة العداء تنبع من منطلق العداء للنبي محمد، ول: “نبوته المزيفة” التي أعاقت تطور الانسانية المعتمد على تنصير العالم، ويرى هذا العنف الذي يتم وسم الاسلام به نابع من موقف إسقاطي.

ورغم تنبيه جعبيط لكون أصول هذا العداء، لا يمكن اسقاطه على أوروبا اليوم؛ لكونها أوروبات لا أوروبا واحدة، إلا أنه سرعان ما يتجاوز تنبيهه هذا، ليقول بأنه كلما حدث أي صراع ما بين العالمين تعود لتظهر أصول العداء القروسطية.

أما أكثر أطروحاته اللافتة، فتكمن في تفسيره لشطط بعض المستشرقين في حديثهم عن نبي الإسلام محمد، ويفسر ذلك، في كون هؤلاء المستشرقين عادةً ما يضعون محمد مقابل المسيح، فيرون محمد ذو نزعة حسية؛ بسبب زواجه من عدة نساء مقابل المسيح الذي لم يتزوج، ويرونه عنيفا؛ لأنه كان محاربا، مقابل المسيح الذي لم يكن كذلك. ويمكننا التفكير بأن الاستشراق الكلاسيكي اختزل الشرق في صورة محمد، والغرب في صورة المسيح؛ الأمر الذي قد يبرر سر الحاجة لوجود هذا العداء.

أما الفصل السادس، الذي أخذ كتابات محمد أركون النقدية في الاستشراق، لم يكن أهم ما جاء فيها انتقاده للمناهج الاستشراقية التي تتعالى على مناهج العلوم الاجتماعية والانسانية، وهو الأمر الذي اعتبره بلقزيز أكثر أطروحات أركون أهمية، بل اعترافه بما قدمه المستشرقون من معرفة علمية، حظيت بمكانة علمية؛ نتيجة لقصور المعرفة العلمية العربية والاسلامية لدى الباحثين العرب والمسلمين في ذاك الوقت، ولا يلومهم على ذلك، فهو يعتبر هذا القصور نتيجة لظرف تاريخي وثقافي، ولعله كان من الجدير ببلقزيز  أن يستفيض بعض الشيء في حديثه عن ماهية هذه الظروف التاريخية والثقافية.

لعل أهم ما طرحه بلقزيز في الفصل ما قبل الأخير، يكمن في مفهوم الثقافوية، الذي يُعنى بتفسير التاريخ بالاعتماد على العامل الثقافي، دون الأخذ بالاعتبار كل من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ويقول بلقزيز  في هذا الفصل بأن المركزية الأوروبية غارقة في الخطاب الثقافوي، الذي يقدم الغرب على أنه موحد وجوهراني، ويعطي مثال على ذلك: اعتبار أوروبا “الاصلاح الديني” سببا أساسيا في تكونها الحديث (ويعتبر بلقزيز ماكس فيبر عالم اجتماع يتبنى الفكر الثقافوي؛ لكونه فسر تاريخ الرأسمالية بالأخلاق البروتستانتية).

وإذا ما قررنا العودة لطرح أنور عبد الملك حول مفهوم الاستشراق الكلاسيكي (حتى بشقه العلمي) نرى بأن عنصر الجوهرانية أمر مشترك ما بين الاستشراق والمركزية الأوروبية، ولعل هذا أمرا مفهوما عند إعادة الجوهرانية للمظلة التي ترعاها: الأيدولوجيا.

أما الفصل الأخير، فلقد تطرق فيه بلقزيز، بالاعتماد على طرح جورج قُرم، للوجه الآخر من المركزية الأوروبية، المتمثل في خلق أسطورة الغرب، التي تحتاج لوجود ما يقابلها، الأمر الذي جعل من مفهوم الشرق، ضرورة لبقاء الغرب، بغض النظر عن من يمثل هذا الشرق، فليس ذلك أمرا مهما؛ لأن الشرق لا يمثل حيز جغرافي، بل حيز ثقافي وسياسي، أما كيف تُعتبر أسطورة الغرب وجها آخر للمركزية الأوروبية؟ فذلك من خلال كون الوعي الذي أنتج مفهوم الغرب، يتضمن في جملة ما يتضمنه، باعتقاده بأنه مركزا للعالم والعالم المقابل، لذلك هنالك من يرفض مصطلحات مثل: الشرق الأدنى، والشرق الأوسط؛ لأنها مصطلحات تتعامل مع الغرب كمركزية، أو بطرح أبسط: شرق أدنى أو أوسط لمن؟

وبالعودة للحديث عن الكتاب بشكل عام، لا عن فصوله، يمكن القول بأن بلقزيز كان موضوعيا في دراسته لأطروحات الباحثين الذين استخدمهم في معالجة القضايا المطروحة في كل فصل، ولعل ذلك كان واضحا بشكل جلي في الفصل الثالث بالذات، الذي درس فيه أطروحات أنور عبد الملك حول الاستشراق، فأنور عبد الملك كان يتبنى فكرة مفادها: حتى الجانب العلمي من الاستشراق مؤدلج، وهو الأمر الذي يرفضه بلقزيز كما أسلفنا في مقدمة هذه الورقة، إذ أنه يعتبر الأيدولوجيا جزءا من الاستشراق، ورغم ذلك لم يحاول بلقزيز اثبات صحة افتراضه مقابل افتراض أنور عبد الملك، بل اكتفى بعرض كل من الفرضيتين، والدفاع عنهما، مرة بصوته، وأخرى بصوت أنور عبد الملك.

ختاما، يمكن القول بأن بلقزيز لم يتشبع بدراسة متون كتابات المفكرين والباحثين الذين اعتمد عليهم كعناوين فرعية لكل فصل من كتابه، بل قام كذلك بدراسة هوامش كتاباتهم، الأمر الذي جعله أكثر دراية وفهما لهم، وهذا الأمر انعكس على تفسيراته لمواقفهم المعرفية من الاستشراق والمركزية الأوروبية والعلوم الاجتماعية وغيرها من القضايا، حيث ساعده هذا الفهم، في عدم شيطنة مواقفهم التي تتعارض مع مواقفه، مما جعله أكثر موضوعية، لا لكون الموضوعية لديه متمثلة في الموقف الأخلاقي، بل تجاوز ذلك، وأصبحت موضوعيته تنبع من جهده البحثي المبذول في قراءة أعمال هؤلاء المفكرين والباحثين.

Read Previous

إحداهن خلعته ليوم واحد… فنانات أثرنّ الجدل بحديثهنّ عن الحجاب

Read Next

طبيب نفسي فرنسي يحضّ ماكرون على إعادة أطفال (جهاديين) محتجزين في سوريا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.