هل تستعد إثيوبيا لحرب على (أرض الصومال)؟ – مايكل روبن

يسود الهدوء العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وفي حين أن الجيش الإثيوبي بدا قبل شهر على شفا الهزيمة، إذا بجسر جوي إيراني تركي إماراتي من الطائرات بدون طيار والذخيرة يجعل الزخم في صالح رئيس الوزراء أبيي أحمد. لكن ذلك سوف يكون انتصارا باهظ الثمن بالنسبة لحامل جائزة نوبل الموصوم: فالأعمال الانتقامية واسعة النطاق والعقابات الجماعية أدت إلى تآكل النسيج العرقي في إثيوبيا تآكلا يتعذر إصلاحه لا في تيجراي وأروميا فقط بل وفي ولايات إثيوبية فيدرالية أخرى قائمة على أساس عرقي. فالأمر ببساطة أن الطغاة الذين يقيمون معسكرات تعذيب لتحقيق انتقام عرقي لا يمكن أن يفلحوا عند اللجوء إلى مداهنة الشعب.

من أجل الحفاظ على السلطة لا بد أن يُبقي أبيي أحمد إثيوبيا في حالة أزمة دائمة. فيسيطر الأعداء الحقيقيون والوهميون على الخطاب العام. لكن حرب تيجراي أبرزت نقطة ضعف أخرى تتمثل في افتقار إثيوبيا إلى ميناء. إذ أنهى استقلال إريتريا ـ ونجاحها في حرب مع إثيوبيا بعد ذلك ـ امتلاك إثيوبيا لمنفذ على البحر، فكان أن استدارت إثيوبيا إلى جيبوتي، الميناء والدولة المدينة. وقد ضمن الاستثمار الصيني مشروع سكة حديدية وطريق سريع فباتت جيبوتي اليوم تتعامل في 95% من إجمالي التجارة المتجهة إلى الداخل الإثيوبي. لكن مع امتداد القتال إلى ما وراء تيجراي، عطلت القوات طريق السكة الحديدية والطريق السريع بين أديس أبابا وجيبوتي.

لتصحيح هذا الوضع، وإلهاء الشعب بأزمة جديدة، يهيئ أبيي أحمد المسرح للمطالبة بزيلا (سيلاك)، وهي ميناء هادئ يقع في شمالي أرض الصومال على بعد سبعة عشر ميلا فقط من الحدود الجيبوتية. وبدأ أنصار أبيي أحمد في الاستشهاد بسابقة تاريخية، إذ كانت زيلا في ما بين القرن السادس عشر ومطلع القرن التاسع عشر الميناء الرئيسي الذي يخدم مدينة هرر الإثيوبية بل وتمتد خدماته إلى الداخل. كما أن زيلا نقطة محورية في نقاش أبيي المتكرر المتقطع حول إنشاء بحرية إثيوبية جديدة، أي فرعا من الجيش لا معنى له بالنسبة إلى بلد حبيس.

في حين أن إثيوبيا عملاق على مستوى القاري ـ فهي التالية لنيجريا من حيث ضخامة عدد السكان في أفريقيا ـ فإن أرض الصومال أصغر من حيث المساحة والسكان. وزيلا نفسها مدينة معزولة نسبيا، فأقرب مدينتين في أرض الصومال إليها ـ وهما بوروما وبربرة ـ تقعان على بعد 150 و170 ميلا من الأراضي الوعرة على الترتيب. ولذلك فسوف تحتاج أرض الصومال ساعات، إن لم يكن أياما لكي تحشد قوانها لصد غزو إثيوبي. وفي حين ستواجه القوات الإثيوبية أرضا قاحلة وعرة هي الأخرى، فإن كل ما تحتاج إليه هو قطع مئة وستين ميلا للوصول إلى زيلا.

ثمة عوامل جيوسياسية تضاعف من عزلة زيلا. قد تكون أرض الصومال من أكثر بلاد أفريقيا ديمقراطية، لكن انفصالها عن الصومال سنة 1991 غير معترف به بعد. وهي اليوم ـ بجانب تايوان ـ الأكثر فاعلية بين الدول غير المعترف بها، فهي ذات قدرة أعلى من كل من السلطة الفلسطينية أو القيادة الحمساوية في غزة، وحكومة كردستان الإقليمية في شمالي العراق، أو جبهة البوليساريو في الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية في الجزائر. لكن عزلة أرض الصومال أثرت على قوتها العسكرية، وبنيتها الأساسية، واقتصادها، برغم أنها لا تزال أفضل كثيرا في هذه المجالات من بعض الدول المعترف بها في غرب أفريقيا ووسطها.

والتحالفات في مثل أهمية العوامل الجيوسياسية. ففي حين أن أبيي أحمد ـ الغاضب من الانتقادات المستمرة في ما يتعلق بحقوق الإنسان ـ قد أدار ظهره الآن للولايات المتحدة وأوربا لصالح داعمين مستبدين كالصين وتركيا وإريتريا وإيران، مضت أرض الصومال في الاتجاه الآخر. فللمملكة المتحدة والدنمارك وكينيا جميعا مكاتب في هرجيسا عاصمة أرض الصومال، كما أن للاتحاد الأوربي حضورا متواترا. وبدلا من قبول رشاوى بكين مثلما فعلت بلاد أفريقية كثيرة، اختارت أرض الصومال تايوان لما بينهما من قيم مشتركة. وبعد فترة قصيرة من ذلك الخيار، أرسلت وزارة الخارجية الصينية وفدا لشراء تغيير السياسة بالرشاوى، لكن قيادة أرض الصومال المنتخبة ردت الوفد على الفور.

والصين غاضبة أيضا من أرض الصومال لأسباب تجارية: فميناء بربرة الموسع حديثا ينافس جيبوتي أكثر فأكثر. وطريق الممر الإماراتي الممتد من الميناء مرورا بمطار جديد ممول أيضا من الإمارات إلى الحدود الإثيوبية يجعل بربرة أكثر جاذبية. وربما يقدر أبيي أنه إذا قام بخطوته تجاه زيلا، فإنه سوف ينعم بدعم الصين، فإن لم يكن ذلك عقابا لتايوان فهو دعم لاستثمارات الصين الخاصة في جيبوتي.

كدأبه يخلط أبيي أحمد بين الواقع والتفكير التفاؤلي. فجيبوتي غير غريبة على التوترات العرقية بين الصوماليين الذين لا يحكمون البلد والعفر. والانتقال إلى جمهورية أرض الصومال سوف يفاقم هذه التوترات، كما أن لصوماليي جيبوتي قرابة بأرض الصومال بينما لكثير من العفر قرابة بأثيوبيا. ومن شأن هجوم إثيوبي على زيلا أن يجدد إشعال التمرد ويزعزع استقرار جيبوتي.

قد يذهب الكثيرون في واشنطن إلى أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تهتم بالقرن الأفريقي كله. وهؤلاء ببساطة مخطئون. فزيلا وجيبوتي تقعان على باب المندب الذي يعبر به كثير من التدفقات التجارية البحرية العالمية (والأمريكية). وتقوية الصين العازمة على حرمان التجارة الأمريكية من المسارات البحرية من شأنه أن يلحق الضرر بالمصنعين في الولايات المتحدة. وبذلك فإن ما يجري في بلدة زيلا الصغيرة سوف يكون محسوسا من أرض الصومال إلى شيرفبورت ومن جيبوتي إلى دينفر. كما أن زعزعة استقرار جيبوتي وأرض الصومال ـ وهما أكثر بلاد القرن الإفريقي استقرارا ـ سيطلق أيضا عنان المزيد من تدفقات الهجرة إلى الشرق الأوسط والبحر المتوسط، ومن شأن ازدياد الهجرة إلى أي من المنطقتين أن يزعزع استقرار بلاد وأن يجدد نشاط الإرهاب.

ولكن، إن ارتأت إدارة بايدن أن تستبق الأحداث، فالدبلوماسية الحكيمة يمكن أن تجتنب الأزمة. فبعد أكثر من ثمانية شهور من قيام وزير الخارجية أنطوني بلينكن بتعيين جيفري فيلتمان مبعوثا خاصا له في القرن الأفريقي، لم يزر فيلتمان أرض الصومال بعد. وهو يتذرع بأن وقته لم يسمح له بذلك، بغض النظر عن أن المطار الدولي الأساسي في البلد يقع على بعد رحلة جوية لخمس وأربعين دقيقة فقط من أديس أبابا، أو على بعد رحلة جوية لثلاث ساعات من الدوحة أو دبي. ولعل بلينكن ـ الذي حذف من استراتيجيته لأفريقيا أي ذكر للصين ـ يشعر بالحرج من أن أرض الصومال لديها من الوضوح الأخلاقي أكثر مما لدى الكثيرين في واشنطن في ما يتعلق بمآثر الديمقراطية على الدكتاتورية.

الأرجح أن فيلتمان لا يريد أن يوحي باعتراف الولايات المتحدة بأرض الصومال. وهذا بدوره تفكير بائس. وذلك، أولا، لأنه ليس من شأن هذه الزيارة أن تفعل شيئا من هذا القبيل. ففي النهاية، يقوم الدبلوماسيون الأمريكيون بزيارة تايوان، وكردستان السورية، وكردستان العراقية، والسلطة الفلسطينية، وكل ذلك دون معنى دبلوماسي مبالغ فيه. لقد أعلن مستشار أمريكي سابق للأمن الوطني وثلاثة وكلاء وزارة سابقين متخصصين في الشؤون الأفريقية بالخارجية الأمريكية أنهم نادمون لأنهم لم يولوا أرض الصومال ما هي أهل له، وغيرهم قالوا مثل ذلك ولكن بعيدا عن العلن. واستعداد خارجية بلينكن للتضحية بالمصالح الأمريكية من أجل مخاوف مقديشيو يشي بأن في المؤسسة الأمريكية خطأ منهجيا أكيدا.

ثانيا، لا ينبغي السماح للحساسية الدبلوماسية بإهدار فرصة لاجتناب حرب. فعواقب حذف بلينكن وفيلتمان لأرض الصمومال من الدبلوماسية الأمريكية سوف تكون له آثار حقيقية إذا ترجم أبيي أحمد والرئيس الصيني شي جينبنج هذا الإهمال باعتباره ضوءا أخضر لشد حرب عدوانية جديدة.

إن زيارة بسيطة من فيلتمان لزيلا عبر هرجيسا سوف تحول الضوء الأخضر إلى أحمر، ويجدد التأكيد على أن الولايات المتحدة تعترف بثبات الحدود المعروفة لأرض الصومال (والصومال). ومن ذم فهذا هو أوان تقديم الدبلوماسية على ما سواها.

——————————————————————

باحث مقيم في معهد أمريكان إنتربرايز، متخصص في إيران وتركيا والحدود في الشرق الأوسط.

Read Previous

الأمم المتحدة: العنف المسلح في الساحل الإفريقي شرّد 2.5 مليون إنسان

Read Next

بعد أوكرانيا.. أميركا تمسك مجدداً بالأمن الأوروبي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.