ملخص كتاب تجفيف منابع الارهاب للدكتور محمد شحرور “1”

 

عمر أبو رصاع hqdefault

 

تجفيف منابع الإرهاب للدكتور محمد شحرور (تلخيص و إيجاز لأهم أفكار الكتاب أعده عمر أبو رصاع)

 

استناداً إلى التزيل الحكيم فالمصطلح المقابل للمصطلح الدارج (الإرهاب هو مصطلح (الإرعاب) كمثل قوله : {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا} (الأحزاب 26) ، لكن الدكتور محمد شحرور استعمل مصطلح إرهاب في عنوان كتابه لأنه الذي اصطلح عليه في الثقافة الداÑde;جة للدلالة على الظاهرة موضوع اهتمام هذا الكتاب.

 

 

 

 

الجهاد :

مصدر الفعل الرباعي جاهد على وزن فاعل كالجدال و القتال و الخصام و الجهاد فعل إنساني واع لا يقوم إلا بطرفين ، و يكون الطرف فيه فرداً أو يكون جماعة حيث يبلغ كل طرف وسعه في مغالبة صاحبه.

الجهاد غير القتال و القتل و الحرب و الغزو ، و إذا كان ابن كثير و الشافعي في الأم ذهبا إلى أن “الجهاد فريضة يجب القيم به سواء أحصل من الكفار اعتداء أو لم يحصل” ألا إن هذا يجعلنا في مواجهة موقف حائر أمام قوله تعالى: { وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (العنكبوت 8) و قوله { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (لقمان 15) ؛ فهل هذا هو الجهاد الذي عرفه لنا الشافعي و ابن كثيرو فقهاء ذلك الزمان ؟!

لا عجب إذن أن يعمد الفقهاء هنا إلا تصور خاص لهم عن النسخ فيصورونه أداة و آلة يعطلون بها بعض الكتاب ببعض حتى يستقيم لهم اتساقه مع الفهم و التخريج الذي يريدونه له.

إذا كان ذلك هو مفهوم الجهاد الذي استخرجه الشافعي من قوله : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ} (التوبة 73) فلا بد إذن أن يصير هذا نسخاً لقوله {لا إكراه في الدين} (البقرة 256) و قوله : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل 125) بل لا بد أن يصير هذا الفهم لمعنى الجهاد في الآية 73 من سورة التوبة أداة لنسخ مئة و عشرين آية من آي الذكر الحكيم تتناقض و هذا الفهم العنفي لمعنى الجهاد و حصره بهذا الشكل!

ألا إن النسخ كان بين الشرائع و ليس في التنزيل الحكيم نسخ ؛ ذلك أنه عز من قائل قال : {} (المائدة 15) ، وفق قراءتنا فإن { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256) و مثلها { وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا }(الكهف 29) و{ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (النحل 125) كلها من آيات الرسالة المحمدية المحكمة و لا يجوز عليها نسخ ، أما قوله { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } (التوبة 5)فهي من القصص القرآني لا من الرسالة و هي من الآيات المتشابهات و تأخذ منها العبر فقط لا الأحكام الشرعية و ليس العكس كما ذهب فقهاؤنا.

 

الشهادة و الشهيد :

 

الشهيد و الشاهد اسم فاعل مفرد للفعل “شهد” ، مثناه شهيدان للشهيد و شاهدان للشاهد ، و الفرق بين الشهيد و الشاهد هو أن شهادة الأول حضورية يشهد فيها بما رأى بأم عينه و سمع بأذنه و شهادة الثاني شهادة معرفة و خبرة يشهد فيها بصدق أو بكذب واقعة دون أن يكون قد حضرها.

مثال على الشاهد من التنزيل الحكيم : { مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (المائدة 117) هكذا ينفي عيسى بن مريم أن يكون هو الذي دعا الناس إلى عبادته و عبادة أمه و أنه كان شهيداً عليهم و هو فيهم إلى أن توفاه الله ، كذلك قوله : { … وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا…} (البقرة 282)

  • نتيجة
  • الحضورية هي الشرط الأساسي و الوحيد في تحديد تعريف الشهيد ، و هي التس تجعل شهادة الشهيد قطعية بقيامها على السمع و البصر.
  • لا يمكن أن يكون الإنسان شهيداً لشيء ما إلا و هو على قيد الحياة و بالموت تنقطع الشهادة.
  • القتالو التقل لا علاقة لهما بالشاهد و الشهيد ؛ ففي مئة و ستين وردت فيها مشتقات “شهد” لا ذكر للقتال و القتل لا تصريحاً و لا تلميحاً.
  • كل عقد بيع (المفروض عقد دين هنا لا بيع) لا يحمل شهادة شهيدين باطل لمخالفته الآية 282 من سورة البقرة.
  • الشهادة حضورية و تشمل مجالات عديدة.

 

هكذا نفهم جيداً معنى قوله : {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج 78).

إذن هل من يفجر نفسه بين المسالمين في الاسواق العامة و في المناطق السكنية هو الشهيد؟ و الذين قتلوا في هذا التفجير بدون ذنب هل هم شهداء؟ ما دمنا نجد في التنزيل الحكيم : {… وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا…} (البقرة 282) و : {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة 23) ؛ فهل لو سألنا القاعدة و حماس لو طلبنا منكم أن تدعوا شهداءكم تفهمون أننا نسألكم أن تدعوا لنا أحمد ياسين و الرنتيسي و منفذي ما أطلقتم عليه غزوة نيويورك؟

و إن قلنا لكم استشهدوا شهيدين من رجالكم تفهمون من ذلك أن ترسلوا رجلين في ملية انتحارية أو التي تسمونها استشهادية؟

فالاستشهاد إذن بدلالة القرآن هو طلب الشهادة الحضورية المؤيدة بالسمع و البصر.

  • في سبيل الله

وردت في التنزيل الحكيم سبعون مرة ، اقترنت بالقتال حيناً و بالأنفاق حيناً آخر و بالجهاد و الهجرة تارة و بالضرب في الأرض تارة أخرى ؛ كلها في إطار معنى واحد هو ضمن طريق الله و وفقاً لمنهجه.

أما القول “من أجل الله” فإن الله ليس بحاجة من يقاتل من أجله فهو الغني عن العالمين ؛ و الإنفاق و القتال في سبيل الله هو وفق منهجه الذي رسمه للعباد و ليس له سبحانه فهو كما قلنا غني عن العالمين.

باقترانها في الضرب بالأرض {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ} (النساء 94) نجد أن الضرب في سبيله حتمي بدلالة “إذا” و هذا سعي الإنسان في عام حياته مما الأصل فيه السلم و السلام و الحرب هنا طارئ لا محتوم ، و من ألقى السلام هنا تحيته و المؤمن الآمن المسالم.

 

من هذا الفهم الذي يعتمد تأصيل المصطلح استناداً لآيات الذكر الحكيم و مورده فيها ننبذ الجهاد بمعناه الفقهي السائد الذي رفعت رايته في عصور الاستبداد ، و من تبعهم من الفقهاء المعاصرين يعانون عقدة نقص هي الدونية و يرون أنفسهم غباراً على أحذية السلف ، أما نحن فقد كرمنا تعالى بالسمع و البصر و الفؤاد لنسمع و نرى و نفهم و لا نقبل أن نكون غباراً على حذاء أحد.

نستشهد على ما نقول بالله و بكتابه و هم يستشهدون على ما يقولونه بالسيوطي و بالدهلوي و بابن عابدين ، و شتان بين شهادة شهيدنا و شهادة شاهدهم فالأولى حضورية قطعية و الثانية ظنية ، و الظن لا يغني من الحق شيئاً .

  • مفهوم الفتح

يدور مصطلح الفتح على ثلاثة آيات مؤسسة لمعناه و مضمونه هي :

{قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}(الأعراف 89)

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الأعراف 96)

{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (المائدة 52)

لا تقرأ الآية الأولى بمعزل عن الآيتين اللاحقتين في قوله {ليغفر} بعد لام السببية جاعلاً الفتح سبباً لأربع نتائج عددها و هي : 1- مغفرة الذنوب 2- إتمام النعمة 3- الهداية إلى الصراط المستقيم 4- النصرة دعماً و تأيداً و عوناً.

و فتح مكة كما فهم الرازي و غيره من المفسرة لا يمكن أن يكون سبباً في النتائج الأربعة.

عيوب القراءات السابقة :

  • الإصرار العجيب على حصر مفهوم الشهادة و الشهيد بقتلى المعارك تخصيصاً خلافاً لقوله تعالى : {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (الحديد 19) و ذكره من بقي حياً بعد أحد على أنهم شهداء في قوله : {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران 140).
  • التمسك بظاهر الألفاظ على حقيقتها و ترك المجاز رغم ما ينتج عن ذلك من تجسيم بحق الله من جانب و تضاد و تناقض مع قوانين الكون المادية من جانب آخر ؛ فحين زعموا أن القتلى أحياء مادياً على وجه الحقيقة استتبع ذلك لزوماً أن تكون “العندية” في عبارة “عند ربهم” مكانية على وجه الحقيقة و هذا لا يجوز على الله لأن العندية المكانية من صفات الأجسام ، و أما التضاد و التناقض مع القوانين الكونية المادية ففي زعمهم أن أجساد الأنبياء و الشهداء محرمة على الأرض.
  • الخلط بين النفس و الروح و بين الموت و الوفاة ، فالنفس هي التي يتوفاها الله خالقها لتعود تراباً كما كانت أول مرة لقوله : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران 185) و يعني الهلاك المادي للجسد و الثاني مجازي : {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}(الأنعام 122) ، فالله سبحانه ينهى نبيه عن التوهم أن القتلى ماتوا و ستذهب ريحهم كما ذهبت ريح غيرهم بل هم أحياء فللموت و الحياة وجهاً مجازياً غير الموت الذي نراه و نتوهم أنه نهاية المطاف و لا يمكن أن يفهم على وجه الحقيقة بمعاييرنا المادية لأنه يؤدي للتجسيم كما قلنا لقوله {عند ربهم}.

القتال

القتال مصدر الفعل الرباعي “قاتل” على وزن “فاعل” و مثله جادل و خاصم و شارك و بايع ، الألف فيها أصلية و ليست زيادة كما يزعم البعض ؛ فليس القتال كالقتل و القتلة ليسو كالمقاتلين ، و قد وردت مفردة القتال في واحد وسبعون موضعاً من التنزيل الحكيم.

و القتال موقف تصادمي يتميز بالعنف بين طرفين ، فلا يعد قتالاً إذا ما أقتصر على طرف واحد {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} (المائدة 28)

حالة نراها في العراق في كثير من الأعمال الانتحارية ؛ فطرف يريد القتال و طرف آخر أعزل أصلاً لا يريد القتال و لا أن يقتل.

القتال عندنا من أشد التكاليف ثقلاً على النفس البشرية ؛ فهو كُره باعتبار ما فيه من مشقة و قتل و هو كَره باعتباره آخر الحلول في تسوية النزاعات لا يلجأ إليه إلا اضطراراً ، أما قولنا هو تكليف فلقوله : {كتب عليكم} و هو تكليف للقادرين العقلاء شأن جميع التكاليف.

ليس الجهاد كالقتال و إن جاز أن القتال قد يكون جهاداً أصغر و ليس القتال كالغزو إطلاقاً و لا يجوز السكوت على التسوية بينهما ، فالجهاد الأكبر يشمل عشرات الأوجه و المجالات.

القتال كُره و كَره و تكليف ، أما الكره فيعني النفور التكويني و الكراهية الفطرية ، و أما الكَره فالجبر و الاضطرار كقوله : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا…}(النساء 19) ، و الكًره لا يجوز استبعاده فهو أيضاً أحد القراءات للآية 216 من سورة البقرة التي أعتمدها السُّلمي ، أما كونه تكليف فككون الصيام كذلك و القصاص.

إذن هو ليس على النبي و أصحابه في وقتهم فقط كما ذهب ابن عمر و عطاء و لا هو فرض كفاية كذلك لقوله : {عليكم} التي لا تمنع وجوب القتال على الجميع ، و لو كان قوله {كتب عليكم القتال} من فروض الكفاية كما زعموا لانسحب ذلك على الانفاق في الآية التي سبقتها في قوله : {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة 215) و هذا لا يقبله عاقل.

لم تذكر لنا الآية : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة 216) الهدف و الغاية و القصد هنا من القتال ، لكن التنزيل الحكيم حدد ذلك في ثلاثة مواضع هي :

{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة 40)

{فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ } (البقرة 251)

{الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج 40)

إذن هذه الأهداف و الغايات هي :

أن تكون كلمة الله هي العليا ؛ قوانينه و أنظمته المادية القاهرة سواء آمن المتلقي أم لم يؤمن {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (يونس 82) فلو كانت كلمة التوحيد لما استطاع انسان أن لا يكون موحداً ، و كلمته العليا هي الحرية و منها العدل {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء58 (و من هذا المساواة.

صون الأرض من أن تفسد ، فالدفع يمنع الفساد تربط بينهما علاقة امتناع لوجود حرف (لولا) ، و هذا التدافع يشمل كل ميادين الحياة في السعي البشري لتحقيق المصالح و حتى في النزاعات و أن أعنف درجاته هو القتال ، فهو تدافع الناس في مختلف مجالات الحياة و لولاه لفسدت الحياة المادية و شروطها و شروط استمرارها عبر هذه الجدلية التي هي التدافع و هو عندما يصل إلى مرحلة القتال لا يجوز أن يكون إلا بين دول.

حفظ بيوت الله التي تقام فيها الشعائر على اختلافها (الصلوات) من أن تهدم. ابتداء لو كان الله يريد أن يؤمن كل الناس لكانت تلك كلمته و لما أمكن لإنسان إلا أن يكون لذا فلا يحق لأحد أن يعدل على أرادته هذه فيفرض الإيمان لقوله : {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس 99).

أما أسباب القتال فنجدها على النحو التالي:

في حالة وقوع الظلم للعمل على رفع الظلم و رده {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج 39)

وقوع الإخراج من الديار {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ …} (الحج 40)

وقوع اعتداء داخلي أو خارجي على الأنفس أو الأموال أو الأعراض أو الحريات بكل أنواعها {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (البقرة 194)

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *