ملتقى السلم في أبوظبي: دولة الخلافة صيغة غير ملزمة للمسلمين

أبوظبي – تلاقت دراسات المشاركين في الملتقى السنوي الثالث لمنتدى “تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة”، الذي تواصلت فعالياته على مدى يومي 18 و19 ديسمبر في أبوظبي وتحت رعاية الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، حول حقيقة مفادها، أنه “لا توجد في الشريعة الإسلامية أحكام ثابتة وملزمة حول شكل السلطة وصلاحياتها ومكوناتها وطريقة تداولها، إلا بقدر ما يحقق من المصلحة أو ما يدرأ من المفسدة، ويتلاءم مع أعراف وأحوال الناس، ويوفر السلام ويحفظ النظام، ويكون أقرب إلى روح الشرع في الأحكام. وأن التجربة التاريخية تثبت تعدد دول الإسلام وتعدد أئمتها، ولم يثبت أن أحدا سعى إلى توحيد الأقطار تحت راية واحدة بسبب الواجب العقدي المستبطن لمبدأ وجوب الخلافة ووحدة الإمام. فالدولة الوطنية في عالمنا الإسلامي مع اختلاف أشكالها وصورها، هي نظم شرعية لها من المشروعية ما للإمبراطوريات الكبرى التي كانت قائمة في التاريخ بناء على قانون المصالح والمفاسد الذي تدور حوله أحكام الشرع، فلا يجوز أن تراق الدماء لتوحيد الدولة، ويجب أن يسود السلام”._97668_130

 

تعريفات وتحريفات

 

الدراسة التي قدمها الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في الجلسة الافتتاحية للملتقى، تحيل إلى أنه لا ينبغي أن تغيب عن أذهان المعنيين بضرورة تجديد الخطاب الديني وتطويره، المخاطر التي سببتها التحريفات في المفاهيم المتعلقة بالدولة، وذلك لعدم استيعاب أصولها الأولى أو للجهل بالشروط الزمنية والمكانية التي تحكمت في صياغة المفهوم، ومن ثم فإنه لا أمل في إيجاد بيئة ملائمة لتحقيق ثقافة السلم من دون تحرير المفاهيم.

 

جوهر تجديد الخطاب الديني، بحسب ما أكد عليه المشاركون، يكمن في صياغة المفاهيم صياغة مستقلة مبتكرة، أو مراجعة المفاهيم المعتمدة في المجالات المستهدفة وما يمكن أن يتولد عنها من أحكام لتهذيبها وعرضها من جديد على أصولها من جهة وعلى النتائج من جهة أخرى، مما قد يستدعي تحويرها أو تغييرها أو تطويرها أو تعديلها وتبديلها.

 

وفي هذا الإطار قدم الشيخ حمزة يوسف، نائب رئيس منتدى تعزيز السلم، رئيس كلية الزيتونة في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، إضافة مفادها أن الكثير من الناس يبقون في الأحداث نفسها، ويقولون إن التاريخ يعيد نفسه، وإن الظروف التي تنشئ النماذج والأحداث تسير في نمط واحد، وكذلك التصورات والاعتقادات والمفاهيم، وبالتالي فإن التغيير الجذري لا يأتي إلا من خلال تغيير الاعتقادات والمفاهيم.

 

واستعرض يوسف، ثورات عدة في التاريخ الإسلامي، انتهت جميعها إلى مفسدة أكبر بكثير من المفسدة التي برّرت الخروج على الحاكم. متناولا ما سماه “واجب الدولة” في التجربة الغربية، وبخاصة من خلال مفهوم المفكر جون لوك، وهي المحافظة على نفوس وأموال المواطنين، وحراسة البلاد، وكذلك في الدستور الأميركي، وهي إقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام، وتأمين نعمة الحرية لنا ولأجيالنا القادمة. أما الأحكام السلطانية فتشمل الأمن الداخلي والخارجي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسبة السوق.

شوقي علام: أصحاب الفكر، يجوز لهم أن يستعينوا بأنظمة، حتى لو كانت من عند غيرهم، طالما أنها تحقق المصلحة

 

ومثلت مسألة احتكار الدولة للعنف بوصفها سلطة زجرية رادعة وحامية للحقوق، محورا جوهريا في إحدى جلسات الملتقى التي ترأسها الباحث الإماراتي يوسف الحسن، وعرض فيها عبدالله السيد ولد أباه، عضو مجلس أمناء منتدى تعزيز السلم، موضوع “أطروحة الدولة الدينية وتسويغ العنف”، بمقدمتين. الأولى تتعلّق بمفهوم الدولة الدينية في السياق الإسلامي، والثانية بمفهوم الدولة الدينية في السياق الغربي. فلاحظ أن الدولة في الإسلام مدنية وليست دينية، ولكن حينما ننظر إلى الخطاب الإسلامي نجد أن هناك ازدواجية. فالإسلام دين ودولة، والدولة جزء أساسي من الدين، وهذا التصور ـ في نظر ولد أباه ـ قام على حجج، استنادا إلى الإجماع الفقهي بوجود الإمام، واستنادا إلى الحاجة للاحتكام إلى سلطة سياسية، التي ترتكز إلى مفهوم اجتماعي بوجود كيان سياسي يعبّر عن الوحدة الوطنية.

 

وتحدث عبدالسلام الطويل، رئيس تحرير مجلة “الإحياء” المغربية عن موضوع “الدولة الوطنية واحتكار العنف”، محاولا تحديد ماهية ومفهوم الدولة الحديثة انطلاقا من خاصية احتكارها وامتلاكها الحصري للعنف الشرعي وغير الشرعي. كما بلورت نظريته مفهوم الأدبيات السياسية الحديثة، خاصة مع ماكس فيبر، باعتبارها خاصية جوهرية محددة لكيان الدولة ووظيفتها، لدرجة أن افتراض وجود دولة من دون عنف شرعي يوازي غياب الدولة على الإطلاق، إذ لا دولة من دون وازع ولا سلطان.

 

وفي الموضوع نفسه أشار عبدالله الجديع، المستشار الشرعي لمسجد مدينة ليدز الكبير في بريطانيا، إلى مصطلح الدولة، فقال إن هذا المصطلح لم تعرفه نصوص الكتاب والسنة، بل استعمل القرآن تسميات أخرى مثل القرية والمدينة، مضيفا أن الدولة في الواقع المعاصر تتنازعها تعريفات كثيرة من أدقها “مجموعة من الأفراد يقيمون بصفة دائمة في إقليم معيّن، وتسيطر عليهم هيئة حاكمة ذات سيادة”.

 

الدولة مفهوم ينبغي أن يصحح

 

مفهوم، أو مفاهيم الدولة، في الفكر والتجربة التاريخية الإسلامية، موضوع ظل شائكا وضبابيا في الذهنية التي تحاول الجماعات السلفية تكريسها، فكان لا بد من رفع اللبس من قبل أصحاب المداخلات المشاركة في ملتقى أبوظبي. وفي هذا السياق اعتبر شوقي علاّم، مفتي الديار المصرية، أن موضوع المصلحة وتدبير الدولة في الفقه السياسي الإسلامي يدخل ضمن الإطار العام لفكرة الدولة الوطنية، التي لطالما سعت الحركات الإسلامية بين الوقت والآخر إلى أن تنحّي جانبا منظومة الدولة الوطنية على اعتبار أنها نبتة غريبة وغير صالحة، وعملت في سبيل ذلك على تكوين كيانات متعددة هدفها تنحية جانب من مشروعية الدولة، حتى وصل بها الأمر إلى تكوين كيانات عسكرية تدافع عن أصحاب الحق كما تزعم. ويؤكد علاّم أنه “يجوز لأي دولة ما، أو أصحاب الفكر والعلماء، أن يستعينوا بأنظمة؛ حتى لو كانت من عند غيرهم؛ طالما أنها تحقق مصلحة ولا تعارض مبدأً أو عرفا”.

 

أما رضوان السيد، عضو مجلس أمناء منتدى تعزيز السلم، فرأى أن العرب كانوا في الماضي يشتاقون للكيان السياسي، لذلك سميت السلطة الإسلامية بـ“الخلافة”، وكان اسم أمير المؤمنين وقتها خليفة رسول الله لأنهم كانوا لا يريدون التشبّه بكسرى، حيث كانت فكرة الدولة عزيزة عليهم، ولم يريدوها دولة ظالمة وباغية. لذلك فالدولة بالنسبة إلى العرب في السابق هي موضوع في غاية الأهمية، عكس الوقت الراهن، الذي كثرت فيه الصراعات بين الدول والمذاهب، وانتشرت العديد من المسمّيات الضالة. مستعرضا موضوع الخلافة بحسب التسلسل التاريخي، بدءا بعصر الرسول مرورا بالصحابة والتابعين والأمويين والعباسيين، وصولا إلى العصر الحديث. مؤكدا أنه مع تقدم الزمن زادت الصراعات وكثرت المسميات.

عبدالله بن بية: الدولة الوطنية تتوافق مع مقاصد الشريعة كلها في النظام والانتظام، ولا يجوز نزع الشرعية عنها

 

لاحظت منى حسن، الأستاذة بجامعة كاليفورنيا وصاحبة أطروحة “الشوق للخلافة المفقودة”، أن البيعة بالولاية بعد الرسول كانت صيغة مقبولة، ولكن ذلك المفهوم تغيّر واختلف نمطه عبر القرون الطويلة كتغيّر الألقاب، مؤكدة أن الخلافة ليست محصورة في الشعارات، لذلك فإنها موجودة في جميع الحكومات الإسلامية.

 

أما زيد بوشعرا فيعتبر أن المصلحة وتدبير الدولة في الفقه السياسي والإسلامي، وسيلة كلية من ضمنها وسائل جزئية، و“الوسائل من شأنها التبدل، حيث يذهب بعضها وتحل محله وسائل أخرى، وقد يستمر بعضها والباقي يسير نحو التدهور، فالوسائل الكلية هي وجود الدولة أو الوسائل التي تعدها الدولة لتدبير أمور المجتمع” .

 

ويؤكد علي الأمين، عضو مجلس حكماء المسلمين، أن “بعض الاتجاهات الحزبية المعاصرة حصرت شرعية الدولة الدينية في ولاية الفقيه أو في دولة الخلافة، بحيث لا تكون هناك شرعية لدولة ما لم يمضها الولي الفقيه أو الخليفة. وهذا لم يقم عليه دليل لا من الكتاب ولا من السنة، لأن الدولة ضرورة اجتماعية وجدت قبل الدين، فالدين ليس مؤسسا للدولة وليس مشرعا لها وإنما يمضيها ويوافق عليها في ضوء دورها في حفظ المجتمع وصون البلاد وحقوق العباد، فأي دولة تقوم بهذا الدور هي دولة شرعية ولا تحتاج لإجازة الولي الفقيه، ولا الخليفة”.

 

وتحدث المفكر عبدالإله بلقزيز عن العولمة وآثارها في الدولة الوطنية، مرجحا أهمية التفاعل مع العولمة لا الانزواء، وذلك على غرار بعض التجارب العالمية الناجحة مثل الصين، والهند، وروسيا، والبرازيل، التي “خرجت من الكيانات القطرية الضيقة إلى الفضاء الأرحب”، فأصبحت أمما متفاعلة مع هذا البناء العلمي التنموي التقني، وحجزت مكانة متقدمة بين الأمم.

 

وتحدثت أماني لوبيس، عضو مجلس أمناء المنتدى، رئيس مجلس علماء إندونيسيا لشؤون المرأة، عن التجربة الماليزية متطرقة إلى معايير الدولة الوطنية في خمس نقاط بينها: المواطنة، والديمقراطية، والمجتمع المدني، وسيادة دولة القانون. واختتم نبيل فازيو فعاليات الجلسة بالحديث عن سبب تقدم الغرب وتأخر العالم العربي، مبيّنا أهمية التفريق في تأسيس شكل الدولة بين أن تكون إسلامية أو أن تصاغ وفق التصور الإسلامي.

 

نتائج مشجعة ونموذج يحتذى

 

نتائج مشجعة تدل على وعي أفراد المجتمع بأهمية عملية السلام في العالم العربي، هذا ما استنتجه الباحث جيمس زغبي، مدير المعهد العربي الأميركي خلال الاستطلاع الذي قامت به مؤسسته حول مدى ارتباط الدول العربية بمفهوم الوطنية، فوجد أن 80 بالمئة في دولة الإمارات مثلا يهتمون بذلك المفهوم.

 

وعن تجربة دولة الإمارات في تعزيز السلم، قالت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي، وزيرة الدولة للتسامح، إن الدولة قامت على أسس متينة وثوابت راسخة مبنية في علاقاتها مع مختلف الدول والجنسيات والثقافات والأديان على أساس الاحترام المتبادل. وقد حرص مؤسس الدولة، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان على أن تكون دولة الإمارات داعية سلام ووئام، ورمزا للتسامح والتعايش والانسجام، مؤكدة أن دولة الإمارات تؤمن ببناء الإنسان والإنسانية، وتحرص على قيم التسامح والإخاء والاحترام المتبادل والتعاون مع الآخرين، كأطر مرجعية ومنطلقات وطنية ثابتة تحافظ على النسيج الاجتماعي والتوافق المجتمعي، وتضمن الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والعالمي، مشيرة إلى أن دولة الإمارات العربية تبوأت المرتبة الثالثة عالميا في مؤشر الثقافة الوطنية المرتبط بدرجة التسامح ومدى انفتاح الثقافة المحلية لتقبل الآخر. إذ صعدت الإمارات من المرتبة الثامنة عام 2015 إلى المرتبة الثالثة عام 2016، وذلك بحسب تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية 2016، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية العالمية في سويسرا، والذي قيّم 61 اقتصادا متقدما.

 

    ومن القيادات الرمزية المؤسسة لهذه المبادرة التي تم تكريمها كاردينال زابالنقا رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية بأفريقيا الوسطى وإمام عمر كوبين لياما رئيس اللجنة الإسلامية بأفريقيا الوسطى والقس نيكولا رئيس التحالف الإنجيلي بأفريقيا الوسطى

 

وتناول محمد مطر الكعبي جهود دولة الإمارات العربية المتحدة في ترسيخ منهج الوسطية والتسامح، قولا وفعلا، والتواصل مع مختلف الثقافات، وترسيخ التعايش، ومواجهة الأفكار المتشددة. مذكرا بقانون تجريم ازدراء الأديان الذي أصدرته الدولة عام 2015 للحفاظ على كرامة الإنسان، ومنع الإساءة إلى أي دين من الأديان.

 

أما شاهد مالك، الذي يعتبر أول وزير مسلم في بريطانيا، فطالب العلماء والمسؤولين بالعمل مع بعضهم البعض من أجل تحسين العالم وتعزيز السلم، وضرورة ترسيخ الأفكار الإيجابية في أذهان الشباب، وتغيير الصورة النمطية الخاطئة عن الإسلام في الغرب، وفي وسائل الإعلام.

 

ويذكر أن الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي، كان قد كرّم مبادرة “المنصة المتعددة الأديان من أجل السلام” بجمهورية أفريقيا الوسطى الفائزة بجائزة الإمام الحسن بن علي الدولية لتعزيز السلم التي تمنح لأكثر المؤثرين في صناعة السلم العالمي حول العالم، وذلك على هامش هذا الملتقى الثالث في أبوظبي.

 

وجاء منح الجائزة لهذه المبادرة على ضوء دورها في إعادة لحمة المجتمع وترسيخ قيم السلم بوسائلها الذاتية والتواصل المباشر مع المواطنين بعد الحرب الأهلية التي شهدتها جمهورية أفريقيا الوسطى منذ العام 2012 من خلال شبكة من المساجد والكنائس المنتشرة في أرجاء الجمهورية.

 

ومن القيادات الرمزية المؤسسة لهذه المبادرة التي تم تكريمها كاردينال زابالنقا رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية بأفريقيا الوسطى وإمام عمر كوبين لياما رئيس اللجنة الإسلامية بأفريقيا الوسطى والقس نيكولا رئيس التحالف الإنجيلي بأفريقيا الوسطى.

 

وأكد عبدالله بن بيه أن منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة ناقش على مدى يومين موضوعا مهما، وهو الدولة الوطنية التي لا يجوز نزع الشرعية عنها، فهي موافقة لمقاصد الشريعة في النظام والانتظام.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *