وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ

“السلام عليكم، إن وزيرة البيئة التي تتواجد معي هنا في المسجد بينكم، تذكرني دائما بأن اللون الأخضر هو لون الإسلام ورمز للسلام”، هذا ما قاله رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو، منذ ما يقارب العام في كلمة تهنئة لمسلمي بلاده بمناسبة عيد الأضحى في المسجد الكبير بالعاصمة الكندية أوتاوا، ورافقه عدد من الوزراء وقيادات الحزب الليبرالي الحاكم، وخلفه إمام المسجد، ذو الجنسية المصرية ._97757_133

 

لا يمكن لأي مسلم في العالم إلاّ أن يقدّر هذه المبادرة، حتى وإن كان يعلم أن خلفها رسائل ومضامين تخدم خلفية سياسية وتصب في خانة حملة انتخابية، لكن للكلمة الطيبة صداها في النفس الإنسانية، وتفعل فعلها في تقوية قيم التسامح في عصر نحن في أمس الحاجة إليها.

 

الحس الإنساني المتمثل في متعة العطاء، وحين تضاف إليه روح الانفتاح نحو البشر بمختلف معتقداتهم، يصبح رسالة أبدية في التسامح، لا توقفها حدود دينية ولا جغرافية ولا سياسية ولا ثقافية.

 

الذاهبون نحو الآخر وهم يتسلحون بالمحبة، يؤمنون إيمان المتصوفة القائل إن ليس لبيوت الله عتبات، ولا جدران تمنع القادمين إليها، ولا مفاتيح تغلق أو تفتح أبوابها، غير مدى مقدار المحبة التي تحدد المسافة بين الإنسان والإنسان.

 

ليس من شيء يدخل البهجة إلى النفوس مثل لغة التشارك في طقس يخص معتقدا لم تتربّ عليه، وسلوك طريق لم يألفه بنو عقيدتك، لكنه يوصل إلى هدف واحد، وهو جملة القيم المطلقة في الخير والمحبة.

 

كثيرون هم الذين احتضنوا من يختلف عنهم في الدين والعرق والثقافة عبر التاريخ، فأحبهم وأجلهم الجميع تقديرا لهذا الكم الهائل من القدرة على الخروج من التقوقع حول الذات، وتخطي تفاصيل الخصوصيات التي لا تعني شيئا عند كبار النفوس من حملة رسالة التسامح.

 

لا يخلو عصرنا، رغم ظلمته الحالكة وتلبد سمائه بأبشع أنواع التفرقة وشتى ألوان الكراهية، من أفراد وجماعات ومؤسسات، يؤمنون بأن تمثل عادات الآخرين في طقوسهم التعبدية، ليس إلاّ شكلا من أشكال إعلاء صورة الإنسان في أبهى معانيها.

 

ولم تستطع موجات التطرف والكراهية التي يزرعها قادة الفتنة في العالم العربي أن تفرغ هذه المنطقة الجغرافية التي نزلت فيها كل الديانات الإسلامية، من مبادرات إنسانية تحيي الأمل في استمرار العيش المشترك الذي هو ليس غريبا على المنطقة، بل هو متجذر فيها وليس بالسهل أن تقتلعه فؤوس التطرف والإرهاب.

 

أمثلة مازالت حية لأشخاص مازالوا يتنفسون ويمشون على أقدامهم في البلاد العربية، وليسوا من أبطال الروايات أو نسج خيالات السينما مثل:

 

الفلسطيني ميشيل أيوب يقوم بدور المسحراتي في مدينة عكا ويرى في رمضان كلمة السر للوئام والرحمة والصبر ويشدد على أن الصيام لا يعني الإمساك عن الطعام بقدر ما هو رياضة روحية لتعزيز القيم الإنسانية الجميلة. يرتدي أيوب زيا تقليديا (القمباز)، كما يعتمر عمامة وكوفية فلسطينية، ويشير إلى أن تجواله في شوارع وأزقة بلدته وملاحظته لاستيقاظ النائمين من سباتهم قبيل الفجر يملآن قلبه بالسعادة.

 

ويحلم ميشيل بفتح ورشة لتعليم مهنة المسحراتي لإحيائها في المدن والقرى الفلسطينية، وهو لا ينتظر سوى توفير اللباس التراثي والطبول اللازمة والكثير من المحبة.

 

والمصري عياد شاكر حنا مسيحي مصري في الثمانين من عمره، يعيش في قرية طهنا الجبل بمحافظة المنيا في صعيد مصر، ويقوم بعمل يستغربه الكثيرون من غير أهل القرية.. إنه يُعَلَم أبناء قريته المسلمين تلاوة وحفظ القرآن منذ العشرات من السنين. ويقول حنا إنه يستمتع بتعليم القرآن، ويرى أنه من الضروري للمجتمعات التي تعيش معا أن تتعلم كيف تنصت لبعضها وتفهم بعضها.

 

مصطفى السوداني شاب عراقي انضم السنة الماضية إلى حملة تطوعية لتقديم المساعدات على يد بابا نويل الى أطفال النازحين الوافدين الى النجف وكربلاء، وانضم إليه صديقاه، وباتت المساعدات تمر عبره الى المحتاجين والنازحين، وأشار إلى أن ساعات تجوالهم وهم يرتدون زي بابا نويل بين مخيمات النازحين تستمر لنحو ست ساعات يوميا يحاولون فيها زرع البسمة على شفاه الأطفال.

 

ويرد مصطفى على الذين يريدون تكفيره في المدينة بقوله “ما قمت به لا يتعارض مع الدين الإسلامي ولا المذهب ولا يتعارض مع قدسية المدينة، بالعكس النجف هي مدينة التعايش السلمي وخير دليل على ذلك أنها احتضنت أهلنا النازحين من جميع الأديان”.

 

فتحي شاب تونسي مسلم يسكن في جزيرة جربة التونسية، بالقرب من معبد الغريبة اليهودي الشهير، يساعد اليهود من أبناء بلده في موسم تنظيم الحج السنوي للمعبد ويعمل معهم على إنجاح هذا الحدث الديني والسياحي، ويتفرغ لمساعدتهم في أمور يومية يتعذر عليهم فعلها في أيامهم ومناسباتهم الدينية. يقوم فتحي بشعائره الدينية الإسلامية، لا يرى أي غرابة في استمرار الصداقة والمحبة مع من يختلف معك في العقيدة. ويتذكر فتحي صديق طفولته الذي كان قد مات في عمل إرهابي استهدف وفدا سياحيا سنة 2002، ثم تدمع عيناه ويقول “لم أر من جيراننا إلاّ المحبة والاحترام”.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *