مفاهيم الإسلام الثوري: الإخوان وولاية الفقيه

راج مفهوم الحاكمية بشكل كبير في كتابات الإسلام السياسي الإخواني، خاصة مؤلفات سيد قطب كـ”معالم في الطريق”، و”المستقبل لهذا الدين”، الذي لا يختلف في بعده الأيديولوجي عن كتاب المودودي الحكومة الإسلامية في تأسيسهما لمقولات ثلاث؛ الحاكمية والجاهلية وتحقيق ذلك عن طريق الجهاد._111750_b3

 

قامت هذه المقولات الثلاث بتوظيف النص المقدس في الحقل السياسي كطرح أيديولوجي، بل قامت بإسقاط السياق السياسي في النص، وجعلت النص يتحرك في فضاءات الأحداث السياسية، كما قامت باستدعاء المقولات اللاهوتية والمعاني التاريخية لتفسير مفهوم الحاكمية، ومن ثم توظيفه في واقع مختلف تماما من حيث الإشكال الحضاري الذي تعاني منه الأمة الإسلامية.

 

هذا الجهاز المفاهيمي يقوم على أطروحة الإيمان بأن كل ما يخالف التصور الإسلامي (الإسلام الحركي/ دار الإيمان) ليست له مشروعية صحيحة من الدين الخالص ولو كانوا مسلمين (الآخر/ دار الكفر)، فالحاكمية لله وحده، و”الآخر” يعيش موازين الجاهلية الأولى (جاهلية ما قبل الإسلام)، الذي يجب أن يدافع بالجهاد في سبيل الله، كما فعل رسول الله، “لتعلو كلمة الله في الأرض”.

 

وعلى هذا النهج، تأسس الإسلام الثوري مفرزا حركات جهادية وأحزابا إسلاموية نضالية. ومثل هذه المفاهيم وجدت بصورة كبيرة أيضا في نصوص إسلام ولاية الفقيه، وهي نصوص للإمام الخميني حرص على تضمينها مثل هذه المفاهيم الثورية، بل يمكننا القول إن مصطلح ولاية الفقيه ذاته يتقارب في دلالاته الثورية والشرعية أيضا مع مصطلح الحاكمية، إذ أن الحكم والأمر لله، والفقهاء وحدهم فقط من لهم الولاية المطلقة (السلطة السياسية) للحكم باسم الله؛ لأنهم أكثر الناس إدراكا لحكم الله.

 

ويمكن القول إن الإسلام الثوري يعتبر من أكثر الأيديولوجيات، في العقلين العربي والإسلامي، قدرة على توظيف النص المقدس في صناعة شبكة كبيرة من المقابلات اللفظية من أجل تجييش الجماهير، ولديه القدرة على استنهاضهم عبر مفاهيم تمثل صدى كبيرا في الذاكرة العربية والإسلامية، لارتباطها بالأصول التاريخية للإسلام، معتبرا- هذا الخطاب الثوري- أن دائرة الصراع في جوهرها تمثل حربا بين “الحق ضد الباطل، والفقر ضد الغنى، والاستضعاف ضد الاستكبار، والحفاة ضد المترفين الذين لا يعرفون معنى للألم.

 

إنها مفاهيم تحفر بعيدا في سيكولوجية الجماهير المتعطشة لدحر تلك الأنظمة الاستبدادية التي سلبتها حقوقها المادية، فهو خطاب يتجه نحو إحداث حراك دموي داخل الطبقات الكادحة والمهمشة، وهي الطبقة الأخطر في اشتعال الثورات السياسية، حيث غالبا ما تبدأ هذه الطبقات بالذات بالحراك الثوري ضد الأنظمة السياسية الاستبدادية. إضافة إلى ذلك، فإن هذه المقابلات اللفظية تتجه كذلك إلى بناء منطق أيديولوجي ديني يزاحم ذلك المنطق الذي تؤسسه الحركات الاشتراكية واليسارية، وهي الحركات التي تعول كثيرا في نشاطها السياسي على حركة طبقات العمال الاجتماعية، خاصة ونحن ندرك أن السياقات الاجتماعية والسياسية التي كانت تعيشها إيران في مرحلة ما قبل الثورة، وكذلك السياقات السياسية والاجتماعية التي كان التنظيم الإخواني يعيشها في مصر، مليئة بالأفكار الاشتراكية والحركات الثورية اليسارية.

 

هذا الجهاز المفاهيمي تشكل في سياقات عديدة لكلا التيارين، وهي سياقات ارتبطت بالاستعمار سواء في الوطن العربي بشكل عام، أو في إيران، التي كانت تهيمن على مركزيتها السياسية الدولتان الروسية والإنكليزية حتى منتصف القرن الماضي، ثم استمرت الولايات المتحدة تمارس الدور ذاته مع الدولة الصفوية حتى قيام الثورة الإيرانية. وشكلت هذه الإمبريالية مساحة كبيرة في صناعة الإسلام الثوري ونشوئه، وساعد على ذلك التعاون الكبير الذي أقامته الأنظمة السياسية العربية والشاهينشاهية مع الإمبريالية الغربية، الأمر الذي استدعى دائما حضور شبكة كبيرة من المفاهيم الدينية التي تؤسس من جديد لثنائيات المسلم/ الكافر، أو الحكومة الشرعية -الحاكمية/ حكومة الطاغوت- الجاهلية.

 

هذا الخطاب تجاه الإمبريالية بشكل خاص لم يكن في حقيقته وليد الحركات الإسلامية فقط؛ بل تأسس عبر جذور تاريخية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وبعدهما رشيد رضا، وهم من أسهم في صياغة تفكير إسلامي عند حسن البنا. وهي سياقات لم تكن تتجه نحو تأسيس الإسلام الثوري الذي عرفه العقل العربي متأخرا، مع نشوء هذه الحركات الراديكالية في منتصف القرن الماضي.

 

كانت سياقات التحول في العقلين العربي والإسلامي ممتزجة بالتيارات العلمانية أيضا، والتي ترى في الآخر (الغرب) فضاء جميلا للخروج من مأزق الدكتاتورية السياسية، وذلك عبر الإيمان بفلسفة الأنوار، فقد كان المثقفون الإيرانيون منذ بداية القرن التاسع عشر شديدي التأثر بحركة الأفكار الوافدة من أوروبا، وبالأخص أفكار فلسفة الأنوار والثورة الفرنسية. هؤلاء المثقفون كانوا يرون في الدستورية والعلمانية والقومية الوسائل المثلى لتحديث البلد، إذ كانت الدستورية تسمح بالنضال ضد الحكم الملكي، والعلمانية تسمح بالنضال ضد السلطة الدينية.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *