اعترافات أهم كتاب القرن العشرين حكايات صادمة

 

*شريف الشافعي114083_16

إن فن الحوار مع الكتاب والمبدعين الكبار يتمتع بأهمية كبرى، إذ يجد القراء في هذا الفن مادة غنية دائمًا، لما تحويه تلك الحوارات من أسرار، ومفاجآت، وربما صدمات، قد توضح جوانب من صورة الكاتب لم تكن معروفة من قبل، بل قد تغير تلك الصورة إلى النقيض، فضلًا عما تبرزه الحوارات من تفاصيل العوالم الفنية للكتاب، وعلاقتها بحيواتهم الشخصية، وأفكارهم المعرفية، وممارساتهم على أرض الواقع. وبقدر شجاعة الكاتب ورغبته في المصارحة والمكاشفة يأتي حواره جريئًا، شيقًا، مثل وجبة ساخنة. ولعل الكتاب العرب يبدون، إلى حد بعيد، أكثر تحفظًا من نظرائهم الغربيين في هذا المضمار، لأمور كثيرة معقدة، تتعلق بطبيعة المجتمعات العربية ذاتها.

مقولات مباغتة

“قصة سعيد مهران، بطل رواية (اللص والكلاب)، هي قصتي أنا”. اعتراف مباغت لأديب نوبل نجيب محفوظ (11 ديسمبر 1911 – 30 أغسطس 2006)، يتبعه موضحًا “استوحيتُ القصة من لص روّع القاهرة لفترة، كان اسمه محمود سليمان، حينما خرج من السجن حاول أن يقتل زوجته ومحاميه اللذين نجحا في الهروب من القتل، لكنه هو تعرض للقتل في ثنايا ذلك. لم تخنه زوجته كما في الرواية، لكنني ابتكرت القصة من شخصيته”.

ويستطرد محفوظ في اعترافه المثير، الذي يكشف فيه “ميكانيزم” الكتابة لديه، بتحميل الشخوص الروائية المتخيلة ملامح من شخصيته الحقيقية؛ يقول “كنت في ذلك الوقت أعاني من إحساس ضاغط ومستمر بأنني مطارد، وكنت على قناعة بأن حياتنا في ظل النظام البوليسي في تلك المرحلة كانت بلا معنى. وهكذا حينما كتبت القصة، كتبت معها قصتي أنا. وإذا بقصة جريمة بسيطة تصبح تأملًا فلسفيًّا، فقد حمّلت شخصية الرواية الرئيسية سعيد مهران كل حيرتي وهواجسي”.

جاء ذلك ضمن حوار مطول لنجيب محفوظ، مع مجلة “ذي باريس رفيو”، التي حاورت عددًا كبيرًا من رموز الكتابة في العالم، بما يعد كنزًا وثائقيًّا حقيقيًّا، إذ تمثل تلك الحوارات المتعمقة رحلات خاصة إلى أعماق هؤلاء الكتّاب ووجوههم الخفية، وأسرارهم الدفينة.

باللغة العربية، صدر حديثًا كتاب “بيت حافل بالمجانين”، للمترجم والكاتب أحمد شافعي، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، في ثلاث مئة وسبعين صفحة، محتويًا أبرز حوارات مجلة “ذي باريس رفيو”، مع كبار المبدعين والكتاب، أمثال: محفوظ، همنغواي، ميلر، بورخيس، فوينتس، كونديرا، أوستر، سونتاج، إيكو، وفي ثنايا هذه الحوارات الكثير من الأمور المهمة التي تضيء حالات الكتابة وأجواءها وطقوسها لدى عمالقة القلم، فضلًا عن المسكوت عنه في حياتهم الشخصية والعملية، وآليات تفكيرهم، وسبل تخليقهم عوالمهم الفنية، وغير ذلك. ومجلة “ذي باريس رفيو” تأسست عام 1953، على أيدي كل من هارولد هيومز وبيتر ماتيسين وجورج بلمتون، وكانت مهمتها التحريرية بالغة البساطة: أن تركز على الإبداع القصصي والشعري، وأن تزيح النقد من مكانه المسيطر الذي يحتله في أغلب المجلات الأدبية، لتضعه في موضعه الذي يستحقه كخلفية للكتاب. وانتهى المحررون إلى صيغة تحقق هذه الغاية: أن يتيحوا للكتاب أنفسهم فرصة للحديث عن أعمالهم.

وهكذا، وعلى مدار أكثر من ستين عامًا، لم يصدر عدد من المجلة إلا وفيه حوار أو أكثر مع كاتب يستعرض تجربته من شتى أوجهها، وما من كاتب أساسي من كتاب العالم في العقود الستة الماضية إلا وله حوار في هذه المجلة يصلح مدخلا إلى أعماله وفرصة للتعرف على جوانب من شخصيته، قد لا تكشف عنها هذه الأعمال.

وعلى الرغم من أن حوار نجيب محفوظ دار في إطار المتوقع، فإنه قد حفل بالعديد من الآراء والأمور الجديدة والمهمة، والممتعة في أسلوب عرضها بطبيعة الحال، مثل قصة سعيد مهران، بطل رواية “اللص والكلاب”، سالفة الذكر، وغيرها.

ونجيب محفوظ، الذي يشير إلى انعكاس شخصيته الحقيقية على شخصية سعيد مهران، هو نفسه الذي اعترف كثيرًا، في مواضع سابقة، بأن شخصية كمال عبدالجواد، في “الثلاثية”، هي أقرب شخصياته الروائية تجسيدًا لذاته، الأمر الذي يوضح جليًّا أن أديب نوبل كان يحمّل شخصياته جوانب من شخصيته الحقيقية، بكل ما تحمله من تساؤلات وتناقضات وأفكار وهواجس، وربما نقائص، إذ ذكر في حوارات سابقة أيضًا أن شخصية السيد أحمد عبدالجواد “الأب السلطوي متناقض التصرفات”، فيها ملامح تخصه شخصيًّا.

مما ورد كذلك في حوار نجيب محفوظ الثري، الذي أجرته معه تشارلوت الشبراوي ونُشر في “ذي باريس رفيو” في صيف 1992، أنه يعتبر انخراطه المبكر في الحياة السياسية وتبعيته الصريحة لسعد باشا زغلول ومبادئ ثورة 1919 من أهم الأمور التي فعلها في حياته، ورغم ذلك، بتعبير محفوظ “لم أعمل مطلقًا في السياسة، ولم أنضم بصفة رسمية لأية لجنة أو أي حزب سياسي، رغم أنني كنت وفديًّا، إذ كنت أريد لنفسي ككاتب حرية مطلقة”.

ويفسر ذلك بشكل واضح لماذا لم يُحسب محفوظ على تيار أو حزب سياسي طوال حياته الممتدة، فالرجل عاشق للحرية، بمعناها المطلق. ويؤكد محفوظ في الحوار ذاته أن أقرب مجال كتابة إلى قلبه هو الحرية: التحرر من الاستعمار، التحرر من الحكم الملكي المطلق، والحرية الإنسانية الأساسية في سياق المجتمع والأسرة.

اعترافات الحرية والعشق

في حوار “إرنست همنغواي”، الذي أجراه معه جورج بلتمون، ونشرته “ذي باريس رفيو” في ربيع 1958، يعترف همنغواي بأن الكاتب يكون أفضل وهو في حالة حب، على أن الكاتب المحترف رغم ذلك يمكن أن يكتب في أي وقت يتركه الناس فيه وحده، ولا يقاطعونه.

بهذا الاعتراف يفرق همنغواي بين لونين من الكتابة؛ الاعتيادية “الباردة”، التي يمكن أن تكون نتاج المهارة والاحترافية، والطازجة “الساخنة”، التي يميل إليها أكثر، وتفجرها نوبات العشق وحالات الجنون، وهذا ما يكشف الكثير من جوانب شخصيته وطبيعته.

أما الكاتب هنري ميلر، فيقول في الحوار الذي أجراه معه جورج ويكس ونُشر في 1962 إنه ليس ماهرًا في التفكير، ويسوؤه أن يفكر.

هذه الرغبة في التلقائية والتبسيط والبعد عن الحسابات، لدى ميلر، لعلها تقدم تفسيرًا لهروبه من الولايات المتحدة الأميركية، وتواؤمه السريع مع طبيعة الحياة في فرنسا، إذ يوضح ميلر في موضع آخر من الحوار أنه وجد في باريس ما لم يجده في الولايات المتحدة من الحرية، والتواصل مع الناس بطريقة أسهل كثيرًا، ويقول “أهم شيء في باريس، أنني شعرت بتسامح تجاهي، لم أكن أطلب أن يفهموني أو يقبلوني، كان التسامح معي وحده كافيًا. في أميركا لم أشعر بذلك قط”.

ويتفق خورخي لويس بورخيس مع ميلر في ما يخص التفكير، إذ لا يعتقد بورخيس في الحوار الذي أجراه معه رونالد كريست ونُشر عام 1967، أن الأفكار مهمة! هذا الاعتراف من شأنه أن يفسر أمورًا تتعلق بطبيعة الكتابة لدى بورخيس، إذ لم تكن وفق هندسة وتخطيط ومعتقدات مسبقة، بقدر ما هي اكتشاف وارتحال صوب المجهول. وفي موضوع آخر من الحوار، يقول بورخيس عن أعماله القصصية “ليس مقصودًا بها أن تكون حكايات أخلاقية، أما لو كانت كذلك فهذا ما كان من أمرها، أما أنا فلم أكن أقصدها كذلك”.

لعل تلك النزعة أيضًا تمثل مدخلًا لفهم أن بورخيس لم يكن من المفتونين بإليوت، إذ يعترف صراحة بأنه لم يكن له تأثير عليه، ويقول “تدهشني تماثلات معينة بين ‘الأرض الخراب‘ والخالد، ربما يكون هناك شيء من هذا، لكنه شيء أنا غير واعٍ به، لأن إليوت ليس من الشعراء الذين أحبهم، أنا أعلي ييتس عليه بكثير”. وثمة اعترافات أخرى، تتعلق بآليات الكتابة ذاتها، ومدى رضا الكاتب عن عمل له أكثر من غيره، وعلاقة الشخصي والحقيقي بالمتخيل الفني، والواقعي بالتاريخي، وما نحو ذلك من تفصيلات تهم الناقد المختص، والقارئ العادي على حد السواء.

ومن قبيل هذه الاعترافات، ما ذكره كونديرا في حواره مع كريستيان سالمن، المنشور عام 1984، حول أن العنوان الصالح لكل كتبه هو “المزحة”. وكذلك، ما اعترف به أمبرتو إيكو، في حواره الذي أجرته معه ليلى عزام زنجانة، ونُشر في 2008، بأن كل رواياته تعد روايات سيرية بمعنى من المعاني، “أنت حينما تتخيل شخصية، فإنك تعيرها بعض ذكرياتك الشخصية، تعطي للشخصية جزءًا من ذاتك”.

من هذه “الاعترافات النوعية” ما ذكره إيكو بشأن اتجاهه إلى كتابة روايات قائمة على أحداث تاريخية، إذ يوضح أن الرواية التاريخية بالنسبة إليه ليست نسخة تخيلية من أحداث واقعية بقدر ما هي تخييل يمكّن بالفعل من فهم أفضل للتاريخ الواقعي، كما يشرح أنه يحب أن يمزج الرواية التاريخية مع عناصر رواية الفرد النفسية. أما القضية الأساسية بالنسبة إليه ككاتب، فهي الهيكل والبناء، قبل الاندياح التلقائي، ويلخص إيكو هذه النزعة في اعترافاته النوعية الكاشفة بقوله “قضيتي الأساسية أن أقيم عالمًا، ثم تأتي الكلمات عمليًّا من تلقاء نفسها”.

______

*العرب

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *