الإرهاب.. أيديولوجيات متطرفة وإشباع للحاجات

إن أزمة القيم، وأزمة الأيديولوجيات، وأزمة المجتمعات والثقافات، هي أزمات ستخلق خيبة أمل عامة لدى الشباب وما يتطلعون إليه، سواء على مستوى الإيمان أو الإعجاب أو الالتزام، لذلك يجد الشباب أحيانا مجالات لإشباع ذلك من خلال تصاعد قوة الأيديولوجيات المتطرفة ذات النمط الإرهابي، وهذا ما يحصل منذ عدة عقود من خلال ما نلاحظه عبر مجريات التاريخ._114823_pr3

 

من هنا نجد فائدة في التساؤل عما يغري الشباب فعلا في هذه الحركات، على الرغم من مخاطر الحرب والأخطار التي يمكن تجشمها على سبيل المثال في تنظيم مثل داعش، الذي يستند إلى قاعدة أيديولوجية قوية ذات تطلعات تفوقية.

 

وجهة نظر غربية

 

قام العديد من الباحثين بتوصيف السيرورة التي يمكن أن توصل في لحظة من تاريخها كل أيديولوجيا إلى التطرف في فكرها؛ حيث تبدأ المسيرة بشكل يوحي بالأرثوذكسية، وهي تستند في الآن نفسه إلى انطواء الجماعة العقائدي، وإلى انتظام داخلي معزز بشكل يمنع على أعضاء الجماعة أي انحراف.

 

وإذا ما استمر هذا الأمر، فإن الحركة ستوصل إلى التعصب المتمحور حول متن عقائدي جامد، لتصبح حركة متصلبة حول أفكار واعتقادات تشكل قاعدة دغمائية بسيطة تتمتع بقوة الحقيقة المطلقة والنهائية.

 

    التعصب يتحول إلى عالم يأخذ بفكرة وحيدة لا تسامح معها تقصي كل نص آخر. عالم مغلق على كل مقاربة خارجية

 

وهذه الحركة تقوم بتقسيم العالم إلى خير وشر، وبالتبشير بصراع لا هوادة فيه ضد عدو حددت هويته بكل وضوح. ويتحول فيها عالم التعصب إلى عالم يأخذ بفكرة وحيدة لا تسامح معها، فكرة إقصائية لكل نص آخر غير ما تعتمده هي بشكل خاص، إنه عالم قاس ومغلق على كل مقاربة خارجية المنشأ؛ إنه نسق مغلق أقفل منطقه الذاتي على نفسه.

 

من وجهة نظر غربية، يعتبر الإرهاب الإسلامي الحالي بمثابة تعصب، كما ينظر إليه بوصفه تهديدا متطرفا. مع تفضيل وصف هذا الإرهاب باستخدام عبارة التطرف، فإن هذا التعصب يعني الأفكار “التي بموجبها يتبنى الفرد، أو المجموعة شكل عمل عنيف يرتبط مباشرة بأيديولوجية متطرفة ذات مضمون سياسي اجتماعي أو ديني، ترفض النظام القائم على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي”.

 

تنزل التقارير الحكومية التطرف عند “حد التقاء سيرورة نفسية (شعور مضحٍ بعدم الاعتراف وبالإجحاف) مع منطق أيديولوجي يقوم على أساس مناد بالهوية وبالنزعة الجماعوية، وبإحداث قطيعة مع الميثاق الجمهوري والديمقراطية”.

 

لا يجد مثال الحياة الذي تقترحه الحركة الجهادية أي حرج بالتخلي عن القيم العادية، بحجة اللجوء إلى مثل أخلاقية “عالية” تبرر الانتقال إلى الفعل. وبذلك يصبح العنف مقاومة لما حصل من اضطهادات، إنه وسيلة دفاع وصراع من أجل استعادة الكرامة.

 

تدور هذه الفكرة حول قضية خلاصية، حيث تأخذ البطولة والعدالة مكانة مركزية، تمثل نظرة صافية عن العالم، نظرة ثابتة وبنيوية قادرة على أن تشكل، بنظر الشبيبة الباحثة عن الهوية، مشروع مستقبل مغر، بل يبعث على الطمأنينة.

 

والمكون المقدس الذي يتدخل في كل نوع من التعصب، العلماني أو الديني، يأتي هنا ليعزز عناصر الاعتقاد وليبرر الالتزام بالعنف. ومن خلال الاختلاطات والتقديرات والقصورات المصرفية تطرح الدعاية الجهادية نفسها بسهولة باعتبارها المدافعة عن الحقيقة والحامية لها، مقدمة توصيفاتها باعتبارها بديلا عن ميوعات المجتمعات المعاصرة.

 

البلاغة سهلة لكنها شديدة الفعالية، وهي تحرك بدقة جداول الحياة العالمية الراهنة الغنية بالتناقضات، واللا مساواة والاضطهادات من كل الأنواع.

 

    لا يجد مثال الحياة الذي تقترحه الحركة الجهادية أي حرج بالتخلي عن القيم العادية، بحجة اللجوء إلى مثل تبرر الانتقال إلى الفعل

 

ومن ثمة يعتبر فرهاد كوسروكافار، مدير الأبحاث في مدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، أن حوافز الشباب الأوروبيين وهم على أهبة الذهاب إلى سوريا، حوافز ترتبط في نظره بمكونات ثلاثة كلها تؤدي إلى الهلاك “اهتمامات ذات طابع إنساني (إنقاذ الإخوان المسلمين الذين يقوم نظام الأسد الدموي بالقضاء عليهم)، نزعة أصولية فائقة الإثارة (النضال ضد نظام شيعي ينبثق عن إسلام مغشوش يقوم بسحق المسلمين الأصليين أهل السنة)، هذا إلى جانب البعد اللعبي، المرتبط بالخطر والإحساس بالغربة”.

 

باختصار يصبح هذا المطلق، بما يتميز به من سمة عليا وعالمية، هو ما يغري الشبيبة أكثر مما يغريهم المتن القائم على مفاهيم.

 

وعلى هذا الصعيد يصبح التنظيم الإرهابي، مثل داعش هو التنظيم الذي يستجيب كليا ومباشرة لتطلعاتهم. حينها لا يعود بوسع الأيديولوجيات الغربية أن تتنافس مع الوعد الذي كفله الله باستعادة فردوس مفقود، وبعالم كامل يأخذ شكل خلافة عالمية وعودة إلى عصر الإنسانية الذهبي. هنا يصبح الدين بمثابة “قوة تضفي الشرعية” دون أي تناقض ودون أي بديل ممكن.

 

هل يمكن العودة إلى الوراء

 

في فترة المراهقة، يدفع إغراء العنف والشعور بالسيطرة الذي يؤمنه الانتقال إلى مرحلة الفعل، الشبيبة إلى الوقوع في التطرف الذي تقوده أيديولوجيا تساعدها على إشباع بحثها عن هوية، وإشباع حاجتها إلى الانتماء والالتزام.

 

    رغبة البعض في الظهور كأن يصير بطلا أو شهيدا في عالم فردوسي، ستشكل اليوتوبيا المناهضة للنقد بامتياز

 

إن المخالطة الحادة لهذا النسيج الذي تتميز به هذه الأجيال، لا سيما من خلال الاستخدام الدائم والدؤوب للشبكات الاجتماعية، إلى جانب سياق الأزمة في المجتمعات الحديثة، ستشكل روافع قوية لصالح الدعاية الجهادية.

 

يضاف إلى ذلك أن رغبة البعض في الظهور (أن يصبح أحدهم شيئا ما) كأن يصير بطلا أو شهيدا في عالم فردوسي، ستشكل اليوتوبيا المناهضة للنقد بامتياز. وبالفعل فإن لا شيء أكثر قوة وأكثر توحيدا وأكثر إغراء وفتنة للشباب الفاعلين من التطرف.

 

إن انتهاك الممنوعات الاجتماعية والأخلاقية والإنسانية سيهيئ في نظر العقليات الغربية وفي نظر الهيئات الرسمية ما يمكن أن نطلق عليه اسم “الرعب الإرهابي”. إلا أن ذلك بالضبط هو ما يمكن أن يؤمن حاليا حاجات الشباب في صيرورتهم، ذلك أن هذا “الرعب” إنما يتحرك ويتطور عبر تمرد يُقاد إلى حده الأخير.

 

وإذا صح ذلك، وحتى يصار للانقلاب على العمل العنفي ولإعطاء المجموعة الشهادة النهائية عن الالتزام في النضال الجهادي، لا بد من رفع الكوابح الطبيعية بوجه النزعة العدائية. ثمة العديد من الأواليات النفسية التي تهدف جميعها إلى التوجه إلى الواقع الجمعي، والتي باستطاعتها أن تقدم الدوافع أو الضوابط الضرورية.

 

* خلاصة من بحث: كريستين نوناردي “العوامل النفسية والاجتماعية المعززة للتطرف لدى الشباب”، ضمن الكتاب 125 (مايو 2017) “علم نفس الإرهاب الأفراد والجماعات الإرهابية” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

 

 

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *