داعش يرع الالغام في دير الزور لمنع المدنيين من المغادرة

رصيف MAIN_Deir-Ezzor_AFP22

مع انحسار مساحة سيطرة تنظيم داعش في سوريا والعراق، تبدو محافظة دير الزور في موقف هو الأسوأ مقارنة بالمدن التي تم تحريرها. فالمراكز السكانية في المحافظة تقع بمجملها تحت سيطرة تنظيم داعش عدا ثلث المدينة حيث ما زال النظام متحصناً فيها.

 

للوهلة الأولى، قد تشير المساحة الواسعة نسبياً للمحافظة إلى فرص أكبر للهروب متاحة أمام المدنيين الذين حسموا خيارهم بالخروج قبل اندلاع آخر معركة كبيرة باتت تلوح في الأفق ضد التنظيم.

 

لكن القاعدة التي تطبقها داعش في دير الزور “لا هجرة بعد الفتح” يجعل من هذه المساحة الكبيرة الممتدة من الحدود العراقية وحتى مشارف الرقة والحسكة سجناً محكم الإغلاق.

 

يقول أيمن الديري، (25 عاماً) الذي يقيم في تركيا ويُبقي على تواصل مع أقارب له في مدينة الميادين، إن تنظيم داعش اعتقل مطلع شهر آب الحالي نحو 50 شخصاً في ناحية أبوخشب شمال المحافظة كانوا يحاولون الوصول إلى مناطق خارج سيطرة التنظيم.

 

ويضيف: “إحدى العائلات التي وقعت في كمين داعش أعرفها عن قرب. جميع العائلات كانت من الريف الشرقي وبينهم عائلات عراقية”.

 

ما زال لدى أيمن شبكة علاقات مع مصادر مدنية في مناطق التنظيم، وقد قضى نحو ستة شهور في أحد سجون داعش عام 2016 ولديه اطلاع واسع على طرق تعامل التنظيم مع السكان.

 

في حالات التهريب، يقول، “غالباً ما يتعرض المهربون الذين يكونون عادة السائقين للإعدام. في الكمين الأخير بناحية أبو خشب أعاد التنظيم العائلات إلى دير الزور واحتجز بطاقات هويتهم، أما المهربون فجرى اعتقالهم وأخذهم إلى مكان مجهول. للأسف، الأرجح أنه سيتم قتلهم”.

 

رغم ذلك لا تتوقف محاولات التهريب. وزادت وتيرتها في الشهر الحالي إثر إعلان داعش ما سمي بـ”النفير العام”، إذ أصدر تعميماً بوجوب التحاق كافة الشباب من الفئة العمرية بين 20 إلى 30 عاماً بالقتال، مع تحذير بإنزال العقوبة بالمخالفين.

 

أما قوات النظام، فدعت من جانبها “الشباب في سن الخدمة العسكرية، عملاً بالتشريعات السورية ذات الشأن” للإنضمام إلى صفوفها، بعد الخسائر التي تعرض لها الجيش خلال القتال ضد داعش.

 

أجنحة السجن

 

داخل هذا السجن الكبير بإمكان السكان التحرك. فمثلاً حين تقصف طائرات روسية مناطق التنظيم بكثافة يحدث نزوح كبير للسكان، ويُسمح لهم بالانتقال إلى مناطق أخرى شرط أن يبقوا داخل هذا السجن المحاط بالخنادق والألغام. هو وضع أشبه بالانتقال من جناح إلى آخر داخل معتقل.

 

ومن بين أدوات الإرهاب المستخدمة زرع الألغام في مناطق يعجز التنظيم عن ضبطها أمنياً لافتقاره إلى العناصر اللازمة لذلك. على صفحة “وفيات دير الزور” على فيسبوك نلاحظ كثافة في نعوات لأشخاص يُقتلون نتيجة ألغام زرعها التنظيم في مناطقه.

 

فداعش يتعامل مع عدوين: السكان الذين يحكمهم والقوات التي تقاتل لهزيمته.

 

ويقول أيمن: “فخخ التنظيم طريق البادية على الضفة اليمنى للفرات وحفر خندقاً سدّ من خلاله المساحات المفتوحة على البادية وحدّ من حركة السكان، حتى أصحاب المواشي الذين يضطرون الآن إلى سلك ممرات محددة تحت سيطرته. هذا الخندق لا يصلح لمرور السيارات. ويتقصد التنظيم زرع ألغام على ممرات يسلكها المهربون”.

 

ويضيف: “المساحة المزروعة بالألغام تتسع كلما اقتربت المعركة الحاسمة. يترك داعش المجال لعمليات تهريب بسيطة ويستخدم ذلك للإيقاع بالمهربين. فحين يعود المهرب من الطريق نفسه ينفجر به لغم. حالياً الطريق بين بلدة الطيبة والميادين مفخخ ولا يمكن العبور سوى من مناطق تفتيش داعش. وفي الفترة الأخيرة زادت الألغام على الضفة اليسرى للفرات (الجزيرة) ومنها على الطريق المؤدي إلى قرية الكُبر”.

 

لا يُعرف عدد السكان المتبقين في المحافظة. قبل عام 2011 كانت الأرقام الرسمية تشير إلى 1.62 مليون نسمة حسب المكتب المركزي للإحصاء عام 2010. ولكن حالياً، فإن أقل من نصف السكان موجودون فيها بدون أن يكون هناك توازن بين الفئات العمرية. فغالبية من هم في سن الشباب غادروا مبكراً، ومَن بقي إما يبحث عن ثقب للخلاص أو استسلم للأمر الواقع.

 

إلى جانب هذا التضييق الشديد على حركة السكان، تعاني كافة أنحاء المحافظة من ارتفاع مبالغ فيه لأسعار المواد الأساسية مقارنة بمناطق مجاورة خارج سيطرة التنظيم. وفي المناطق المحررة من قبل قوات سوريا الديمقراطية تتوقف غالبية السكان عن الشكوى من الأسعار حين يقارنون أسعار السلع مع الأسعار في دير الزور.

 

في القامشلي حُدّد سعر ليتر البنزين بـ75 ليرة فيما يبلغ سعره في دير الزور 4500 ليرة. وكيلو السكر في القامشلي بـ350 ليرة بينما تقول أحلام عبود التي تقطن في حي الجورة بمدينة دير الزور، وهو حي تحت سيطرة النظام، إن سعر كيلو السكر يتراوح بين 800 و2000 ليرة بحسب الأحياء والمناطق.

 

أما غاز الطبخ واللحوم فهي غير متوفرة على الإطلاق في أسواق دير الزور بحسب رصد للأسعار خلال الأسبوع الأول من شهر أغسطس الحالي تورده بشكل دوري إذاعة “دير الزور الحرة” وموقع “دير الزور 24”.

 

تقيم أحلام، 22 عاماً، في منطقة النظام المحاصرة من كافة الاتجاهات، ولا تزال طالبة حقوق في جامعة الفرات، فيما تقيم عائلتها في مناطق سيطرة داعش. تعطي أحلام صورة بائسة للغاية عن الوضع في الأحياء المحاصرة: “لا يوجد أي مورد للمواد سوى الطيران المروحي، وغالباً تكون الإمدادات مخصصة للضباط والمتنفذين بالمنطقة ولا توزع بعدل”.

 

لكنها تضيف أنه “قبل نحو شهر باتت تدخل بعض المواد عن طريق شركة تحمل اسم شخص يدعى القاطرجي ولديه داخل الأحياء المحاصرة مستودعات للخضار واللحوم يبيع منها بأسعار باهظة للمدنيين، فيما لا يحتاج الضباط والمتعاونون معهم إلى شراء أي شيء”.

 

وتروي الفتاة المقيمة لدى أقارب لها وقائع عن اضطرار عائلات إلى “المتاجرة بأغلى ما تملك نتيجة الحاجة”.

 

لا يسمح تنظيم داعش بدخول أيّة مواد إلى هذه الأحياء. “قبل أسابيع قبض داعش على شخص كان يحاول تهريب مواد من قرية الجنينة المقابلة لأحياء سيطرة النظام فتمّ إعدامه على الفور”، تقول أحلام.

 

أما المساعدات التي تسقطها طائرات اليوشن الأممية فهي دائمة لكن لا توجد آلية عادلة للتوزيع فتذهب إلى عناصر النظام، “ولا تصل مخصصات المدنيين على الإطلاق إلا لمَن يمتلك واسطات كبيرة” على حد تعبيرها. وتضيف لرصيف22: “في شهر يونيو الماضي شهد حي الجورة أربع حالات وفاة من الجوع”.

 

ذروة التعاسة

 

مأزق السكان في دير الزور أكثر صعوبة لدى المقارنة مع الرقة. ففي الأخيرة تبدو الأمور محسومة لصالح قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي مع استعدادات كبيرة للبدء الفوري بإعادة إعمار المدينة وإعادة النازحين.

 

أما في دير الزور فإن المأزق يتفاقم مع اقتراب قوات النظام من شمال المحافظة وشرقها. وبالنسبة للكثيرين من أهالي المحافظة، لا تعاسة تعادل التخلص من ظلم داعش والوقوع في أيدي النظام وحلفائه.

دير الزور سجن كبير. يُسمح للسكان بالانتقال بين مناطقها شرط أن يبقوا داخل هذا السجن المحاط بالخنادق والألغام

 

ويقول عبد الله الحسون، وهو من أهالي البوكمال ومقيم في الأردن منذ عامين إن “شائعات دخول الحشد الشعبي إلى دير الزور ترعب أهالي المنطقة”.

 

ويضيف الشاب البالغ من العمر 29 عاماً ويحمل شهادة جامعية في الأدب العربي لرصيف22: “الخيارات ضيقة جداً أمامنا. هناك قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الأميركيين، وقوات النظام وإيران، وداعش. المحافظة في حالة تشويش. لا بديل عن التخلص من داعش لكن البدائل مقلقة. النظام كابوس فعلي للغالبية العظمى وهناك حالة من التوجس من قوات سوريا الديمقراطية”.

 

يقرّ عبد الله الذي ما يزال على تواصل مع شبكة من الأقارب داخل مناطق سيطرة التنظيم بأن قوات سوريا الديمقراطية تبدو أقل الأطراف ضرراً “لكن هناك حاجزاً نفسياً لم يُكسر بعد تجاهها”، قاصداً تخوّف السكان العرب من طغيان العنصر الكردي  عليها.

العاصمة الفعلية

 

إن الفرضية التي تذهب إلى أن الرقة هي منذ البداية العاصمة الوهمية للتنظيم تؤخذ في عين الاعتبار. فالأسواق الرئيسية للسبايا كانت في مدن محافظة دير الزور المفتوحة على مناطق العراق. والثروة النفطية الكبيرة التي وفّرت للتنظيم مصدراً أساسياً للدخل موجودة فيها.

 

وشكلت المحافظة ساحة استراحة للمقاتلين العائدين من جبهات القتال البعيدة. أما الجبهة الوحيدة المفتوحة داخل المحافظة فهي مع الجيب الذي يسيطر عليه النظام في المدينة.

 

وسواء كانت دير الزور هي العاصمة الفعلية منذ البداية أم لا، فإنه لم يتبقَّ غيرها في أيدي التنظيم الذي يستعد للعودة إلى الصحراء بعد تجربة مدمرة للمدن التي احتلها.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *