مركب الإسلام السياسي يغرق وقراصنة التنظير بدأوا بالفرار – هشام النجار

هرولة زعماء الإسلام السياسي تتواكب، صوب التبرؤ من الانتماء إلى جماعاته، مع بلوغ أداء قادة وأعضاء هذا التيار أدنى المستويات، ولم يجدوا ما يواجهون به خصمهم السياسي والفكري، إلا بأسلوب من اثنين، إما التحريض على قتله، وإما التشفي في وفاته، كما حدث بعد موت القطب اليساري المصري الدكتور رفعت السعيد قبل أيام._117364_qw3

 

النموذج الفاقع لنهاية ذلك العبث التنظيري والتنصل ومحاولة الهرب من تحمل المسؤولية نجده في يوسف القرضاوي (مفتي الإخوان) وعاصم عبدالماجد القيادي المعروف بالجماعة الإسلامية، والاثنان من البارزين في التنظير للعنف والانقلابات والاغتيالات والولاء للجماعات والعداء للفكرة الوطنية.

 

كلاهما أعلن مؤخرا عدم التزامه بالجماعة والانتماء التنظيمي، ودعا عبدالماجد (الهارب من مصر إلى قطر) إلى الخروج من فكرة التنظيم والانضمام إلى مجموع الأمة بحسب وصفه، بينما كتب القرضاوي في سياق تغريدة أخيرة له أثارت الجدل عن انتمائه فقط إلى القرآن والسنة، قائلا “أنا لا أنتسب لأحد إلا للإسلام وحده”.

 

شدد خبراء في شؤون الحركات الإسلامية على أن هذين المُنظّريْن الاثنين هما بمثابة مظهر إفلاس قادة الإسلام السياسي وتياراته، وبرهان على ضحالة الفكر الذي قام عليه هذا الاتجاه.

 

سياسيون عددوا خطايا منظري الجماعات المتطرفة، وأولها رهان تلك الجماعات على مشاريع القوى الخارجية التوسعية بالمنطقة العربية، فتحولوا إلى أداة لتدمير المنطقة في سياق تحقيق حلم التيار الإسلامي بالانفراد بالسلطة في البلاد العربية.

 

هؤلاء المنظرون الفاشلون أفتوا بشكل معلن بأن إسقاط الأنظمة يتطلب محاربة جميع أعوان الحاكم من قضاة وجنود وعلماء، وهي الفتاوى التي اتخذها الإرهابيون مسوّغا دينيا لاغتيال العلماء ورجال الشرطة وقادة الجيش في البلدان العربية.

 

إضعاف الدول العربية وجعلها مكشوفة سهلة الاستهداف من أعدائها، كان نتيجة طبيعية لجهود هؤلاء المنظرين عبر “شرعنة” الفوضى، وإعطاء مسوغ شرعي للخروج على الحكام باسم الثورة والإصلاح.

 

أوضح الخبراء أن قادة جماعات الإرهاب تيقنوا الآن من انهيار هذا المشروع برمته على أيديهم، ولم تصل خيبة الأمل والإحباط إلى المستوى الحالي أبدا منذ تأسيس جماعة الإخوان في عشرينات القرن الماضي، وما تبرؤهم أخيرا من الانتماء إلى تلك الجماعات إلا دليل على انهيارها، ولأنهم أسهموا في إيصالها إلى هذا المصير فإنهم الأكثر حرصا على عدم الظهور في مشهد سقوطها الأخير.

 

حمّل طارق البشبيشي، الخبير في الإسلام السياسي والقيادي السابق بجماعة الإخوان، منظري العنف مسؤولية الخراب والتدمير الذي عمّ البلاد العربية، مشددا على أن هؤلاء أضفوا الصبغة الدينية على الحرب الشاملة على الدول العربية التي باشرتها التنظيمات والميليشيات المسلحة بدعم وتمويل من قوى باتت معروفة للجميع.

 

وأكد في تصريح أن سفك الدماء وقتل العسكريين والقضاة وتفجير مديريات الأمن وحرق وتفجير الكنائس، ما كان ليحدث من دون غطاء ديني وفره هؤلاء عبر فتاواهم.

 

وحذر البعض من المراقبين من دور جديد تسعى تلك القيادات إلى لعبه في هذه المرحلة، وهو دور الظهور بثوب “الناقد” وصاحب مشروع المراجعات الفكرية، وأوضحوا أنها مجرد تمثيلية مكررة لإنقاذ تلك التنظيمات وإنقاذ أنفسهم من الورطة التاريخية العالقين بها.

 

    دور تسعى القيادات الإسلامية إلى لعبه في هذه المرحلة، وهو دور الظهور بثوب “الناقد” وصاحب مشروع المراجعات الفكرية

 

ويراهن هؤلاء القياديون الآن على إمكانية تكرار اللعبة القديمة والسوابق التاريخية بعد انخراط الجماعات خلال الخمسينات والستينات وتاليا الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي في العنف والاغتيالات ثم الادعاء بإجراء مراجعات، كما يخططون لإخضاع المراجعات المقترحة من قبلهم للمساومة والابتزاز مع الأنظمة والدول في مقابل أن يظلوا جزءا من المشهد، وأن يتم إعفاؤهم من المسؤولية الجنائية على الجرائم التي ارتكبوها.

 

ورسخت قناعة مجتمعية لدى النخبة المصرية بأن تلك البيانات والمراجعات الوهمية مجرد خداع مرحلي لا أكثر، وقد سبق ووصفهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات في إحدى خطبه بأنهم يستخدمون “التقيّة” المعمول بها لدى الشيعة لتحقيق هدف سياسي.

 

كما أثبت ذلك المستشرق البريطاني جيمس هيوارث دون (1974/1904) في سياق توثيقه لتاريخ جماعة الإخوان إذ قال “إن الجماعة عندما تواجه حكومة قوية تقصر نشاطها على الدين لكنها تتحول إلى السياسة مع الحكومات الضعيفة”.

 

القرضاوي ومن معه من مرجعيات جهادية، لم يكونوا وحدهم من سحبوا تيار الإسلام السياسي إلى تلك الورطة التاريخية الراهنة، وإنما شاركت في هذا التوريط أيضا الدول الداعمة للإرهاب، ومن ثم فإن البعض من الخبراء يقولون إن تبرؤ هذه القيادات مما جنته أيديهم هدفه كذلك تبرئة هذه الدول لرفع الحرج عنها.

 

وتبين للجميع الآن أن تلك الجماعات ركبت الحراك العربي الاحتجاجي واستغلته بينما لم يكن لها دور في انطلاقه، ثم برهنت بعد صعودها بشكل مفاجئ إلى السلطة أنها فاشلة إداريا وسياسيا واقتصاديا.

 

من العوامل الأخرى وراء تحولات قادة الإرهاب تلك التفاهمات الدولية الأخيرة، خاصة بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا على مستوى الملفات الإقليمية، وما تبعها من استدارة تركية في الملف السوري لإعاقة إحراز مكاسب “جيو سياسية” للأكراد.

 

ولم تكن هذه التحولات لتحدث قبل التوحّد الدولي في مواجهة الإرهاب المنطلق من بلدان الأزمات العربية، والذي صار يستهدف بشكل يومي العمق الأوروبي، ولا قبل نهوض الدول العربية بمشروع موحد لتجفيف منابع التنظيمات الإرهابية المالية والفكرية.

 

التطورات الميدانية في الحرب السورية والأزمة الليبية التي حملت عناوين القضاء على جيوب المعارضة المسلحة، ساقت تركيا إلى التفكير في لعب دور الوسيط مستقبلا لا دور المنحاز والداعم بشكل كامل لجماعة الإخوان وحلفائها.

 

وستحتاج القيادة التركية بعد انقشاع الأزمة القطرية إلى طي صفحة التوتر مع الدول الخليجية، كما من المتوقع أن تستجيب لما هو مطلوب لإنجاح التقارب مع مصر في ضوء مرحلة جديدة مبنية على النِديّة والحرص على اكتساب ثقة الدول بعد أن تأكد فشل مرحلة الاختراقات والعبث الإقليمي والحرب بالوكالة عبر خدمات التنظيمات والميليشيات الطائفية والمؤدلجة.

 

تفاعلات الحدث الإقليمي تزيد الدول العربية حصانة وقوة شيئا فشيئا، والضربات الإرهابية المتتالية في عمق أوروبا تدفع العالم إلى التوحد والتنسيق مع الدول العربية المناهضة للإرهاب، وسوف يتحدد على ضوء تلك المواجهة الوجودية مصير المنطقة والعالم بأسره، وبالتبعية مصير ومستقبل الإسلام السياسي والجهادي وجماعاته.

  • عن جريدة العرب

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *