“داعش” في الموصل… سنة ثالثة- عبد اللطيف السعدون

دخل أبو بكر البغدادي الموصل في يونيو/ حزيران 2014، وأقام فيها دولته، ومنها غزا أكثر من موقع، وخلفت واقعة دخوله كومةً من الألغاز والأسرار، كبرت على مدى سنتين، ظل بعضها عصياً على الفهم، فيما أصبح بعضها الآخر معلوماً، بعدما كشف عنه النقاب بعض من كانوا يومها في موقع المسؤولية العسكرية في الموصل، وما كشف كان مروّعاً وصادماً، اختصرته حقيقة مذهلة ومرّة، هي أن عدد المسلحين الذين رافقوا البغدادي في “غزوته” لم يتجاوز الثلاثمائة، مقابل أكثر من خمسين ألفاً من رجال الجيش والشرطة والأمن والتشكيلات الخاصة كانوا مرابطين هناك، وفي وضعٍ يُفترض أنهم فيه جاهزون لمواجهة أي طارئ، لكنهم هربوا بجلودهم، بعد أن خلعوا ملابسهم العسكرية، تاركين وراءهم أسلحةً ومعداتٍ وآلياتٍ قدّرت بمليارات الدولارات.

كيف حدث ما حدث؟ كيف استطاعت قلة قليلة أن تهزم كل هؤلاء، وأن تغنم كل ما تركوه لها، لتعتبره حلالاً مباحاً، ولتستخدمه في “غزواتٍ” لاحقة، وكان مساعداً لها لأن تتحوّل في فترة قصيرة، وفي غفلة من التاريخ، أو ربما بتواطؤ معه، إلى “قوةٍ” دوليةٍ شرّيرة، ذات أذرع عابرة للحدود، أباحت لنفسها كل ما هو محرّم أو محظور، وشكلت خطراً استنفر دولاً، وكتلاً، وجيوشاً لمواجهة تحدياتها الماثلة؟

من المسؤول عن هذا كله، وكيف اختفت (أو أخفيت) الخيوط التي تؤدي إلى تحديد المسؤولية وإيقاع العقاب؟ ولماذا جرى التعتيم على ما وصفت بأنها نتائج تحقيق لجنة تقصّي حقائق شكلتها حكومة بغداد؟ ولماذا ظلّ في دائرة الضوء من دون أن يطوله أي عقاب، أو حتى من دون مساءلةٍ أو استجوابٍ من تواتر ظواهر معينة على أنه كان “الفاعل الرئيسي”، إذ لم يتحرّك لدرء الخطر قبل حدوثه، على الرغم من تحذيراتٍ وصلت إليه، كما رفض إرسال نجدات عسكرية إلى المدينة، وقيل إنه أوعز لقطعات الجيش بالانسحاب؟

في مواجهة كومة الألغاز والأسرار، وبعيداً عن “نظرية المؤامرة”، أو قريباً منها، برزت جملة مفارقات على هامش واقعة الدخول أو في صميمها، إذ عرف أن ثمة تواطؤاً عفوياً بين أطرافٍ دوليةٍ ذات مصالح وأهداف تبدو متناقضةً في الظاهر، هو الذي دفع، أو سهّل على الأقل، دخول “داعش” إلى الموصل، وقد نجحت هذه الأطراف، من خلال ذلك في تحقيق مكاسب تصبّ في صالحها، على المديين القصير والمتوسط. أرادت أميركا خلط الأوراق، بغرض إعادة إنتاج احتلالها العراق بصيغةٍ أو بأخرى، وإنضاج أوضاع إقليمية تتيح لها الاستئثار بالمنطقة، وممارسة دورٍ أكبر في إيجاد مخرجٍ للمسألة السورية، لا يتعارض مع مصالحها، ويضمن قطع الطريق على عودة روسيا إلى المنطقة. وهكذا زادت من وجودها العسكري، وبعثت مئات الجنود والمستشارين، لتقديم المشورة والمساعدة الفنية للقوات المسلحة العراقية، وشكلت تحالفاً دولياً بقيادتها، وضغطت لحماية “العملية السياسية” الطائفية التي شرعنتها، بعد غزوها البلاد، من الانهيار.

وسعت إيران، هي الأخرى، وبذريعة “داعش” دائماً، إلى ترسيخ نفوذها، وطرح نفسها حامية للعراق في مواجهة الإرهاب وتنظيماته، حيث أدخلت وحداتٍ من “الحرس الثوري”، ودعمت مليشيات “الحشد الشعبي” الموالية لها، وضمنت سيطرتها على القرار العراقي، عبر الوجود الدائم لقاسم سليماني، مسؤول الملف العراقي، وعرّاب المليشيات، وتدخله في رسم الخطط العسكرية وإشرافه على تنفيذها.

وثمّة دور غير منظور لعبه النظام السوري في سعيه إلى الاستفادة من “الخلطة”، التي أنتجها وجود “داعش” على أرض الموصل، أعطته فسحةً لالتقاط الأنفاس، وطرح نفسه قوة مواجهة للإرهاب، والإعلان عن استعداده للتعاون على هذا الأساس، مقابل ضمان بقائه!

هناك أيضاً قوى محلية معارضة لحكومة بغداد، سعت إلى استثمار دخول “داعش” الموصل، بل تعاون بعضها مع “داعش”، وأعطت دعمها له في البداية، ثم وجدت نفسها في مأزقٍ، بسبب ممارسات “داعِش” المشينة، فسارعت إلى إنقاذ نفسها، وفكّت ارتباطاتها به، وشرعت في انتقاده علناً، وقد خسرت هذه القوى بخطوتها المثيرة تلك كثيراً من رصيدها الشعبي، وتحاول اليوم النأي بنفسها عن “داعش”، في محاولة استرجاع بعض ما فقدته.

تحيلنا هذه المفارقات إلى استنتاج أن تحرير الموصل وسواها من سلطة “داعش” لن يغيّر في واقع الحال الماثل في العراق، إذ ستبرز تعقيداتٌ جديدةٌ جرّاء صراع النفوذ بين القوى والأطراف الدولية والإقليمية، وليس ثمّة حل للمسألة العراقية، إلا بإسقاط “العملية السياسية” الطائفية الماثلة، وتأسيس عمليةٍ سياسيةٍ وطنيةٍ خالصة، عابرة للطوائف والمذاهب والإثنيات.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *