غلاء المعيشة يدفع التونسيين لهجرة الفضاءات التجارية

تدهور المقدرة الشرائية للمواطن التونسي تغير عاداته الاستهلاكية مجبرا تحت وطأة عدم القدرة على مجاراة نسق ارتفاع الأسعار.

قاد تدهور المقدرة الشرائية وارتفاع الأسعار التونسيين إلى هجرة المساحات التجارية الكبرى التي تعرض مختلف المواد والسلع الضرورية وغير الضرورية ليكتفوا بشراء ما يحتاجونه من مواد غذائية من الدكانين الصغيرة المنتشرة في الأحياء.

وتكفي جولة في المساحات التجارية الكبرى مثل كارفورالواقع بالضاحية الشمالية للعاصمة وجيانشمال غرب العاصمة ليلاحظ الزائر أن أكثرية القادمين جاؤوا للتنزه مكتفين بالتدقيق في أسعار المواد أو الجلوس في المقاهي.

والمساحات التجارية الكبرى تعد ظاهرة جديدة نسبيا في تونس حيث تعوّد التونسيون على اقتناء المواد الغذائية من محلات صغيرة يطلقون عليها العطارأو الجربينسبة لأهالي جزيرة جربة الذين اشتهروا في مجال التجارة.

وقبل انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 كانت المساحات التجارية الكبرى الوجهة المفضلة للتونسيين لشراء ما يلزمهم خاصة من مواد غذائية طيلة شهر كامل وبعض الأمتعة الأخرى.

ويمثل الميسرون الزبائن الأكثر وفاء لتلك المساحات حيث يوفرون نحو 600 دينار أو ما يعادل 280 دولار، كنفقات شهرية للمواد الغذائية.

وخلال السنوات السبع الماضية تدهورت المقدرة الشرائية بنحو 50 بالمئة وفق بيانات منظمة الدفاع عن المستهلك ما أدى إلى تراجع زبائن المساحات التجارية.

وتقول ريم خواجة إحدى المسؤولات عن المبيعات بالمساحة التجارية بفضاء جيانقبل الانتفاضة كان الفضاء يغص بالزبائن وكان الزبون الواحد يقتني خاصة في آخر كل شهر عند استلامه راتبه الشهري العديد من المواد تصل كلفتها إلى 600 دينار.

وقالت خواجة وهي تتحدث إلى مراسل ميدل ايست أونلاين أما اليوم، كما ترى فإن الفضاء يكاد يكون خاليا، مضيفة أكثرية الزبائن لا تتجاوز شراءاتهم 100 دينار، (نحو 40 دولار) وحتى أقل عدا بعض الزبائن ميسوري الحال“.

ووفق خواجة تراجعت مبيعات المساحات التجارية الكبرى بنسبة 30 بالمئة خلال السنوات السبع الماضية، مشددة على أن أكثرية الزبائن باتت ترتاد المساحات إما للتنزه في المساء أو في نهاية الأسبوع أو اقتناء القليل من المواد الغذائية الضرورية“.

وفي ظل تراجع المبيعات اضطرت المساحات التجارية إلى التقليص من حجم السلع المعروضة كما استغنت على العديد من أجنحة البيع من المواد التي تعد من الكماليات.

وبعد أن كان الزبائن يقفون في طوابير طويلة لتسديد معلوم المقتنيات وينتظرن الكثير من الوقت خلت المساحات من الطوابير وأصبح بإمكان الزبائن المرور دون عناء.

ويقول رمزي دبوس المسؤول عن جناح بيع الأجهزة الإلكترونية إن المبيعات انخفضت بنسبة لا تقل عن 50 بالمئة سواء تعلق الأمر بالحواسيب أو بالهواتف النقالة أو حتى بأجهزة التلفزات حتى أننا اضطررنا للقيام بتنزيلات في الأسعار بنسبة 20 بالمئة“.

وقال دبوس لمراسل ميدل ايست أونلاين كما ترى انش في الذبابوهي عبارة تستعمل للتعبير عن الكساد، تحول الفضاء من مساحة تجارية إلى متنزه يقصده الناس في نهاية الأسبوع للقيام بجولة ثم يغادرونه فارغي اليدين.

وتعد ظاهرة كساد المساحات التجارية الكبرى مؤشرا قويا على أن تدهور المقدرة الشرائية في تونس لم تطل الفئات المتوسطة بل طالت أيضا الفئات الميسورة باعتبار أن حرفاء تلك المساحات هم أصلا من ميسري الحال.

وتقول فاطمة جعيط إحدى الزبائن وهي تحمل بين يديها علبتي طماطم وقارورة زيت نباتي كنت أقتني أسبوعيا ما يلزمني من المواد الغذائية ومواد التنظيف بمبلغ مالي قدره 180 دينار (نحو 70 دولار) أما اليوم فإن نفس المبلغ لا يكفي لشراء نصف ما أحتاجه“.

وتابعت في تصريح لمراسل ميدل ايست أونلاين عدت من جديد لأقتني حاجياتي من عطار الحومة وكل يوم ويومه، أي أقتني فقط ما أحتاجه يوميا“.

وخلال السنوات الماضية كادت المساحات التجارية الكبرى تجر المحلات الصغيرة لبيع المواد الغذائية العامة إلى الإفلاس بعد أن تحولت إلى وجهة جذابة للحرفاء في ظل مقدرة شرائية لا باس بها.

واضطر العشرات من صغار التجار المنتشرين في الأحياء إلى غلق محلاتهم والبحث عن مهن أخرى مثل بيع الخضار والفواكه أو فتح مطاعم شعبية صغيرة.

لكن مهنة عطار الحومة، بائع المواد الغذائية بالحارة، عادت لتنتعش من جديد مستفيدة من هجرة أكثرية التونسيين للمساحات التجارية الكبرى.

ويقول الحاج سالم بن حميدة وهو بائع مواد غذائية في حي الطيب المهيري بالضاحية الشمالية لتونس العاصمة قبل أن اغلق الحانوت (محل البقالة)”، نزلت مبيعاتي إلى نحو 70 بالمئة وعجزت حتى على دفع معلوم الكراء وفاتورة الكهرباء ولما أدركت أن المهنة ابتلعتها المساحات التجارية الكبرى توقفت عن العمل“.

وأضاف وهو يتحدث إلى مراسل ميدل ايست اونلاين عدت لأفتح المحل في العام 2015 وبطلب من أهالي الحي الذين يتذمرون من غلاء الأسعار ومن صعوبة اقتناء حاجياتهم من المساحات التجارية التي كانت قد استهوتهم سابقا“.

ويتابع وهو يبتسم الدنيا غلات والفلوس ما فماش (الأسعار مرتفعة والمال نادر) الناس مضطرة لشراء ما يكفيها من حاجيات يومية وهو ما نوفره ولا توفره المساحات التجارية“.

وفي ظل الأزمة الهيكلية التي ألقت بتداعياتها على المقدرة الشرائية على أكثرية التونسيين تبقى المساحات التجارية الكبرى وجهة الفئات الميسورة دون سواها للتبضع منها أما بقية الفئات الاجتماعية فهي تكتفي بزيارتها للترفيه.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *