جمهورية النساء في حلب…

زينة شهلا

يضيق المنزل الصغير في أحد أكثر أحياء شرق حلب فقراً بعائلة صباح حنّون. يقع المنزل في “أرض الحمرا وجبل بدرو”، وعدد ساكنيه حوالى 20، جميعهم من النساء والأطفال.

 

فبعدما غيبت الحرب معظم رجال العائلة، بين قتيل ومفقود وجندي على جبهات القتال، لم يبقَ في بيت صباح إلا الصغار والنساء.

 

على مدار ساعات اليوم، تنشغل ربة الأسرة إثر وفاة زوجها، بسبب قذيفة هاون في حي الشعار، شرق حلب، قبل أعوام، بتأمين حاجات عائلتها، التي سمّاها سكان الحيّ “جمهورية النساء” أو “مستعمرة النساء”.

 

لا يحتوي المنزل على كثير من قطع الأثاث، فالعائلة التي نزحت أوائل العام 2016 حين اشتدت وطأة المعارك والحصار في منطقتها إلى حي “حلب الجديدة” غرب المدينة، عادت إلى منزلها “المكنّس”، أي الخالي تماماً من محتوياته، مما أجبرها على استعارة قطعة من هنا، وأخرى من هناك لتدبير أمورها.

 

“قعدنا على الحصر واستعرنا جرّة غاز عم نعبيها. الحمدلله عايشين”، تقول السيدة البالغة من العمر 55 عاماً لرصيف22.

 

بعد نحو أربعة عشر شهراً على انتهاء المعارك في مدينة حلب، شمال سوريا، وقد أعلنت آخر فصولها في ديسمبر 2016، لا يزال الدمار عنوان مساحة واسعة تضم عشرات الأحياء التي اصطلح على تسميتها “حلب الشرقية” خلال السنوات الفائتة، فالمباني مهدمة كلياً أو جزئياً، واللونان الرمادي والأسود يطغيان على المشهد.

 

مع ذلك، تبدو أحياء كثيرة أفضل حالاً مما كانت عليه أثناء الاقتتال الذي استمر قرابة أربعة أعوام، إذ أزيل الركام من الشوارع، وبدأت بعض أعمال الترميم وإصلاح الطرق، في حين عادت آلاف العائلات لمنازلها ولتفتح متاجر لبيع الحاجات الأساسية لمن ضاقت به الحياة خارج “حلب الشرقية” ففضل الرجوع رغم الدمار.

 

ومعظم من يعيش ويتجول ويعمل في تلك الأحياء هم من النساء والأطفال والعجائز، وعدد قليل من الشباب وكبار السن. فالحرب، كما في كل مكان، تفرغ المدن من ذكورها لتبقى النساء وحيدات يكافحن لأجل الحياة.

 

ويقدر تقرير صادر عن شبكة الأنباء الإنسانية إيرين منتصف العام الفائت أن “النساء يتولين إعالة اثنتين من كل خمس أسر في شرق حلب”.

 

العائلة رقم 20

لعائلة صباح حنّون الرقم 20 لدى الجمعيات الخيرية التي تعمل على توفير حاجات العائلات المتضررة من سكان شرق حلب. هذا الرقم يعني أنها من طليعة العائلات التي عادت من رحلة النزوح إلى حيّها.

 

“لم نحتمل النزوح أكثر من ذلك. فضّلت أنا وبناتي الست وزوجات أبنائي الأربع أن نعود لنعيش في منزلنا برغم علمنا بأن مصيراً مجهولاً ينتظرنا”، تقول السيدة وهي جالسة على كرسي صغير، تحيط بها فتيات العائلة وكل منهن تحمل طفلاً أو طفلين.

 

المصير نفسه تتشارك فيه حوالى ألفي عائلة اختارت أيضاً العودة إلى منطقة أرض الحمرا وجبل بدرو، وذلك وفق إحصاءات جمعية كاريتاس التي تعمل كوادرها من خلال مركز داخل المنطقة على تأمين جزء من حاجات تلك الأسر. وبشكل عام، يتحدث آخر إحصاءات اليونيسيف عن عودة حوالى 350 ألف شخص لأحياء حلب الشرقية بعد انتهاء المعارك، في حين كان يقطن تلك الأحياء مليون ونصف المليون قبل العام 2011، وهو عدد انخفض إلى نحو 200 ألف في سنوات الحرب والحصار وفق تقديرات عدد من هيئات الأمم المتحدة عام 2016.

 

تبدو المنطقة اليوم “نصف مدمرة”. عدد كبير من منازلها العشوائية لا يزال بحال جيدة، في حين طال الدمار أجزاء واسعة منها نتيجة المعارك والقصف والاشتباكات. ينتشر عمال بناء في بعض الأحياء، حيث يستمرون في ترميم بعض البنى التحتية. ويحاول السكان تحسين أوضاع منازلهم ومحالهم قدر الإمكان، وفق ما تسمح به حالتهم المادية، عن طريق إصلاح الجدران والنوافذ والأبواب وحتى الأسقف المتضررة، وارتجال ما يمكن ارتجاله من معدات ولوازم.

 

وفي معظم أحياء حلب الشرقية، لا كهرباء إلا بشراء حصة من “الأمبيرات” ضمن نظام المولدات الكهربائية التي تعيش المنطقة بأسرها وفقه. ولا ماء إلا ما توفره الجمعيات الإغاثية عن طريق توزيع الحصص على العائلات، أو مستوعبات كبيرة منتشرة في الطرق. وتوفر تلك الجمعيات أيضاً وجبات طعام يومية، وموادَّ غذائية مختلفة، وألبسة شتوية، وهو ما تعتمد عليه عائلة حنّون لتدبير أمورها.

 

 

منزل بارد وأمل لا يخبو

“يرسل لي ابني الذي يعيش قريباً من هنا ويحاول بشق الأنفس العثور على عمل، خمسة آلاف ليرة سورية (عشرة دولارات) أسبوعياً، في حين أضطر أحياناً لإرسال ما يتيسر لي من نقود لولديّ اللذين يؤديان خدمتهما العسكرية في حمص ودمشق. كيف يمكن لعشرين ألف ليرة شهرياً أن تكون كافية؟”، تشرح السيدة وضع عائلتها المادي، والذي يزداد سوءاً مع وجود أطفال ذوي احتياجات خاصة، وأفراد مصابين بمرضي الكلى والسكري، مما يعني الحاجة للمزيد من اللوازم والأدوية.

 

بذلك، لا يحصل أطفال عائلة حنّون كوجبة يومية إلا على الشاي والخبز والسكر، ويعتبر الحليب من الكماليات التي يصعب تأمينها. كما تستخدم الأمهات قطعاً قماشية قابلة للغسل وإعادة الاستعمال عوضاً عن الحفاضات التي يتعذر شراؤها نظراً لارتفاع أسعارها.

إضافة لذلك، لا وسائل تدفئة تبعث الحرارة في جدران منزل العائلة، ولا سجاد يغطي الأرض العارية التي تزيد من وطأة الإحساس بالحرارة المتدنية في فصل الشتاء. يركض الأطفال برغم البرد باحثين عن مصدر سعادة وهم لا يملكون ألعاباً تساعدهم على تمضية الوقت، وتلاحقهم عيون أمهاتهم المتعبة من التفكير.

 

وبكل فخر، تتحدث نساء العائلة لرصيف22 عن أحد الأطفال وقد بدأ بالتردد لإحدى المدارس القريبة، والتي فتحت أبوابها بعد ترميم جزء منها لتصبح صالحة لاستقبال أطفال الحي: “الحمدلله المدرسة كويسة وهو بلش يتعلم”.

 

لكن حظ بقية أطفال العائلة – الذين تعجز الجدة عن إحصاء عددهم بشكل صحيح- قد لا يكون بهذه الوفرة، فمعظمهم لم يحصل بعد على أوراق ثبوتية رسمية مع عدم تسجيل حالات الزواج والولادات خلال فترات الحرب والنزوح.

 

وتتطلب إجراءات التثبيت التوجه نحو أحد المكاتب القانونية المتخصصة، لكن تكلفة ذلك كبيرة لعائلة حنّون.

 

يقدر تقرير صادر عن شبكة الأنباء الإنسانية إيرين منتصف العام الفائت أن “النساء يتولين إعالة اثنتين من كل خمس أسر في شرق حلب”

“إن كنا نحتاج لنحو 400 ليرة يومياً لشراء كفايتنا من الخبز، فكيف لنا بتأمين ما تبقى من حاجات؟ تبلغ تكلفة التسجيل لكل طفل نحو 3000 ليرة، كما أن أجور التنقل خارج الحي مكلفة. “أي تكسي بدو 1000 ليرة عالأقل، وأنا بضيع ما بعرف روح لحالي. خليها على الله”، تقول السيدة وهي تضرب كفاً بكف، ومع ذلك لا تفارق الابتسامة وجهها إذ تبدو قانعة بما أعطتها إياه الحياة، علماً أن حلمها اليومي هو أن ترى ابنها وزوج ابنتها المفقودين منذ سنوات.

 

“الله يحمينا من الحكام والظلام وولاد الحرام”، تردد السيدة هذه العبارة رافعة يديها نحو السماء، وتضيف: “لا أمل لنا إلا بعودة الغيّاب”.رصيف22

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *