وحي واحد وليس اثنين- محمد شحرور

يمكن لمتدبر التنزيل الحكيم ملاحظة أن النبي (ص) لا يعلم الغيب، وأن الغيبيات الواردة في كتب الحديث من معراج وعذاب قبر ومناظر الساعة والمهدي والأعور الدجال، كلها لا أساس لها، ولا يمكن أن يكون الرسول مصدرها.

أما أطروحة “صاحب الوحيين” التي اعتمدها الشافعي على أساس أن الوحي الأول هو الكتاب والوحي الثاني هو السنة، أجد أنها أطروحة متهافتة لا محل لها وتخالف أبسط قواعد التنزيل الحكيم، إذ اعتبرت أن القول هو النطق وأن قوله تعالى {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (النجم 3 – 4) يشمل كل ما نطقه الرسول في حياته وبالتالي أصبح ما وصلنا من عنعنة يضاهي في أهميته كتاب الله إن لم يطغ عليه في أحيان كثيرة.

كذلك فإن اعتبار الحديث النبوي هو “الحكمة” التي حظي بها النبي لا أساس له أيضاً، وإلا فأين الحكمة التي آتاها الله تعالى للأنبياء الآخرين {وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ} (آل عمران 81) وللقمان وغيره {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ} (لقمان 12) إذ ليس كل من أوتي الحكمة نبياً أو رسولاً {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ} (البقرة 269) والحكمة هي وضع الأمور في مواضعها كما ينبغي، وفي التنزيل الحكيم المقصود بالحكمة هو القيم الأخلاقية والمثل العليا، ومحمد (ص) كان صادقاً وأميناً وحكيماً في قومه قبل البعثة وبعدها، ولا يوجد ما يمنع من الاستئناس بالأحاديث ذات الطابع الإنساني المقبول عند كل أهل الأرض والتي يتحقق فيها قوله تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (الأنبياء 107) كحديث “والله لا يؤمن من بات شبعاناً وجاره إلى جنبه جائع وهو يعلم” مثلاَ.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *