الالتزام الديني في ظل الإسلام السياسي

 

إن الملتزم بالإسلام هو ذلك الذي ألزم نفسه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه،واتخاد الإسلام عقيدة وعبادة ومعاملة وأخلاقًاً وسلوكاً في الظاهر والباطن،في السر والعلانية، في نفسه ومع زوجته وأبنائه وأسرته، في مجتمعه ومع سائر الناس،والتعامل بخلق الإسلام،فلا غش ولا تدليس ولا حرص ولا بخل ولا كذب،ولا خيانة ذمّة، ولا شَرَهَ ولا طمع ولا تزوير ولا خداع، ولا تحايل على الناس بمظهر الإسلام. وعلى وفق ما يقوله علماء الفقه فان الالتزام الديني لا يعني فقط أداء الواجبات العينية مثل إقامة الصلاة وإداء الزكاة والاخلاق الفاضلة،التي تكون مصلحتها مقتصرة على الفرد نفسه في علاقته مع ربه،بل وأداء الواجبات الكفائية (طلب العلم، واغاثة المستضعفين مثلاً) التي يعدّونها أعمق معنى واثراً من الواجبات العينية لأن تأثيرها يمتد الى المجتمع والخير العام.

في ضوء ذلك، فان المنطق يقول: ما دامت السلطة بيد أحزاب إسلامية فان الالتزام الديني (التدين) بالوصف الموجز في أعلاه ينبغي أن يكون أقوى لدى الناس، فكيف هو حال العراقيين من ذلك؟ وكيف هو حال حكامهم الإسلاميين؟

أولاً، ساد المجتمع ارتفاع في نسب التفكك الاجتماعي والأسري. ثانياً، ارتفاع نسبة التفكك العقائدي نتيجة تعدد الولاءات التحزبيه. ثالثاً،احباط شامل في العقيده والايمان. ورابعاً، التحريف الواضح والعمل عكس كل شيء. تراجعت القيم الأخلاقية للمجتمع العراقي وفق المفهوم العقلي والتجريبي لفكرة الاخلاق، وكانت فرصة جيدة لنعرف حدود وقدرات الإسلام السياسي في تناوله للسياسة والحكم بشكل عملي. تنفير واضح من الدين والتدين وإجماع جمعي على ازدواجية رجل الدين، وفقدان الثقة به، ارتفاع ملحوظ بظاهرة الإلحاد وخصوصاً بين صفوف الطلبة الجامعيين ودارسي الميثولوجيا وتاريخ الفن وعلم الحضارات.

الشباب الذين يتبعون الأحزاب الشيعية الخمسة والسنية الأربعة هؤلاء تدينهم قشري ومتطرّف في نفس الوقت، وأما الشباب المستقلين فتدينهم طبيعي هادئ بدون رياء أو تعصب.

الخروج عن الأخلاق في المناسبات الدينية مثل رواديد الرقص والدي جي، إسقاط هيبة رجل الدين من قبل رادود كما فعل باسم الكربلائي مع الشيخ اليعقوبي. الفساد المستشري بكل مفاصل الدولة الحكومية. تباين الناس في فهم ما هو مطلوب منهم ونسوا الفضائل وتمسكوا بالتعصب والتطرّف وليس هذا من مطالب الدين. شباب العراق هم ضحية هذا الطيف من الرؤى لدور الدين والشباب ضيعوا المشيتين. انقسم الشباب بين اتجاهين:التطرّف في التدين والابتعاد عن الدين بحيث ضاعت حالة الوسطية في التدين.

ابتعد الشباب عن كل ما له صلة بالتدين من صلاة وصوم، وأعرف عوائل تشكو من وضع ابنائها الذين يلومون اهلهم بقولهم (هؤلاء الذين كنتم توعدوننا بهم وبحكمهم الفاسد) والذين اساءوا للدين.

خلال فترة حكم أحزاب الاسلام السياسي ازدادت ظاهرة التعنصر الطائفي مضعفة جداً تأثير الدين على الفرد العراقي الأمر الذي أدى إلى توجه الشباب للالحاد وبشكل ساذج. لم يلتزم المتدينون الاسلاميون بالدين الالهي وانما جعلوه وسيلة لتسلق المناصب والوجاهات والتنافس على كرسي السلطة.

التدين من الأمور الايجابية فقد دعت الاديان الى مكارم الاخلاق ونصرة المظلوم ومجاهدة من يعتدي على الناس. واضافة الاحاديث زوراً الى النبي محمد وأحزاب الاسلام السياسي عاملان اساسيان لعدم فهم الدين وتراجع الناس عن التعليم والثقافة والنضال من أجل التقدم.

بعد انتهاء حقبة القومية في العالم العربي وسقوط شعاراتها استبدلت الانظمة توجهاتها الى اسلوب اخر له مواصفات التخدير القومي الى الاعلان عما يشبه البيان بفرض الدين على الشعب كما في الحملة الإيمانية. وانتعاش حركات التطرّف بعد التغيير لم يكن أمام الاسلام السياسي إلا التدين وفق حسابات المذهب، والترويج للمذهب دفع طرفي النزاع الى التطرّف وعدم قبول الآخر.كما أسهم التدين الشكلي في الانغماس بالغيبيات المتخيلة في عقول الحزب بعد سنوات من التحشيد نحو التدين الشكلي ، والكثير استثمر تدينه الزائف باشغال مناصب عليا.

إن شيوع الفساد على صعيد قيادات أحزاب الإسلام السياسي هو السبب الرئيس في ضعف الالتزام الديني، لأن أقبح ما يمارسه الحاكم (الاسلامي) أن يتظاهر بأنه متمسك بالدين ويفعل بالضد من تعاليم وقيم دينه.

إن مشكلة حكّام الإسلام السياسي في العراق إنهم إحاطوا انفسهم بمستشارين يقولون لهم ما يحبون أن يسمعوه، وعزلوا انفسهم سيكولوجيا ولوجستيا بـ(خضراء) يعيشون فيها بأمان ورفاهية، ولا يريدون أن يتحدثوا عن الحال البائس للعراقيين لأنه يذكّرهم بأنهم هم السبب ليس فقط بما حصل لهم من فواجع بل ولأنهم أساءوا للدين الاسلامي بشكل تجاوزوا فيه اساءات الفاسدين مَن لعنهم التاريخ والأحفاد.

قاسم حسين صالح

ملخص ما نشر للكاتب تحت عنوان: الالتزام الديني في زمن حكم أحزاب الإسلام السياسي (دراسة استطلاعية)

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *