هل يوجد إرهابي واحد لم يكن متطرفاً؟

 

الإرهابيون ليسوا فقراء ولا مهمشين ولا مرضى ولا مجرمين كلها أعذار تروج عن حسن نية من الناس وسوء نية من المتعصبين من جماعة الإخوان المسلمين والصحوة الذين يريدون خلط الأوراق.

إن كان هناك تفسير بسيط ومنطقي لأي ظاهرة كبيرة فإنه على الأرجح التفسير الصائب. ينطبق هذا على ظاهرة الإرهاب ومسببها التطرف وهو أكثر تفسير بسيط ومنطقي لها. المسألة بسيطة: بدون تطرف لن يكون هناك إرهابيون وهذه الفكرة أشار لها بوضوح ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حوار مع صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية حينما قال “يجب أن نتخلص من التطرف، فمع عدم وجود التطرف لن يكون هناك أي إرهابي”.

ورغم بساطة هذا التفسير ووضوحه إلا أننا سمعنا عشرات التفسيرات لظاهرة الإرهاب التي تقوم بالنهاية بتشتيت فهمه وبالتالي- وهذا أخطر-تبديد جهود القضاء عليه بشكل حاسم.

قبل أن نتطرق لهذه التفسيرات الخطيرة من المهم أن نشرح لماذا التطرف وليس أي سبب آخر هو حاضنة الإرهاب ومفرخة الإرهابيين. من السهولة معرفة أن كل الإرهابيين بلا استثناء تكفيريون، ولهذا عندما يقومون بالعمليات الانتحارية فهم لا يشعرون بتأنيب الضمير لأنهم يقتلون كفارا نزعوا عنهم أي قيمة إنسانية، لذا لا فرق بينهم وبين البهائم. هل يوجد إرهابي واحد يؤمن بأفكار التسامح والمساواة والتعايش الإنساني؟ بالطبع لا. وبالمقابل لا يوجد أي إرهابي يصحو من النوم ويقرر أي يكون إرهابياً يدهس الأطفال في الشوارع. بل هو شخص عادي تشرّب أفكار التطرف والتكفير والتفسيق التي صنعت منه مع الوقت إرهابيا محترفا. كل إرهابي هو متطرف بالضرورة وبدون معالجة ظاهرة التطرف من جذورها لا يمكن أن يختفي الإرهاب أو يتلاشى من تلقاء نفسه.

هذا هو التفسير المنطقي، ولكن في المقابل وجدنا عشرات التفسيرات التي تتجاهل هذا السبب الرئيسي والواضح والذي يقوله الإرهابيون أنفسهم في تسجيلاتهم وأحاديثهم التي تمتلئ بأفكار التكفير وقتل المسلمين المختلفين وغير المسلمين. إذا كان الإرهابيون أنفسهم يعلنون أنهم متطرفون لماذا نتبرع نحن ونقدم لهم أعذاراً أخرى؟ قد يبدو هذا تعليقاً ساذجاً، ولكن هناك في الواقع أسباب منطقية لخلق مثل هذه التفسيرات الاعتذارية.

أشهر تفسيرات الإرهاب تقول إن الفقر هو دافعه الرئيسي. ولكن هذا تفسير مغالط لأن زعيم القاعدة بن لادن كان مليونيرا ونائبه الظواهري ينتمي لعائلة مشهورة ومرتاحة ماديا والقائمة طويلة. الثري يتحول للإرهاب ليس لأن جيوبه فارغة ولكن لأن أفكاره مسمومة. هناك ملايين الفقراء المسلمين حول العالم (في الهند مثلا) ولكنهم لم يتحولوا إلى انتحاريين يفجرون أنفسهم في الأسواق. الشاب العاطل عن العمل يبحث عن وظيفة وليس حزاما ناسفا وقد يصيبه اليأس والإحباط ويفقد الأمل ويصاب بالكآبة وقلة الحيلة، ولكن لا يقرر قتل الأبرياء في الشوارع وهو يهتف باسم الله. لو كان ذلك صحيحا لرأينا العاطلين المحتاجين ينضمون لداعش والنصرة. البشرية عرفت الفقر منذ أول يوم في الحياة وسيستمر حتى يوم القيامة ولم يكن أبدا سببا للإرهاب والقتل.

التفسير الآخر هو أن التهميش هو السبب في ارتكاب العمل الإرهابي. تفسير متهافت لأن الإرهابي في الرياض أو القاهرة يعيش داخل المجتمع ولا يعاني من أي تهميش ومع ذلك يقتل أبناء بلده. ونتذكرقصة التوأمين في الرياض اللذين قتلا أمهما بالسواطير؟ هل كانا يعانيان من التهميش داخل وطنهم ومدينتهم وعائلتهم وبيتهم؟ هل كانت أمهم تهمشهم حتى ينقضوا عليها ككلاب صيد. السبب لأنهم متطرفون وإرهابيون وقتلوا الأم بعد أن كفروها وأحلوا دمها ولم تعد لها قيمة إنسانية بنظرهما. ولكنهم يردون بالقول إن التهميش في المجتمعات الأوروبية هو من يدفع شباب المسلمين للتطرف ومن ثم الإرهاب. وفي هذا التفسير مغالطة كبيرة لأن هناك من شباب المسلمين من اندمج في المجتمعات الأوروبية ووصلوا لأكبر المناصب لإيمانهم بفكر التعايش والتسامح، لذا أصبحوا مواطنين أوروبيين من الداخل والخارج ومسكونون بحب بلادهم ويدافعون عنها سرا وعلانية. إضافة إلى ذلك، فإن المهمشين والذين يشعرون بنقص الحقوق يذهبون في اتجاه طريقين، إما النضال المدني لاستعادة الحقوق، مثل السود في الولايات المتحدة الأميركية الذين ناضلوا بسلمية وبلا عنف حتى تغلبوا على القوانين الجائرة بحقهم. ولكنهم لم يقرروا تشكيل جماعات انتحارية تقتل باسم الدين والعقيدة. هذا الطريق الأول، أم الطريق الثاني، فهو الإحباط والغضب والانزواء وفي مثل هذه الحالة تنتج انتفاضات واحتجاجات ولكن لا ينتج إرهاب وإرهابيون. وفي كل المجتمعات الغربية بشكل عام توجد جماعات مهمشة لأسباب عديدة ولكنها لا تتجه للعنف والقتل. التهميش فكرة مغلوطة وخطيرة والعمليات الإرهابية التي رأيناها في قلب باريس وبروكسل ولندن، هي من إرهابيين تخرجوا من مدرسة التطرف مع مرتبة الشرف.

تفسير ثالث متداول بكثرة للإرهاب وهو أنهم مرضى نفسيون ولديهم اعتلالات عقلية جعلتهم يرتكبون هذه المجازر الرهيبة. هذا التفسير خاطئ ومسيء لأنه يتهم ملايين المصابين بعلل نفسية بالإرهاب والواقع يشهد أن هذا غير صحيح. من لديهم أزمات نفسية يذهبون للمصحات حتى يتعالجوا ولا يفجرون أنفسهم. في المصحات النفسية آلاف المرضى ولوكان صحيحاً هذا التفسير لرأيناهم في جبهات “الجهاد”. اختيار المرض النفسي حيلة لئيمة تحيل الإرهاب لسبب عقلي ونفسي لذا ليس داعيا لمناقشة الأفكار والتصورات المتشددة من الأساس.

تفسير رابع يقول إن الإرهابيين مجرد مرتزقة مجرمين وهذا التفسير على الرغم من الإدانة الظاهرة فيه إلا أنه خطير لأنه يحول الإرهاب كله إلى جريمة جنائية مثلها مثل السرقة والاختلاس والاغتصاب. وبهذا لا توجد أي خلفية فكرية أو عقيدة يمكن أن تدان وتحارب. لكن السارق أو المرتشي أو المختلس لا يبرر لجريمته فكرياً ودينياً أو يختلس باسم الله. هل يوجد سارق يرتكب جريمته لوجه الله بل على العكس يدرك أنه يفعل أمراً مشيناً ولا حاجة لإقناعه بغير ذلك. على العكس من الإرهابي الذي يمهد له تشريع فكري متطرف هو المسار الذي أوصله لهذه المرحلة وجعله يفجر نفسه وهو يعتقد أنه يصعد إلى النعيم. هذا نوع من التمويه المخادع لأن مقارنتهم بالمجرمين يعني مساواتهم بهم ورميهم بالسجون، بينما الأفكار تزدهر خارج السجن وهذا ما شهدناه في العقدين الأخيرين. كأننا نغرف من بحر من الإرهابيين، كلما يقبض على مجموعة تظهر مجموعة أخرى أصغر منها عمرا، والسبب أنها تتقلب في فردوس الأفكار المتطرفة الذي لم يمس.

الإرهابيون ليسوا فقراء ولا مهمشين ولا مرضى ولا مجرمين، وكل هذه أعذار تروج عن حسن نية من الناس وسوء نية من المتعصبين من جماعة الإخوان المسلمين والصحوة، الذين يريدون خلط الأوراق وتوجيه أصابع الاتهام لكل الاتجاهات إلا الاتجاه الأول والأخير وهو الفكر المتطرف.

ممدوح المهيني

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *