التجديد يبدأ بضرورة تجاوز “الصح والخطأ” نحو “الأنسب والأنفع”

ينطلق كتاب “تجديد الخطاب الديني من المنبر إلى شبكة الإنترنت” من حقيقة أنّ مجتمعاتنا العربية والإسلامية تحتاج إلى خطاب إسلامي جديد وليس إلى مجرد تطوير في الخطاب القائم على ما يوصف بطريقة طلاء البيت من الخارج.

 

ويذهب المؤلف محمد يونس، إلى أن هناك ضرورة حتمية إلى إحداث ما يصفه بتغيير نوعي في بنية الخطاب الديني وأولوياته وإعادة صياغة أطروحاته، بالإضافة إلى تجديد تقنياته ووسائله وتطوير قدرات حاملي هذا الخطاب ومنتجيه، لكي يكون هذا الخطاب على مستوى تلبية احتياجات الشعوب المسلمة في ظل الظروف الراهنة والمتغيّرات التي يمر بها العالم بأسره بصفة عامة، والبلدان الإسلامية بشكل خاص.

 

ويشترط في شكل التجديد بالخطاب الإسلامي الذي يقصده هو أن هذا التجديد يتماشى مع التحديات التي تواجهها البلدان الإسلامية، ولذلك فإن هناك حاجة ضرورية إلى خطاب ديني بناء وليس إلى خطاب ديني إنشائي، وأن تكون مكوّنات هذا الخطاب قادرة على دفع المجتمع للأمام ولأعلى عبر الفرز بين ما يشير لها الكاتب بـ“قيم التحلي” و“قيم التخلي”، بحيث يكون هذا الخطاب الديني الجديد قادرا على إدارة سنن التغيير الحضاري، بحيث يعيد للإنسان المسلم قدرته على المشاركة بفاعلية وحضور في التغييرات التي يشهدها المجتمع الإسلامي.

 

ويطالب المؤلف في هذا الإطار أيضا أن يكون الخطاب الديني الجديد نابعا من طبيعة الإسلام الذي ينطوي على دعوة مستمرة للتجديد تأخذ مشروعيتها من الحديث النبوي الشهير الذي رواه أبوداود في سنته والحاكم في مستدركه عن أبي هريرة عن النبي أنه قال “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل سنة من يجدد لها دينها”.

 

ويحدد المؤلف متطلبات الخطاب الديني الجديد الذي يقصده، بأن يكون هذا الخطاب قادرا على استشراف معطيات العصر وتطور العلاقات وأنماط التعاطي مع المعرفة وتطورها من مرحلة التلقي وحتى مراحل التفاعل والتأثير، وأن يكون الخطاب الديني الجديد أيضا قادرا على التكيّف مع مرحلة أحادية المنبر إلى تعددية الشبكة، ومن زمن المطلقات إلى قبول الاحتمالات، على أن يكون هذا الخطاب في نفس الوقت غير قاصر على معيار الصح والخطأ، وإنما يضيف إلى هذين المعياريين ما يتعلق بالأنسب والأنفع للناس، بحيث يؤدي مثل هذا الخطاب الديني الجديد والمتنور إلى إعادة بناء المسلم المعاصر من ناحية الفكر والوجدان، ليكون إنسانا حضاريا منفتحا على الأفكار والثقافات بلا تعصب ومشاركا في عملية التجديد والبناء سواء لوطنه أو للعالم من حوله.

 

جدل تحديث الخطاب الديني زاد في ضوء رغبة الشعوب في خلق عقد اجتماعي جديد بينها وبين النخب الحاكمة

وفي تماس بين فكرة تجديد الخطاب الديني التي يطرحها الكتاب، وبين الثورات العربية التي شهدتها أكثر من دولة عربية في ما عرف باسم “الربيع العربي”، يشدّد الكاتب على ضرورة أن يكون الخطاب الديني الجديد قادرا على تلبية احتياجات الشعوب العربية التي خرجت إلى ميادين المدن العربية والإسلامية لترفض الاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي والجمود الفكري الذي صاحب جمود الخطاب الديني لقرون.

 

والخطاب الديني لم يكن بعيدا عن تفاعلات الداخل والخارج وتحديات التحرر والتنمية التي عاشتها المجتمعات الإسلامية على مدى أكثر من قرنين، بداية ما شهدته هذه المجتمعات من تداعيات حداثية بعد الحملة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر، وحتى الحملات الاستعمارية الإنكليزية والفرنسية في حلقتها الثانية، ثم ثورات التحرر العربي وما رافقها من نضال ضد الاستعمار الأجنبي وحلفائه في الداخل.

 

الخطاب الديني في كل مرحلة من هذه المراحل التي مرت بها المجتمعات الإسلامية منذ نهاية القرن الثامن عشر كان يتراوح بين استيعاب الصدمة التي يتعرض لها، وبين محاولة التصدي للأفكار الجديدة الوافدة مع القادم الجديد من الخارج، وفي نفس الوقت كان هذا الخطاب الديني القائم يتعرّض لاتهام بالجمود، أو بالتشجيع على الإرهاب، وهو ما حدث في أكثر من فترة تاريخية، وحيث كانت هذه المزاعم تستغل في كل مرة أي حدث وقع لتضخم من أبعاده، وتبني عليه عريضة من الاتهامات لتطالب بتطوير هذا الخطاب ليستجيب لأجندة الغرب الغازي.

 

وفي كل مرحلة أو حملة كان يتعرّض فيها الخطاب الديني لمثل هذه الحملات من الهجوم، كان الخطاب الديني التقليدي أو القائم في هذه الفترة التاريخية يغلب عليه الجانب الدفاعي، وربما في ظروف مواتية له يتحول للمقاومة في إطار سعي هذا الخطاب للحفاظ على الهوية الخاصة بالمجتمعات الإسلامية في مواجهة الغزو الخارجي، لكن هذا الخطاب كان يهمل أو يتهرب من القضايا التي تتعلق بالتحديات الداخلية.

 

لكن ما حدث مع ثورات الربيع العربي هو أن الشعوب العربية التي خرجت للميادين تطالب بالحرية والعيش والعدالة الاجتماعية، أدركت حقيقة العلاقة الجدلية بين التحديات الداخلية والخارجية، وحيث اكتشفت الجماهير الثائرة ضد الظلم السياسي والاجتماعي حقيقة الرابطة التي تجمع بين مصالح القلة من النخب الداخلية المتسلقة مع مصالح القوى الكبرى الخارجية التي تحاول الإبقاء على سيطرتها الاقتصادية والسياسية على مقدرات الشعوب العربية عبر وكلائها من هؤلاء النخبة المصطنعة في الداخل.

 

بعد أن ثارت الملايين في الدول العربية ضد هذا التحالف القائم على استغلال الشعوب وحرمانها من حرياتها وحقوقها، فإن ما حدث هو أنه قد عاد الجدل مجددا حول مرجعية الخطاب الديني وضرورة تحديثه في ضوء رغبة الشعوب في خلق عقد اجتماعي جديد بينها وبين النخب الحاكمة، بحيث لا تكون علاقة الحكم قائمة على أساس سلطة دينية أو غطاء ديني يبرر لأي سلطة حاكمة تسلطها واستمرارها.

 

جدير بالإشارة أن كتاب “تجديد الخطاب الديني من المنبر إلى شبكة الإنترنت” للباحث محمد يونس، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ويقع في نحو 304 صفحات.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *