ما مدى قدرة الثقافة لوحدها على مواجهة منظومة دينية متماسكة

حكيم مرزوقي

دعا مثقفون وكتاب وأدباء يمثلون 22 دولة، الأربعاء الماضي، بمدينة طنجة أقصى شمالي المغرب إلى “جعل الثقافة أداة فعالة؛ لمواجهة الفكر المتطرف والإرهاب، وكل أشكال العنف والكراهية”.

 

وجاء ذلك في بيان ختامي لندوة دولية حول موضوع “الثقافة ملاذ الإنسانية”، نظمتها مؤسسة “بيت الصحافة”. وأعرب الموقعون على البيان، الذي حمل اسم “نداء طنجة الثقافي الدولي”، عن التنديد بأشكال التطرف والإرهاب والحروب كيفما كانت، وأيًا كانت الجهة التي تقف وراءها.

 

وجاء في البيان أن “المثقف والكاتب لهما قوة الكلمة التي بإمكانها تغيير الكثير من الوقائع في المجتمع وإنارة العتمة التي ينمو فيها التطرف، وتقود إلى الأصوليات المتطرفة متعددة المسالك”.

 

وطالب المشاركون المثقف بمواصلة انحيازه للعدالة الإنسانية والحرية، وانتصاره للتعددية، وكذلك دفاعه عن ترسيخ هذه القيم في المجتمع بمختلف أشكال الرأي والتعبير والكتابة الحرة.

 

وفي المقابل تساءل الكثير من المراقبين والمثقفين عن جدوى مثل هذه الندوات التي تتكاثر وتتشابه في بياناتها وتوصياتها ومقرراتها دون أمل مؤكد في الحصول على نتائج إيجابية ملموسة.

 

 

وفي فقرة وردت في نص البيان تقول إن المشاركين في الندوة يعتبرون أن “الإرهاب اليوم يمكن محاربته وتجفيف منابعه بالعمل الثقافي على مستوى البيت والمدرسة والفضاء العمومي وبالكلمة وعبر وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي”، علّق أحد المراقبين المتخصصين بقوله إن الإرهاب يمكن تغذيته أيضا بأعمال ونشاطات تحسب على الفن والثقافة، و”ذات نوايا طيّبة” من طرف المنظمين والقائمين على مثل هذه الندوات، وذلك في إشارة إلى أن عدم الدراسة وغياب التدقيق واعتماد العشوائية في هذا الأمر، هي أمور من شأنها أن تؤدي إلى نتائج عكسية.

 

ويورد المتفقون أمثلة ونماذج كثيرة لكتب وأعمال درامية في السينما أو المسرح أو التلفزيون، كرّست التعصب والتطرف، وشجعت على الكراهية والعنصرية مثل بعض المسلسلات الرمضانية وحتى تلك الأغاني ذات الطابع الحماسي والاستنهاضي المزيّف.

 

ويرى باحثون وأكاديميون متخصصون في مجال توظيف الثقافة في خدمة التوعية بمخاطر التطرف، أن الغاية ليست في تجميع المواد الفنية دون دراسة تستوفي جميع الأبعاد لدى كل الفئات العمرية، كما ينبغي أن نتجنب التعميم وعادة الإغداق على مشاريع ثقافية مزيّفة تفوح منها روائح تبييض الأموال والفساد والمحسوبيات.

 

وأمر بديهي أن تحمي الثقافة والفنون المجتمعات من التطرف والإرهاب.. أين الاكتشاف؟ فكأنما يقول الواحد إن الماء والغذاء يحميان الكائنات الحية من الموت والانقراض، لكن هذه المياه وهذه الأغذية يمكن لها أن تكون فاسدة أو مسمومة أو منتهية الصلاحية أو تصيب بالتخمة القاتلة.

 

والأمر المهم والحساس الذي ينبغي التنبّه إليه في هذه المقاربة التي تخص التصدي لكل أشكال التطرف عبر الثقافة والفنون هو صحة ودقة التشخيص عبر معاينة مواطن الخلل والضعف لدى أوساط المراهقين وتتبع أساليب الجهات الإرهابية في الاستقطاب وأسباب انضمام المراهقين إلى عصاباتها، بالإضافة إلى معرفة أنواع الفنون والمعارف التي يميل إليها الجيل الجديد، والعمل على تحقيق المعادلة بين ما يطلبه الشباب وبين ما ينبغي أن يقدم له.

 

ويمكن مقاربة أهمية دور الفن والثقافة في محاربة التطرف والوقاية من الإرهاب، من زاوية عكسية ومضادة بقصد فهم جوهرها وآلياتها، فإذا أسلمنا بأن الاندحار الميداني لتنظيم داعش، لم يرافقه اندحار أيديولوجي في أذهان أتباعه، ناهيك عن خطورة تفرعاته السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتهديداته المحدقة بالعالم العربي وأوروبا وغيرهما، فإننا نقرّ ضمنيا ونعترف بأن ثقافة داعش مازالت موجودة ولم تندحر بل ناشطة وربما بشكل أكثر تنظيما وفاعلية من ذي قبل.

 

وبناء على هذا المعطى، فإن القضاء على التطرف لا يتم إلا بالقضاء على ثقافة التطرف عبر استنبات مفاهيم جديدة داخل تربة جديدة، يتم استصلاحها من خلال تنقيتها من الشوائب والطفيليات، وتغذيتها بكل المحرضات والمخصبات.. هكذا دائما وتحت مظلة مفردات ومصطلحات التعريف الموسوعي والشمولي للثقافة، والقائل بأن الأصل هو الزراعة والخصوبة.

 

 

ولكي لا نستنكر أمرا ثم نأتي بمثله، فنحذو حذو الندوات والفعاليات نفسها التي تنعقد باسم “الثقافة في مواجهة الإرهاب”، أي تلك التي تكتفي بالتنظير أو تجميع أنشطة عشوائية وكما اتفق، سنورد أمثلة تدلل على أن التصدي لعربدة التكفير لا يمكن أن تتزعمه إلا قامات الفن والتنوير. ويكفي أن نعلم على سبيل المثال، أن عناصر داعش التي أعدمت مدير متحف تدمر خالد الأسعد بتلك الطريقة البشعة والوحشية، قد انطلقت من ثقافة تحريم فنون النحت التي ربما درستها في المناهج المدرسية أو شاهدتها في أعمال درامية. أما الأسعد وطلابه الذين رثوه بحرقة فإنما تحركهم ثقافة تمجيد الجمال والإبداع والشغف بالحضارة التي يعلنون الانتماء إليها.

 

والأخطر من ذلك كله في هذا المفصل، هو ذلك القسم الصامت الذي ربما اكتفى بإدانة طريقة القتل أو وقف في منزلة بين المنزلتين.. إنه يحمل بذور ثقافة تحرم النحت وتدعو إلى “تهشيم الأصنام”، ويمكن له أن ينزلق نحوها في أي وقت ما لم يتشرّب بمعرفة الفنون وتقدير الإبداعات الإنسانية بمعزل عن فتاوى القتل والتكفير.

 

وهنا تدخل الثقافات والفنون لحسم الأمر، وتوجيه الناس نحو الأنفع والأجدر والأبقى، ذلك أن الجماليات ـ من أصلها ـ تنهى عن فحشاء التطرف والكراهية.

 

وإذا نظرنا في ظاهرة تحول بعض نجوم الغناء إلى الفكر الجهادي والتحاقهم بالجماعات التكفيرية، فلا ينبغي أن يغيب عن أذهان الباحثين في هذه الظاهرة، رصد أسباب التحول ومعرفة ما إذا كان لا تزال لهؤلاء المتحولين نحو أيديولوجيا التطرف نجومية وجماهيرية لدى أتباعهم، تمكنهم من التأثير.

 

كما ينبغي النظر في مدى إمكانية توخي سياسة العزل أو سياسة الإدماج بالنسبة إلى من يعرف بأشباه وأنصاف السلفيين المتردّدين على فضاءات الفن والثقافة مع الكثير من التحفظ أو حتى أحيانا بإثارة البلبلة والشغب احتجاجا على مشاهد أو مقاطع يرى فيها هؤلاء “مساسا بالحياء العام وتعديا على الأخلاق الحميدة”.

 

ومثل هذه القضايا المتعلقة بالآليات والتقنيات والاختيارات، أهم بكثير من التشدق بالإسهاب في النشاط الثقافي المقاوم للإرهاب، ذلك أن جرعة من الجرأة في منتوج فني مقدم، يمكن لها أن تعطي نتائج عكسية وتغذي خلية ما من الخلايا النائمة داخل العقليات المحافظة والمتشددة.

 

ومن المتحمّسين لضرورة مقاومة التطرف بالفنون، من طرَح سؤالا مشروعا وجوهريا يتمثل في أن المقاتلين الأجانب هم أنفسهم قد جاؤوا من بيئات ثقافية غربية تنضح بالأنشطة الفنية، فكيف لم تؤثر فيهم كل هذه المناخات الثقافية؟

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *