غموض يلف مصير آلاف المفقودين والمختطفين في سوريا

 

يطوي السوريون صفحة أخرى بعد سنوات من المآسي في الغوطة الشرقية بسيطرة الجيش السوري على دوما آخر جيب للمعارضة في المنطقة ليفتحوا صفحة أخرى اكثر مأساوية مع بقاء ملف آلاف المفقودين مفتوحا على كل الاحتمالات بما فيها تصفية هذا الطرف من النزاع أو الآخر لمن تم اختطافهم خلال سنوات الصراع الدامي.

ويبقى ملف المفقودين من أعقد ملفات الأزمة السورية مع تعدد أطراف القتال من جهة ومع غياب أي بوادر جدية سواء من قبل دمشق أو معارضيه في التعاطي مع هذا الملف بشكل ينهي معاناة مئات العائلات التي تجهل مصير ذويها من المخطوفين.

ومع اجلاء فصيل جيش الاسلام من مدينة دوما السورية، يبقى مصير المئات من المخطوفين والمفقودين لديه مجهولا، بينهم أربعة ناشطين حقوقيين بارزين اتهم بخطفهم قبل سنوات من دون أن تتوفر أي معلومات عنهم منذ ذلك الحين.

وأفرج جيش الإسلام عن عشرات المخطوفين لديه كجزء من اتفاق أعلنت عنه دمشق الأحد وتخلله اجلاء الآلاف من المقاتلين والمدنيين من دوما، فيما لم تتضح أي معلومات عن مصير مئات آخرين.

وبين هؤلاء الناشطين الحقوقيين رزان زيتونة ووائل حمادة وسميرة خليل وناظم الحمادي، الذين خطفوا في 9 ديسمبر/كانون الأول 2013.

ولم تتبن أي جهة عملية خطفهم ولم ترشح أي معلومات عن مكان تواجدهم أو مصيرهم، فيما اتهم حقوقيون وأفراد من عائلاتهم جيش الاسلام الذي كان يسيطر على المدينة بخطفهم، الأمر الذي نفاه الأخير.

ويقول باسل حمادة شقيق وائل “حاليا، لا نعرف أين هم.. وزاد خوفنا أكثر كون جيش الاسلام سلّم دوما للنظام وليس لدينا أي خبر عنهم”.

وشارك الناشطون الأربعة بفاعلية في الحركة الاحتجاجية التي اندلعت ضد النظام عام 2011، كما عملوا على توثيق الانتهاكات التي ارتكبتها أطراف النزاع.

ويوضح باسل “نشعر بالعجز، لقد وجهنا رسائل عديدة إلى دول وسفراء وقادة وملوك، لكن لا أحد تمكن من ايصالنا إلى طرف خيط”.

ومنذ خطفهم، سرت شائعات متضاربة عن مقتلهم أو نقلهم إلى أماكن أخرى أو حتى تسليمهم للحكومة السورية في إطار اتفاق مقايضة مع معتقلين من الفصائل.

ويقول باسل “أتوقع ألا آراهم مجددا، وإن كنت آمل أن أكون مخطئا وأن يكونوا على قيد الحياة ويتم الافراج عنهم”.

وأضاف “لكن عقلي يقول لي تمت تصفيتهم أو إنهم محتجزون لدى النظام”.

“لا أمل”

وتُعد زيتونة من أبرز محامي المعتقلين السياسيين في سوريا. ونالت عام 2011 جائزة زخاروف لحقوق الانسان من البرلمان الأوروبي. كما حصلت عام 2016 على جائزة مارتن-اينال التي تعتبر بمثابة “نوبل” حقوق الانسان.

وعمل حمادة وهو زوج زيتونة مع مركز توثيق الانتهاكات في سوريا.

أما الخليل فهي ناشطة سياسية مخضرمة عملت على مساعدة نساء دوما في اعالة أنفسهن عن طريق مشاريع صغيرة.

وكان حمادي من مؤسسي لجان التنسيق المحلية وهي عبارة عن شبكة من الناشطين تولت توثيق يوميات النزاع والضحايا منذ اندلاعه.

ويعرب حقوقيون سوريون بارزون يقيمون حاليا في ألمانيا وتابعوا عن كثب قضية خطف الناشطين الأربعة عن مخاوفهم انطلاقا من أنهم لا يملكون سببا كافيا للاعتقاد بأنهم على قيد الحياة.

ويقول المحامي ميشال شماس “أخشى أن تكون تمت تصفيتهم منذ البداية”.

ويشاطره الشعور رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية المحامي أنور البني الذي كان معتقلا لدى السلطات السورية قبل اندلاع النزاع “لا أمل بأن يتم الكشف عن مصيرهم في أي مكان”.

ويوضح البني “لقد رحل داعش (تنظيم الدولة الاسلامية) ولم تردنا أنباء عن الأب باولو” دالوليو الذي اختطف في يوليو/تموز 2013 أثناء زيارته مدينة الرقة وكانت حينها تحت سيطرة التنظيم المتطرف.

3000 مفقود

وتناشد منظمات حقوقية وانسانية الجهات المعنية للإفراج عن جميع المختطفين وبينهم ناشطو دوما الأربعة.

وأكدت منظمة العفو الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة هيومن رايتس ووتش عدم وجود معلومات لديها عنهم.

وقالت الباحثة في هيومن رايتس ووتش سارة كيالي إن قضية النشطاء الأربعة لم تدرج على ما يبدو لمناقشتها كجزء من اتفاق الاجلاء من دوما.

وأصدرت عدة منظمات بينها مركز توثيق الانتهاكات في سوريا حيث عمل الناشطون الأربعة بيانا مشتركا الأسبوع الماضي من أجل الكشف عن مصيرهم.

وكتب ياسين الحاج صالح، المعارض المخضرم وزوج الخليل “كنت أفضل أن يتفكك جيش الاسلام داخليا وتتحررين مع رزان وائل وناظم… لكن فات وقت الأماني”.

وفي موازاة ذلك لا يزال مصير ثلاثة آلاف مخطوفا لدى جيش الاسلام مجهولا، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وبموجب اتفاق الإجلاء، أفرج جيش الإسلام الأسبوع الحالي عن مئتي مخطوف لديه، بينهم سكان من منطقة عدرا العمالية خطفهم الفصيل نهاية العام 2013. وظهر بعضهم في مقاطع فيديو في العام 2015 في أقفاص حديدية على متن شاحنات جالت مدينة دوما.

واتهم المرصد جيش الاسلام باستخدامهم كـ”دروع بشرية”.

ومع تقدم الجيش السوري في الغوطة الشرقية اثر هجوم في 18 فبراير/شباط وبدء تنفيذ اتفاقات إجلاء المقاتلين المعارضين منها قبل ثلاثة أسابيع، تجمع عشرات الأشخاص لأيام قرب المعابر ينتظرون معرفة مصير المخطوفين من عائلاتهم.

وقال الرئيس السوري بشار الأسد خلال لقائه عددا من عائلات مخطوفين هذا الأسبوع “لن نفرط بأي مفقود أو مخطوف… وإن كان على قيد الحياة سنحرّره مهما كلف الأمر”.

وهناك آلاف المفقودين في سوريا. ولا يُعرف ما إذا كانوا مخطوفين أو معتقلين لدى أطراف النزاع كافة، أحياء أو أمواتا.

وملف المفقودين بين الملفات الأكثر تعقيدا التي خلّفتها الحرب في سوريا منذ اندلاعها عام 2011.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *