تونس.. مواجهة التطرف وخطاب الكراهية

 

نشر المعهد العربى لحقوق الانسان فى 30 مارس 2018 بيانا للرأى العام ينبه فيه الى مخاطر انتشار التطرف العنيف وما ينجم عنه من عنف وكراهية. ويكتسب هذا البيان أهمية خاصة لتبنيه من المنظمة العربية لحقوق الانسان التى تأسست سنة 1983 كأول منظمة حقوقية فى الوطن العربى كله. يتناول البيان هذه الظاهرة، فيؤكد أن التطرف العنيف أصبح يطول معظم بلدان العالم، إلا انه يتوطن بشكل وبائى فى منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، ويفضى إلى مضاعفات خطيرة على السلام الاجتماعى فى عدة بلدان عربية وإفريقية دفعت ببعضها إلى مستنقع الدول الفاشلة.

يحذر البيان بوضوح من التداعيات التى تشهدها الساحة السياسية التونسية ويحذر من أن هذا السلوك الذى ينتشر ويتفاقم فيها منذ فترة قد يؤدى إلى انفلات خطير يكون دون رجعة ويسبب للبلاد أضرارا من الصعب تداركها، ووجه الخطورة هنا ان تونس تاريخيا كانت ساحة للتسامح ونجحت فى أن تتخطى العديد من الازمات انطلاقا من تراثها الانسانى. ويشير المعهد العربى لحقوق الانسان إلى مشاهد الاحتقان والانفلات والتشاحن التى تنتشر اليوم فى مفاصل الدولة التونسية، سواء فى المؤسسات التشريعية والتنفيذية وفى المنابر الاعلامية بمختلف أصنافها وعلى مواقع التواصل الاجتماعى التى بدأت تؤثر بشكل فعلى فى ثقافة المجتمع التونسى وسلوك افراده، حيث يلاحظ عمليا بداية النزوع الى تبنى سلوكيات وممارسات معادية لمفهوم دولة القانون والمؤسسات التى تسعى تونس لتأسيسها وتدعيم وجودها خلال فترة الانتقال الديمقراطى.

إذا كان مضمون البيان الذى أصدره معهد العالم العربى لحقوق الانسان يحذر من هذا المسار فى تونس التى كانت نموذجا للتسامح والسلام الاجتماعى والتقدم الانسانى فماذا نقول عما يجرى فى سوريا والعراق واليمن وليبيا التى أصبحت بالفعل دولا فاشلة تقوم العلاقات فيها على التناحر والعنف والكراهية، والتى سوف تستغرق سنوات طوال لإعادة البناء كدول تقوم على احترام الدستور والقانون. وربما يكون من المفيد لهذه الدول التى تعانى التطرف العنيف والكراهية ان تنظر إلى أهمية الخطة التى وضعها أمين عام الأمم المتحدة سنة 2016 للتصدى لهذه الظاهرة وتبنى هذه الخطة عمليا وهى الخطة التى أشارت اليها السيدة راندة ابو الحسن المديرة الاقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الانمائى فى مصر فى افتتاح المؤتمر الدولى حول دور ومسئوليات مؤسسات التوعية فى مواجهة التطرف العنيف والحض على الكراهية الذى نظمه المجلس القومى لحقوق الانسان بالاشتراك مع العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية فى القاهرة فى يوليو 2017. هذه الخطة تتكون من ثلاث مراحل، أولاها: ان يتم التصدى للأسباب الأساسية المؤدية للتطرف، وثانيها وضع الاطر السياسية على المستوى الدولى والاقليمى والمحلى ويكون على الدول الأعضاء فى الأمم المتحدة وضع خطة عمل على المستوى المحلى وأن يتعاملوا مع الدوافع الداخلية المؤدية الى التطرف، على ان يكون هناك تكامل فيما بين المناطق وتكامل فيما بين الأقاليم.

أما المرحلة الثالثة فتتضمن خطة عمل اتخاذ إجراءات مهمة من شأنها تسوية مسائل النوع الاجتماعى، تمكين المرأة، وتيسير ظروف العمل وأيضا دعم وسائل الاتصالات والانترنت ووسائل التواصل الاجتماعى. وفى تعامل برنامج الامم المتحدة الانمائى مع هذه الظواهر فإنه قام بصياغة استراتيجية مبنية على أحد عشر عنصرا مرتبطة فيما بينها وتم وضع هذه الاستراتيجية لتساعد على الوقاية من التطرف والإرهاب وتتجاوز الاقتصار فى المواجهة فقط على العامل الامنى بل تجمع مجالات عدة لضمان المواجهة الشاملة لهذه الظاهرة يدخل فى هذه المجالات التعليم والاعلام والمجتمع المدنى والدين لتتفاعل معا فى اطار استراتيجية متكاملة، اما جميع العوامل الرئيسية فهى:

ـ ايجاد البدائل الاجتماعية والاقتصادية الفعالة لمواجهة العنف ضد الفئات المعرضة للخطر.

ـ نشر منهجية المشاركة فى اتخاذ القرار.

ـ تعزيز منهجية الوقاية من العنف المبنية على القانون وحقوق الانسان.

ـ محاربة الفساد

ـ دعم القدرات المحلية للحكومات فى تقديم الخدمات الاجتماعية.

ـ تعزيز مبدأ المساواة فى النوع وتمكين المرأة.

ـ مساعدة الشباب فى بناء نسيج اجتماعى مترابط.

ـ العمل مع القادة ورجال الدين على محاصرة استغلال الجماعات المتطرفة العنيفة للدين.

ـ التعاون مع الاعلام وذلك لنشر قيم التسامح وحقوق الانسان. نشر قيم احترام حقوق الإنسان والتنوع واحترام مبدأ المواطنة بشكل اجمالى.

اذا كان بيان المعهد العربى لحقوق الانسان قد صدر تعبيرا عن اهتمامه بالتطورات فى تونس والتأكيد على انه يصطف مع ابناء الشعب التونسى نساء ورجالا، الذى يرنو الى الاستقرار الاجتماعى والسلم والتنمية العادلة والتقدم بتونس الى مصاف الامم الراقية والذى هو فى غنى عن منظومة فاشلة تحكمها الصراعات والازمات، فاننا على ثقة تامة فى أن الشعب التونسى جدير بتجاوز الازمات وتحقيق طموحاته فى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *