ازدواجية مواقف الأحزاب الشيعية العراقية تجاه أميركا- ماجد السامرائي

لم تتمكّن الحكومة العراقية من اتخاذ موقف رسمي أكثر من التعبير عن القلق من تداعيات تلك الضربة الثلاثية على المنطقة، وكان موقفها قبيل الضربة أكثر إحراجا حيث عبّرت بأن ما يحصل في سوريا شأن داخلي، وهذا الموقف لم يصدر ليس لأن بغداد غير منحازة إلى تحالف طهران وموسكو مع نظام بشار الأسد ضد الشعب السوري، ولكن إحراج موقف حيدر العبادي دفعه إلى اتخاذ موقف النأي بالنفس.

 

العبادي في حيرة من أمره، فلا هو قادر على نسيان فضل واشنطن عليه في الحرب والانتصار على داعش وما تزال تدعم طموحه في رئاسة ثانية للحكومة المقبلة بعد الانتخابات، ولا هو قادر على التخلّي عن حلفه العقائدي الشيعي مع طهران الماسكة بجميع خيوط الحكم ببغداد، فلو كان العبادي متحرّرا من هذه العقدة لانفتحت أمامه أبواب الزعامة الوطنية في العراق، ولاستعاد العراق في ظل حكمه الحالي والمتوقّع ما خسره من مقوّمات السيادة والمكانة والاعتبار التي خسرها جميعها لصالح نفوذ الآخرين، ولتمكّن من التعبير عن أبسط مواقف الانحياز والوفاء لشعب سوريا الشقيق الذي احتضن مئات الألوف من العراقيين في فترات الضيم والجور والظلم التي واجهوها منذ عام 1991 ولحد اليوم.

 

أوقع غموض خيارات ضربة التحالف الأميركي البريطاني الفرنسي قبل وقوعها صباح السبت 14 أبريل ارتباكا لدى إيران وحلفائها في لبنان والعراق، كانت الخشية من أن يذهب الرئيس دونالد ترامب إلى أبعد من الضربة العسكرية المحدودة، وأن يستهدف المواقع الإيرانية في سوريا، وهذا كان يعني استهداف مواقع الميليشيات، وبعضها عراقية، المتواجدة في سوريا، ولهذا أطلقت بعض تلك الميليشيات العنان لأصواتها أن تنذر الأميركي بالويل والثبور وللقول إن المعركة الواسعة بين “محور المقاومة” وأعدائها ستشتعل، وبعض تلك الميليشيات أخذت تحضّر نفسها للدفاع عن “مرقد زينب” في دمشق، تلبية لإعلانات الولي الفقيه في طهران الذي وجه ممثله في الحرس الثوري تحذيره “بأن إيران ستدمر إسرائيل”.

 

لكن التطمينات الروسية لإيران بأن الضربة ستكون محدودة ولن تمس المواقع الروسية المنتشرة في شمال سوريا، كما لن تمس المواقع الإيرانية هناك وهذا ما حصل بالفعل، أخمدت تلك الثورة الكلامية من قبل الميليشيات مثلما أخمدت ثورة طهران وانسحب هذا الموقف “اللين” على الأحزاب الشيعية الكبيرة، ما عدا موقف مقتدى الصدر المعروف بخصومته لأميركا ولهذا دعا إلى تظاهرة مليونية كعادته. هناك سبب آخر هو انشغال الجميع في العراق بنشوة المهرجان الانتخابي، ولعل أصول اللعبة تتطلب عدم تشتيت الجهود في الملف السوري المعقّد لأنه لا يضيف مكسبا تعبويا يخدمهم في الوصول إلى السلطة مرة أخرى.

 

لقد كشفت محنة الشعب السوري مع نظام بشار الأسد مدى ازدواجية المعايير التي تحكمت بمواقف الزعامات السياسية الشيعية الحاكمة ببغداد، فدائما ما يتندر هؤلاء بأنهم قاوموا حكم صدام حسين لظلمه واستبداده ودكتاتوريته، ولإعدامه العشرات من زعاماتهم السياسية وخصوصا من حزب الدعوة، وبنوا تحالفات مصلحية مع القيادات الكردية بعد الهجوم الكيميائي على حلبجة الكردية عام 1988، والتي لا تساوي في حجم بشاعتها واحدا بالمئة لما تعرّض له أبناء مدينة دوما السورية قبل أيام.

 

سبق لهؤلاء القادة العراقيين أن رفعوا مظالمهم إلى أميركا التي اشتغلت عليها كغطاء لمخطط غزو العراق في ما بعد، وباركوا مسلسل الضربات الجوية الفتّاكة ضد المدنيين العراقيين، ومثالها القصف الجوي لملجأ العامرية ببغداد خلال حرب تحرير الكويت، حيث تمّ قصف الملجأ في 13 فبراير 1991 مع إن الموضع الحقيقي لتلك العمليات العسكرية هي الحدود العراقية الكويتية وليست بغداد. حيث انصهرت أجساد أكثر من 1500 مدني عراقي كانوا محتمين بذلك الملجأ باعتراف البنتاغون، وواصلت قوى المعارضة في ذلك الوقت تقديم خدماتها للأميركان عن طريق تزويدهم بالمواقع المزيفة لأسلحة الدمار الشامل الكيميائي والبيولوجي لتوفير أغطية الاجتياح العسكري، ومسرحية العميل المدفوع من قبل الراحل أحمد الجلبي معروفة في فبركته رحلة “الشاحنة” المملوءة بالمواد البيولوجية وتبنيها أمام مجلس الأمن الدولي من قبل وزير الدفاع الأميركي الأسبق كولن باول حيث اعترف بكذبها في ما بعد بمذكراته.

 

كما يتذكّر الجميع كيف تحوّل بعض المعارضين لنظام صدام خلال فترة التحضير للاجتياح العسكري إلى جواسيس وأدلاّء مزوّدين بالهواتف الجوالة المسماة القيثارة لإعطاء إحداثيات الضربات الجوية الأميركية على بغداد، والتي خرّبت معالمها الحضرية بسبب تلك الضربات وبسبب الإهمال المتعمّد من تلك الأحزاب، لأنهم قايضوا تلك الخدمات الرخيصة بوعود السلطة في العراق.

 

لقد سبق أن احتضن نظام عائلة حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار الكثير من تلك القيادات الحزبية في أوائل الثمانينات من القرن الماضي خلال فترة الحرب العراقية التي انحاز خلالها حافظ الأسد إلى جانب طهران ضد بغداد، وفسح المجال ودعم وهيأ الإمكانيات اللوجستية للمعارضين المقيمين في دمشق من كوادر حزب الدعوة والمجلس الإسلامي الأعلى لتنفيذ عمليات التفجير في مقرات حكومية ببغداد كالإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء العراقية، وكذلك تفجير السفارة العراقية ببيروت.

 

ورغم ذلك تنكّر هؤلاء لنظام الأسد في السنوات الأولى من حكمهم للعراق، ووصفوه بأنه راعي المجاميع المسلحة الإرهابية والسنية التي كانت تتسلل من الأراضي السورية للقيام بالتفجيرات، ومثالها حادثة تفجير مقرّ وزارة الخارجية حيث اشتكى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي لدى مجلس الأمن الدولي ضد نظام بشار، لكنهم اليوم يتضامنون معه في قتله لأبناء شعبه، وهم في مواقفهم هذه يخضعون لرغبات واستراتيجية نظام ولاية الفقيه في طهران الداعم لذلك النظام الذي فتح لهم سوريا كلها، مقابل استمراره في السلطة تحت عنوان محور المقاومة، كما إن طهران تعتبر العراق قلب نفوذها الداعم لذلك النفوذ في سوريا ولبنان.

 

حكّام العراق يعرفون حجم إمكانياتهم وعدم قدرتهم على التعامل مع القوى الكبرى التي تشتغل الآن على ترتيب الساحة السورية وتقاسم النفوذ فيها، لكنهم يخشون على ما يمكن أن يسحبه ذلك على مواقعهم وليس على مصالح العراق العليا. هم فقط يتطلعون على مصير النفوذ الإيراني في سوريا والعراق فمصيرهم مرتبط بذلك.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *