الجهاد والارهاب

حسام الحداد

 

كثير هو الخلط بين مفهومي الجهاد والارهاب لدى الجماعات الاسلامية، تلك الحركات التي اتخذت من فهمها الخاص وفهم بعض الفقهاء لمسألة الجهاد في ظرفها التاريخي والاجتماعي مبررا للقتل.

إن تلك الجماعات إنما تعتمد على المرويات والمأثور، ولا تعتمد على النص الأساسي “القرآن” بل تعتمد أيضا على أقوال وتخريجات  قياداتها وتقدس هذه الأقوال وتضعها في مصاف النص الأساسي “القرآن”، وتصبح عمليات القتل والتفجير وغيرها من الأعمال الإرهابية، إنما تتم باسم الإسلام فقبل القتل والتفجير ترتفع أصوات هؤلاء بالتكبير “الله اكبر”.

فمن أين يأتون بهذه النصوص التي تبيح لهم القتل، ويستندون إليها في عملياتهم الإرهابية ؟ إنها في كتب التراث الخاص بنا التي ندرسها في جامعاتنا ومعاهدنا العلمية، وتفسير الطبري خير دليل على ذلك ليس هو وحده بل أيضا كثير من كتب الفقه والحديث.

مثال بسيط على هذا هو تفسير الآية 191 من سورة البقرة.. “واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين”.

ويقول الطبري في تفسير هذه الآيات “يعني تعالى ذكره بذلك : واقتلوا أيها المؤمنون الذين يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم مقاتلهم وأمكنكم قتلهم، وذلك هو معنى قوله :”حيث ثقفتموهم”.

ومعنى ” الثقفة ” بالأمر الحذق به والبصر، يقال: “إنه لثقف لقف”، إذا كان جيد الحذر في القتال، بصيرا بمواقع القتل. وأما “التثقيف” فمعنى غير هذا، وهو التقويم .

فمعنى : “واقتلوهم حيث ثقفتموهم”، اقتلوهم في أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم مقاتلهم.

وأما قوله : ” وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ” فإنه يعنى بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة فقال لهم تعالى ذكره: أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم – وقد أخرجوكم من دياركم – من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها .”

وقد قام الطبري هنا بشرح الآيات وتوضيح المقصود منها ولم يضع حكما في القتل ولا في القتال، وهذا الخطاب الذي يقدمه الطبري عن الحرب يتماشى مع معظم الخطابات القرآنية التي تؤكد “من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم” وهنا يظهر جهاد الدفع، والذي يتنافى مع بداية الخطاب القرآني “اقتلوهم حيث ثقفتموهم” حيث يؤكد هذا الخطاب على جهاد الطلب وليس جهاد الدفع، فالمخاطب إنما يخاطب المؤمنين بصيغة الأمر طالبا منهم قتل هؤلاء المشركين حيث وجدوهم، وهذا أيضا ما يؤكده الطبري بسكوته عن أسباب نزول الآيات من ناحية ومن ناحية أخرى عدم الإشارة إلى تحديد حكم هذه الآية، هل هي تفيد قتل عموم المشركين حتى قيام الساعة؟ أم إنها أنزلت وخصصت لكفار قريش الذين أخرجوا المسلمين من ديارهم، وبسبب عدم هذا التحديد وغيره قد استند الفقهاء على مر العصور إلى المرويات لتحديد الحكم وخاصة ذلك الحديث الذي أثبت ضعفه.

ورغم هذا يتم الاستعانة به لتقديم صورة الإسلام العنيف من قبل تلك الجماعات، فعن أنس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة من الإيمان، الكف عمن قال: لا إله إلا الله، لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماضي منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال، والإيمان بالأقدار”، ويقول صاحب المغني عن هذا الحديث في 9/201، “ولأن ترك الجهاد مع الفاجر يقضي إلى قطع الجهاد، وظهور الكفار على المسلمين، واستئصالهم وظهور كلمة الكفر، وفيه فساد عظيم،  قال الله تعالى “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” ، قال أحمد لا يعجبني أن يخرج مع الإمام أو القائد إذا عرف بالهزيمة وتضييع المسلمين وإنما يغزو مع من له شفقة وحيطة على المسلمين، فإن كان القائد يعرف بشرب الخمر والغلول، يغزى معه، إنما ذلك من نفسه، ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر “فأصبح القتال بهذه المرويات والغزو ضرورة، وهناك الكثير من المرويات التي تؤكد الغزو والجهاد والقتال.. إلخ تلك الألفاظ والأحكام التي تطلق دون تدقيق.

ما يهمنا هنا هو مناقشة هذه الآية من آيات الله تعالى من خلال كون القرآن خطابا موجه من الله عز وجل إلى البشر بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم، ولمعرفة تداعيات هذا الخطاب علينا معرفة الظرف التاريخي الذي أدى إلى إنتاج هذا الخطاب، فقد قال بعض الفقهاء إن من أسباب النزول ما ورد عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في صلح الحديبيّة، وذلك أنّ رسول الله (ص) لمّا خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفاً وأربعمائة، فساروا حتّى نزلوا الحديبيّة فصدّهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبيّة، ثمَّ صالحهم المشركون على أن يرجع النبي من عامه ويعود العام المقبل، ويخلوا له مكّة ثلاثة أيّام، فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فرجع إلى المدينة من فوره.

فلمّا كان العام المقبل تجهّز النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا ألا تفي لهم قريش بذلك وأن يصدّوهم عن البيت الحرام ويقاتلوهم، وكره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الآية لتبيح للمسلمين القتال إن بدأهم المشركون به.

واستنادا إلى أسباب نزول الآية والآية السابقة عليها واللاحقة لها يتبين لنا عكس ما تقدمه تلك الجماعات بأن المقصود من الآيات جهاد الطلب وليس جهاد الدفع، ويقدم لهم الطبري في تفسيره مبررا لما يقومون به من قتل وإرهاب حينما يقوم بتفسير الآية اللاحقة على هذه الآية وهي ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ )

يقول الطبري في تفسيره: “يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة يعني: حتى لا يكون شركا بالله ، وحتى لا يعبد دونه أحد، وتضمحل عبادة الأوثان والآلهة والأنداد ، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان ، كما قال قتادة فيما: حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد عن قتادة قوله: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ” قال : حتى لا يكون شركا. “ويستند الطبري إلى الكثير من المرويات التي تؤكد أن الفتنة المذكورة في الآية إنما هي الشرك.

ما يؤكد الحديث الذي استندنا إليه وتستند إليه هذه الجماعات لتشريع القتل والإرهاب، وبمثل تلك الأحاديث والمرويات التي يسوقها الطبري يتأكد لديه هو والكثير من الفقهاء في مختلف العصور بأن القتال فريضة على كل مسلم ضد كل مشرك أو كافر وبهذه الأحاديث أيضا يتم تقسيم العالم إلى دارين دار سلام وهي بلاد المسلمين ودار حرب وهي باقي بلاد المعمورة، هذا الخطاب المؤسس لتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة “داعش” وأخواتهم، ليس هذا فقط بل تم تقسيم العالم الإسلامي بين سنة وشيعة، بل ايضا أصبحت كل جماعة ترى نفسها هي الفرقة الناجية وهي المنوط بها الدفاع عن الاسلام وكأن الإسلام بحاجة إلى دفاعهم عنه بقتل الناس!، وأن باقي الجماعات والمجتمعات خارجين عن الدين مشركين بالله، يجب قتالهم وإعداد العدة لهم حتى لا تكون فتنة!

وهم بذلك يقومون بإلغاء النص الأساسي “فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين”، والمقصود من الانتهاء هنا حسب سياق الخطاب القرآني هو الانتهاء من القتال، كف أيدي المشركين عن القتال وجنوحهم للسلم، فالآيات تؤكد عدم بدء المسلمين بقتال الكفار إلا أن يبدؤا فينفي هنا الشارع “الله عز وجل” ما يروج في الفقه الإسلامي عن جهاد الطلب.

وهنا لفظة مهمة جدا الالتفات إليها وهي لفظة “عدوان” أي البدء بالقتال في هذا النص، فلا يجوز للمسلمين البدء في القتال بحال من الأحوال وإنما يقاتلون من يقاتلهم. ولم يشترط الله عز وجل في كتابه أن يدخل هؤلاء المشركون في دين محمد صلى الله عليه وسلم.

بينما يقول محمد بن جرير الطبري والفقه الإسلامي غير ذلك: “فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار من قتالكم، ودخلوا ملتكم، وأقروا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداء عليهم، وقتالهم وجهادهم” بما يخدم الأحاديث والمرويات التي استندنا إلى بعضها، رغم أن هذا التفسير يضعنا في تناقض رهيب بين الآيات التي تؤكد حرية العقيدة في القرآن الكريم وبين إجبار الناس وقتالهم حتى يؤمنوا بالله، ولنضع هذا التفسير أمام بعض هذه الآيات “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ” ، وكذلك “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا”، والكثير من الآيات القرآنية التي تؤكد حرية الفكر والاعتقاد وعدم العدوان.

بوابة الحركات الاسلامية

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *