الفنون تحاول الازدهار من جديد في المناطق المحرّرة من “داعش” عبر نافذة الخطّ العربيّ

 

عدنان أبو زيد

 

اختارت محافظة الأنبار فنّ الخطّ والزخرفة الإسلاميّة للعودة مجدّداً إلى واجهة الحياة الثقافيّة والفنيّة، بعد طرد تنظيم “داعش” منها، عبر مهرجان شارك فيه عشرات الفنانين العراقيّين في 7 نيسان/إبريل من عام 2018. ولم يكن اختيار هذا الفنّ المرتبط بلغة القرآن، إلاّ كونه الفنّ الأنسب في هذه الحقبة بعد “داعش”، حيث التيّارات المحافظة وتأثير الأفكار المتطرّفة ما زالت لها آثارها الباقية في أفكار البعض، ولارتباطه الوثيق بتاريخ العرب والإسلام. كما أنّ التعاطي مع فنّ الخطّ والزخرفة هو المفضّل في بقيّة أنحاء العراق أيضاً، وبدت فرصته أكثر من بقيّة الفنون مثل الرسم والموسيقى، بسبب المعاني الدينيّة التي يطلقها الحرف العربيّ.

 

وللخطّ العربيّ بسبب ذلك قدسيّة خاصّة، إذ استخدم في المساجد وزيّنت به القصور من أجل التبرّك بالآيات القرآنيّة المكتوبة فيه، غير أنّ كلّ ذلك، بحسب الخطّاط العراقيّ أقباس حسين العقابي “لم يسعف في تلافي الإهمال الذي يعاني منه هذا الفنّ في العراق”، وقال: “إنّ جمعيّة الخطّاطين العراقيّين تعاني من قلّة الدعم الماديّ، وحتّى الإعلاميّ، فيما تنعدم الدورات التطويريّة وحتّى التعليميّة، وتخلو الدروس الفنيّة في المدارس من موادّ تعليم الخطّ أو التثقيف بأهميّته ودوره في حفظ اللغة العربيّة”.

 

وأعطى حسين العقابي مثالاً على هذا الإهمال، قائلاً: “إنّ الجمعيّة، التي هو عضو فيها، والتي هي جهة مستقلّة لا حكوميّة، ظلّت لفترة طويلة بعد عام 2003 من دون مقرّ رسميّ، رغم كونها أقدم جمعيّة من نوعها في الوطن العربيّ وتأسّست منذ السبعينيّات، حتّى تمكّنت أخيراً من الحصول على مقرّ متواضع بجهود ذاتيّة بحتة”.

 

وكجزء من مأساة الخطّ العربيّ، أشار إلى أنّ “المواهب في الخطّ تُطمر بسبب انعدام فرص التطوير، وباتت حروف اللغة العربيّة بخطر، في ظلّ عدم قدرة الأجيال الجديدة على رسمها بالأشكال المطلوبة”، وقال: “يمكن رصد ذلك بشكل واضح في المدارس، حيث خطوط الطلاّب رديئة بشكل لا يصدّق، فضلاً عن الأخطاء الإملائيّة المتداولة اليوم”.

 

من جهته، شرح صاحب التجربة الطويلة في رسم الحرف لفترة تمتّد إلى أكثر من 40 عاماً الخطّاط الأنباري حسام الشلاه  “كيف انّ حروف اللغة العربيّة تميّزت عن بقيّة حروف اللغات في العالم في انسيابيّتها واتّصالها مع بعضها، الأمر الذي يكسبها أشكالاً هندسيّة مختلفة، ليصبح الخطّاط رسّاماً أيضاً”، وقال: “إنّ الخطّ العربيّ حاضر ماديّاً في الأماكن التاريخيّة والمساجد، إلى جانب الزخرفة الإسلاميّة التي لا تنفصل عن فنّ الخطّ، بل هي مرادف له وتوظّفه في التعبير عن وجودها وصورها”.

 

وإنّ هذا الحضور الماديّ للخطّ، وفق حسام الشلاه، يقابله “غياب لهذا الفنّ عن الأجيال الجديدة”، حيث “الروّاد يغيبون، فيما الجيل الجديد لم يتعلّم منهم، حتّى ندرت أعداد الخطّاطين من الجيل الجديد الذين يجيدون صناعة هذا الفنّ بدقّة ومهارة كافية”.

 

مِنْ أبناء الجيل الجديد لهواة الخطّ مَنْ يوافق الشلاه في الرأي، مثل محمّد الشمري، الذي قال: “إنّ أعداداً قليلة من الشباب تقبل على الخط وبجهود ذاتيّة محضة. ولو أراد شاب أو طالب تعلّم الخطّ في معهد أو مدرسة متخصّصة، فلن يجد ذلك، ويضطرّ إلى التعليم الذاتيّ ومراسلة الروّاد أو زيارتهم”.

 

وأشار إلى أنّ “الخطّاطين بغالبيّتهم عصاميّون في تعلّم فنّ الخطّ باعتباره هواية محبّبة”، وقال: “إنّ أحد أسباب انحسار الاهتمام بالخطّ هو عدم تحويل المعارض والفعاليّات الفنيّة إلى مشاريع مربحة تلبّي حاجات الخطّاط الماليّة، وتجعله متفرّغاً للتركيز على فنّه من أجل تطويره”.

 

ولفت إلى أنّ الحلّ “في إنشاء مدرسة للخطّ العربيّ، واحدة على الأقلّ في العاصمة بغداد، إذا تعذّر تأسيسها في مدن أخرى”.

 

وتكسر هذا الشعور بعدم الاهتمام بهذا الفنّ نشاطات وفعاليّات تظهر في المشهدين الثقافيّ والفنيّ، مثل استضافة جامعة “ايوا” الأميركيّة الخطّاط العراقيّ غازي المشعل في 16 نيسان/إبريل من عام 2018 للحديث عن فنّ الخطّ في قسم اللغات والثقافات العالميّة، حيث تتطرّق إلى جماليّة الحرف العربيّ وتاريخه.

 

وفي 16 نيسان/إبريل، شارك الخطّاطان لواء السامرائي وحاكم غنّام في مهرجان الخطّ بدبي، الذي حضره أكثر من مائة خطّاط.

 

كما تحدّث الفنّان في دار الوثائق والمخطوطات ببغداد شبيب المدحتي عن مبادرة تلفت الانتباه إلى هذا الفنّ التاريخيّ، وهي “معرض الخطّ الذي أقامته دار المخطوطات العراقيّة في الهيئة العامّة للآثار والتراث”، مشيراً إلى أنّ “المعرض ازدحم بلوحات الخطّ العربيّ في ذكرى يوم المخطوط العربيّ، الذي يصادف في 4 نيسان/إبريل من كلّ عام”، معتبراً أنّ “أهميّة هذا المعرض تكمن في لفته الانتباه إلى المخطوطات التي تعدّ الإرث العظيم الذي يخلّد الخطّ العربيّ والزخرفة الإسلاميّة”.

 

وقال: “إنّ العراقيّين يتحمّلون مسؤوليّة أكبر في الحفاظ على فنون الخطّ، لأنّ بغداد صاحبة ريادة في الزخرفة والخطّ، وعرفت بخطّاطين كبار على مرّ التاريخ مثل ابن مقلة، ابن البوّاب، هاشم البغدادي ومحمّد الصكار”.

 

بدوره، تحدّث الخطّاط الفنّان عيدان الشمري، وهو صاحب التجربة الطويلة في فنون الخطّ والزخرفة التي تمتدّ إلى نحو 50 عاماً، عن أنّ “التقنيّات الرقميّة وحروف الكيبورد أضرّتا كثيراً بفنون الكتابة عموماً، والمطلوب هو العمل على التأسيس لآليّات يبقى فيها الخطّ العربيّ قيد الممارسة في المدارس والكليّات”.

 

وأشار إلى أنّ “كليّة فنون بابل عملت في هذا الاتجاه من خلال تدريس منهج الخطّ والزخرفة لطلاّب المرحلة الثانية والثالثة”، آملاً في أن “تشهد الكليّة في المستقبل افتتاح قسم خاصّ بفنون الخطّ والزخرفة”.

 

يبدو أنّ هناك إقبالاً متصاعداً بشكل واضح للخطّ والزخرفة في العراق كفنّ تمتدّ جذوره إلى أعماق التاريخ في البلد، الأمر الذي يدعو إلى وضع الآليّات المناسبة في مجالات التدريس والتطبيق وإقامة المشاريع التي يمكنها استيعاب فناني الخطّ من هواة ومحترفين.

المونيتور

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *