الحاكمية والجاهلية والدولة الإسلامية.. التراث المدمر

 

شكل القرن العشرون عصراً لصراع الأيديولوجيات بكل أنواعها: الاشتراكية، الرأسمالية، الفاشية، القومية والدينية، إنه «عصر التطرفات»[12] كما سماه المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم (Eric Hobsbawm) (1917-2012). وكان لهذا الصراع بالغ الأثر على كل الكتابات التي تم إنتاجها حول بناء الدولة في المجتمعات التي خضعت للاستعمار.

في الهند (التي كانت آنذاك تضم باكستان وبنغلاديش) أسهمت ما يُسمى «الإهاجة الخلافية» الداعية إلى الإبقاء على الخلافة، في بروز حركة الاستقلال الهندي. وباختصار، فإن الشرق الأوسط والعالم الإسلامي أصبحا في وضع تاريخي جديد لا سابق له»، وهي الظروف التاريخية التي عاش فيها أبو الأعلى المودودي، والتي كان لها تأثير بالغ على الطروحات الأيديولوجية التي بلورها، والتي استند فيها إلى ديانته الإسلامية، حيث كانت إرادة الاستعمار البريطاني في تغيير قوانين الإسلام التي سادت الهند زهاء سبعة قرون. بالإضافة إلى ذلك موقف زعيم المؤتمر الوطني «غاندي» الذي رأى أن الإسلام ليس دين عقل، وإنما جاء إلى الهند عن طريق القوة والسيف، كانت لكل ذلك آثار لدى مسلمي الهند، والتي شكل فكر المودودي التعبير البارز عنها، حيث نادى بتطبيق الشريعة في الهند وتحويل نظامها السياسي إلى نظام الخلافة الإسلامية.

لم يكن المودودي متفقاً منذ البداية على فكرة انفصال باكستان التي ستحتضن مسلمي الهند، والتي لم تطبق فيها الشريعة كما نظر لها المودودي قط. ومن جهة أخرى، فإن المودودي كان قومياً هندياً في إحدى مراحل حياته، إلا أنه استسلم لإغراء الطائفية الإسلامية، للفترة اللاحقة لسقوط الخلافة، في مواجهته لحركة النهضة الهندوسية التابعة لحركتي شودهي وسانغتان وكذلك الهيمنة الهندوسية الجلية على حزب المؤتمر الهندي الوطني تحت زعامة المهاتما غاندي. وهذا ما أشار إليه ولي نصر الباحث المتخصص في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، في رسالته للدكتوراه في جامعة بركلي بعنوان: «طلائع الثورة الإسلامية والجماعة الإسلامية في باكستان»، وكتابه الآخر «المودودي وصناعة الإحياء الإسلامي»، منشورات أكسفورد للنشر.

هل نَظّر المودودي للإرهاب؟
يُعتبر المودودي من بين أهم المنظرين لفكرة قيام «الدولة الإسلامية»، وأحد أهم رموز حركات الإسلام السياسي، الإصلاحية منها والحركية والسلفية و«الجهادية»، وهو صاحب فكرة «الحاكمية الإلهية» و«تكفير المجتمعات والدول» وفكرة «الجهاد العالمي» وتأسيس الدولة على أساس الشريعة الإسلامية، معلناً رفضه القاطع للدولة المدنية والعلمانية والقومية.

إن السبب في تبني فكرة الحاكمية هو عدم أخذ الجماعات الإسلامية لفكرة «الظرف التاريخي» والتحولات المجتمعية بعين الاعتبار، ولذلك نجد صلابة المواقف الراديكالية للمقاتلين وللقيادات الميدانية التي تحركهم، واعتمادهم على الموروث الفقهي المتشدد، الذي يؤكد فكرة الموت في سبيل الله، كتقنية من بين تقنيات أخرى تجعل إلحاق الضرر بالطرف الآخر، ولو اقتضى ذلك استعمال أشكال القتل والمواجهة كافة، التي لا تمت للإنسانية بصلة، ولا بجوهر الدين كذلك. لأن ما يُميز المقاتلين الذين يلتحقون بالجبهات هو خضوعهم لما يُشبه «غسيل الدماغ»، وللتجييش والضخ الأيديولوجي، العملية التي يتولاها الشيوخ ورموز السلفية الذين وظفوا وسائل التواصل الاجتماعي، والفضائيات في توجيه هذا الضخ الإعلامي الأيديولوجي العنيف الذين يستقطب الشباب بالخصوص، الذي يعاني من تمزقات على مستوى الهوية، خصوصاً الشباب المسلمين بالدول الأوروبية، الذين يعيشون في الهوامش، ويعانون مختلف أشكال الحرمان العاطفي والاجتماعي والجنسي. وواضح أن هذا الشحن الأيديولوجي، المُخطط له سلفاً، يجعل «الجهادي» يدخل إلى جبهة القتال وهو مهيأ نفسياً للموت، وبالتالي تكمن قوة وخطورة هذه الجماعات، التي استطاعت إنهاك جيوش نظامية منظمة وقوية. بالإضافة إلى ذلك تدخل بعض الدول لدعم هذه الحركات بالإعلام والمال والسلاح، الشيء الذي شكل سبباً من بين أسباب أخرى، وعاملاً مهماً في استمرارها في القتال.

تستند الأصولية الدينية بكل أطيافها في تبرير أفعالها على منظومة نصية، تتعدد بتعدد توجهات الحركة الإسلامية في المجال التداولي الإسلامي. حيث استحكمت الأيديولوجيا السنية فيما عرف بأهل الأثر، حيث سيصبح القرآن مرتهناً بيد الروايات المنسوبة للنبي محمد، وأقوال الصحابة والتابعين، ليصير النص التأسيسي هامشياً. وتدخل ضمن هذه التفاسير والتأويلات حتى أفكار المنظرين الأيديولوجيين، الذين يعتبرون في مخيال الكثيرين، «علماء» و«شيوخاً» أكثر من قادة وزعماء سياسيين. كما هو الشأن مع نموذج المودودي.

إن الدولة الإسلامية التي ينظر لها المودودي، ليست دولة ثيوقراطية، لأن الحكم فيها ليس لرجال الدين، وليست دولة ديمقراطية، لأن الحكم ليس للشعب، بل هي دولة «دينية» لأن الحاكمية فيها لله طبقاً لاختيار الشعب، فالله هو المشرع والمسلمون هم المنفدون، وهي دولة لا تقوم على الجنس أو المصلحة، أو الحدود الجغرافية، بل دولة فكرية، دولة المبادئ والغايات، وهذه الدعوة لحاكمية الله ورفض حاكمية البشر في نظر حسن حنفي، هي التي «تدفع الجماعات الدينية المتطهرة إلى قيام مجتمع مغلق داخل المجتمع الكبير، وتجعل هدفها إقامة الدولة الإسلامية، وشق عصا الطاعة على النظم القائمة، وعدم التعاون مع الدولة اللادينية الذي يظهر الطعن في شرعية دساتيرها، ورفض الطاعة لمن يحكم بغير ما أنزل الله، وتحريم الصلاة في مساجدها، وتحريم الخدمة في قواتها المسلحة، وتحريم العمل في وظائفها الحكومية»

حاكمية البشر أو الجاهلية المعاصرة
إن من بين المفاهيم الرئيسة الأخرى التي قام أبو الأعلى المودودي بالتأصيل لها في متنه الأيديولوجي، مفهوم «الجاهلية»، الذي جاء به كمقابل للحاكمية، حيث يعتبر أن حكم البشر من دون الله نوع من الجاهلية يعممها على كل الأنظمة السياسية التي تتخذ غير الإسلام نظاماً للحكم، وعلى رأسها النظام الديمقراطي، فـ«الأمور التي كان الله يتولى فيها حكمه لم يكن فيها ما نصطلح عليه اليوم بالديمقراطية»[33]. الثنائيات الحادة، آلية من آليات الفكر الأيديولوجي، الذي يوظف التقابل بين واقعين كي ينقض الكائن أي الواقع المعيش، ويؤسس للممكن أي النتيجة التي يريد التوصل إليها، وذلك من خلال توظيف الصور الرمزية والبلاغية والتخييلية من أجل التأثير في المتلقي، وتسهيل عملية الدمج والقولبة، إن هذه المفاهيم تعبر عن رمزية وجدانية خاصة لدى كل مسلم؛ لأنها تعبر عن المخيال الجماعي وكذلك عن المرحلة الأولى التأسيسية للثقافة الإسلامية، أي «فجر الإسلام»، الذي يعتبر انقلاباً على مرحلة الجاهلية، باعتبارها مرحلة الكفر والشرك والضلال، يقول في هذا الصدد:

لقد مَيّز المودودي بين أنواع ثلاثة من الجاهلية:

الجاهلية المحضة: وتمثلها المدنية الأوروبية التي تحكمت فيها أفكار هيجل وماركس وداروين، حيث السيادة للإنسان الفرد، وأفول الدين وسيادة القيم المادية المنفلتة من كل ضابط أخلاقي.

جاهلية الشرك: وهي كل الحضارات الإنسانية التي لا تدين بدين الإسلام، والتي تتخذ إما تعدد الآلهة أو عبادة الأوثان عقيدة لها، مثل الحضارات القديمة، كاليونان والرومان واليابانيين والصينيين.

جاهلية الرهبانية: وتمثلها كل النظم التي تجعل من الدين أمراً شخصياً، وتنعزل عن المجتمع لتحقيق الخلاص الفردي، مثل التصوف والرهبنة.

إن الخلط الذي يقع اليوم بين الإسلام كدين، وما بين الأيديولوجيا الدينية التي تعبر عنها الحركات الإسلامية، يرجع أساساً إلى الخطأ الذي تسقط فيه الجماعات الدينية في صياغتها لمشاريعها السياسية، ومرد ذلك -في نظرنا- هو عدم وضوح الحدود الفاصلة بين ما هو ديني عقدي متعلق بالإيمان الديني وبالإسلام كعقيدة، وما هو عملي يربط الدين بالدنيا، وهو ما عبرت عنه الشريعة في لحظة معينة من التاريخ الإسلامي. لذلك فكل تأصيل أيديولوجي يستمد مقولاته من الدين الإسلامي لا يؤدي إلا إلى تعقيد الإيمان الفردي البسيط كإجابة عن الظمأ الأنطولوجي للإنسان، لأن وجود الإنسان محتاج إلى ما يثريه، ويمنحه السكينة والسعادة، وما بين الأيديولوجيا كمحرك للتغيير السياسي المرتبط بالمصالح الفردية والجماعية، وبالتالي الخاضع للواقع المتغير وغير المستقر والتاريخي، وبهذا المعنى يظهر التناقض العميق للأيديولوجيا في علاقتها مع العقيدة التي تحتاج إلى عنصر ثابت مطلق ومتسام، لا يحتكم إلى تحولات الوضع التاريخي ولا يتغير بتغيره.

إن هذا الخطاب الديني العنيف هو ما يفقد طروحات الإسلام السياسي الراديكالي مصداقيته، وبالتالي نجد أن عموم المسلمين يتبرؤون منه ويواجهونه، لا سيما أنه يشوه صورة الإسلام والمسلمين عبر العالم، لأن العنف يعبر عن أزمة الخطاب، وربما يكون بذلك صرخة اليأس تجاه واقع معقد ومليء بالتناقضات، يستدعي تغييرُه طرقاً أكثر عقلانية ومعقولية، تتجاوز العنف المادي والقتل والترهيب.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *