استباق هلال رمضان بالفتاوى والرشاوى

حكيم مرزوقي

مع اقتراب شهر الصيام، أفتى الداعية السلفي المصري سامح عبدالحميد، بتحريم الزينة وفوانيس رمضان؛ بدعوى أن الفوانيس تحتوى على الموسيقى والغناء، وهو ما “يتنافى مع حرمة وقدسية شهر رمضان الكريم” حسب زعمه.

 

هكذا استبق الشيخ السلفي التماس هلال رمضان ليطلق فتواه الهادفة إلى منع المصريين من أحد أبرز وأقدم المظاهر الاحتفالية التي تعرفها القاهرة منذ دخول المعز لدين الله الفاطمي حسب المؤرخين، ذلك أن هذه العادة الحميدة تكرست منذ قرون، وصار للفوانيس أسواق وصناع ومبتكرون وزبائن من مختلف العالم.

 

هذه الفتوى استنكرتها غالبية المصريين وكذلك المتخصصون في علوم الدين كعبدالحليم منصور، أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر، والذي قال بأن عادة شراء الفوانيس “فيها بهجة وإدخال السرور على المسلمين بشرط ألا يكون فيها إسراف وتبذير موضحا أن من يدعو لتحريمها غرضه غلق باب الفرحة ونشر الظلام في وجه المصريين.

 

وأضاف منصور “الاحتفال بشهر رمضان هو مظهر اجتماعي وليس شعائر دينية حتى نحللها أو نحرمها كما نريد”، مطالبا السلفيين، بـ“عدم إصدار أي فتوى دون الرجوع إلى أهل الفتوى والعلماء بالأزهر؛ حتى لا يحدث أي اختلاط أو لبس للمواطن المصري بين الحلال والحرام، إذ لا يحق لأي أحد أن يفتى بالحلال والحرام دون نص قرآني صريح، واضح ومحدد”.

 

وبصرف النظر عن غرابة وسذاجة هذه الفتوى، وعدم اكتراث المصريين ـ أساسا ـ لمثل هذه الدعوة التي من شأنها أن تضر بأرزاق العاملين في هذه الصناعة، بالإضافة إلى حرمانهم من بعدها الاحتفالي، فإن المراقب للجماعات الإسلامية المتطرفة، بشتى أصنافها، يلحظ أن شهر رمضان لدى هؤلاء هو موسم للدعايات السلفية وإطلاق الفتاوى ولفت الانتباه إلى حضورهم ولو بالتفجيرات والاغتيالات.

 

ما إن يحل رمضان حتى يتصرف الإسلاميون، وبجميع فصائلهم، كمفوضين و“وكلاء حصريين” لشهر الصيام. وينصب هؤلاء أنفسهم أوصياء على كل ما ينبغي أن يفعله المسلم والمسلمة في المأكل والمشرب والملبس والمسلك، وما يشاهده على شاشة التلفزيون. وهكذا يتحول هذا الشهر إلى ما يشبه المهرجان المخصص للسلفيين وأشباههم، يستعرضون فيه شتى أكسسواراتهم وطرقهم في فرض آرائهم المتطرفة وأمزجتهم المريضة.

 

    الأجواء الروحية التي يوفرها شهر رمضان، من شأنها أن تكون منفذا يدخل منه الإسلاميون لاستقطاب الجهاديين

 

وكما يكثر وينتعش المحتكرون للمواد الاستهلاكية في الأسواق عند حلول رمضان، يفرّخ ويطفو المحتكرون للتدين والعبادة من الإسلاميين فينصبون أنفسهم دعاة وأئمة ووعّاظا في المساجد والحلقات والقنوات التلفزيونية ووسائل الاتصال الاجتماعي، وحتى في عربات وسائل النقل وعلى الطريق العام، يوزعون الكتيبات والمناشير. هذا بالإضافة إلى أولئك الذين يتصيدون المفطرين ويعتدون عليهم ماديا ولفظيا دون أن يكلفوا أنفسهم حتى مجرد السؤال عن سبب إفطارهم.

 

هذا من جهة الترهيب و“العصا” التي يلوح بها السلفيون في مثل هذه المناسبات الدينية، فماذا عن “الجزرة” وأساليب الترغيب وكافة أنواع الاستقطاب؟

 

دأبت الجماعات الإسلامية على الاستثمار في قيم الرحمة والمؤازرة التي تطبع شهر الصيام والتعبد فتجند عناصرها لتقديم “المساعدات” في أداء تمثيلي يستهدف الفئات المعوزة والفقيرة قصد كسب ودّهم، وإظهار أنها تهتم لشأنهم أكثر من حكوماتهم الوطنية. وهذا سلوك باتت تعرف به الجماعات الإسلامية التي تستثمر في كل شيء وفي كل المواسم.

 

ثمة حكومات وطنية تنبهت مبكرا لممارسات الإسلاميين وأساليبهم في المواسم الدينية، وذلك في إطار العمليات الوقائية والاستباقية في محاصرة التطرف مثل المغرب، حيث تقوم وزارة الداخلية بتعبئة قواتها وممثليها ضد جمع وتوزيع المساعدات الغذائية لأغراض سياسية، وتم إصدار تعليمات لممثلي الوزارة للإبلاغ عن المنظمات غير الحكومية والجمعيات القريبة من الإسلاميين، تلك التي تقوم بجمع وتوزيع المواد الغذائية قبل أيام من شهر رمضان.

 

هذا عن النشاطات “الخيرية” و“السلمية” التي تقوم بها الجماعات الإسلامية في شهر رمضان، أما عن النشاطات الجهادية فإن عددا كبيرا من الهجمات الإرهابية التي نفّذها داعش خلال السنوات الماضية تم خلال مناسبات دينية إسلامية، مثل شهر رمضان. وقد حرص التنظيم على إحياء هذه المناسبات بالتفجيرات وبقتل مَن يعتبرهم “كفارا”، بدعوى مضاعفة الثواب خلال شهر التقوى والتعبد.

 

ويرى الباحث في شؤون الإسلام السياسي والتنظيمات الجهادية أحمد بان، أن حرص الكيانات الإرهابية على تنفيذ اعتداءات في المناسبات الدينية هو محاولة لاستنساخ التاريخ الإسلامي والغزوات والفتوحات التي قام بها الرسول محمد لتنفيذ نزوات ومعتقدات خاصة بهم، مذكرا بأن “غزوة بدر وفتح مكة كانا في شهر رمضان”.

 

ومن هنا، قال بان، إنه من الضروري تنقيح التاريخ الإسلامي والسيرة النبوية من الوقائع غير الصحيحة، والتي يستغلها هؤلاء الإرهابيون لتبرير أفعالهم، “فهم ينشرون القتال بدل الرحمة، والسادية بدل التسامح، ويلصقونها بالإسلام لتبرير أمراضهم النفسية”.

 

ويرى متخصصون في علم النفس الاجتماعي أن المناخات التعبدية والأجواء الروحية التي يوفرها شهر رمضان، من شأنها أن تكون منفذا خطيرا يدخل منه الإسلاميون لاستقطاب الجهاديين في المساجد والمقاهي، بالإضافة إلى السياسات غير الواعية في معظم الدول العربية من ناحية البرامج التلفزيونية، والتي تكثر من كل ما هو ديني دون دراسة أو تبصر أو حذر في الاختيارات.

 

وليس أدل على هذا الوعي التضليلي المزيف لأهمية الجهاد في رمضان، من كلمة أبوبكر البغدادي التي قال فيها عام 2014: “ليس مِن عمل في هذا الشهر الفضيل ولا في غيره أفضل مِن الجهاد في سبيل الله، فاغتنموا هذه الفرصة، وسيروا على نهج سلفكم الصالح؛ انصروا دين الله بالجهاد في سبيل الله، فهبّوا أيها المجاهدون في سبيل الله؛ أرهبوا أعداء الله، وابتغوا الموت مظانّه؛ فالدنيا زائلة فانية، والآخرة دائمة باقية، وأروا الطواغيت منكم ما يحذرون، فالهمة الهمة يا جنود الدولة الإسلامية، وطوبى لمّن فارق دنياه في رمضان، ولقي ربه في يوم من أيام المغفرة”.

 العرب

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *