لا نملك الا الغضب-حسين الرواشدة

 

كل ما رشح عربيا عن جريمة نقل السفارة الامريكية الى القدس منذ اعلان ترامب وحتى اليوم (موعد التنفيذ) كان موشحا – ليس اندلسيا بالضرورة – بالغضب: المسيرات والاعتصامات والتظاهرات التي خرجت احتجاجا في شوارعنا كان عنوانها الغضب، البيانات التي صدرت من كل اتجاه، رسميا وشعبيا، كانت تدور حول الغضب، لغة التحليلات التي نظمها الخبراء ومقاولو التعليقات الساخنة كانت تفيض بالغضب ايضا.

ترى ، هل تمتلك امتنا غير هذا الرصيد الضخم من الغضب، هل عجزت عن ولادة سلالة اخرى خالية من (كروموسومات) الغضب، هل اصبح قدرنا ان نغضب.. ونغضب حتى ننفجر، وماذا يفيد الغضب؟. الم نغضب حين هزمنا في 48 وانتكسنا في 67، وحين جنحنا الى السلام كضرورة، والى تسليم واشنطن مفاتيح القضية والى انتظار هدم الاقصى والى تدمير غزة، والى اخر المسلسل الذي كان الاحتلال بطله الفاعل.. ونحن على الشرفات نتقطع من القهر والغضب.

ليس صحيحا ان ثروتنا الوحيدة مجمدة في بنوك “الغضب” او انها وقت الضرورة تسيل كالمياه الجارية لتسدد فواتير الدفع العاجل والشيكات الممهورة باسم مداراة الخجل والحرج، لدينا اكثر من غيرنا ثروات طائلة يمكن ان ترغم رؤوس غيرنا على الانحناء والتواضع حين يتعاملون معنا، لدينا اوراق وارصدة هائلة من السياسة الى الاقتصاد، يمكن ان نطرحها على طاولة المقايضة لينصت غيرنا الى اصواتنا المبحوحة، لدينا علاقات علنية واخرى سرية مع هذا الاحتلال حتى قبل مؤتمر مدريد وحتى قبل قرار جامعة الدول العربية، انهاء المقاطعة غير المباشرة من الدرجتين الثانية والثالثة “1994” مع اسرائيل، علاقات سياسية وتجارية وسفارات ومكاتب، واتفاقيات وعهود.. يمكن ان نستخدمها بدون غضب للضغط على هذا الكيان وانتزاع التزامه واحترامه لحقوقنا، ولدينا ايضا معابر يمكن ان نفتحها بلا قرار من مجلس الامن لفتح شرايين الحياة على اهلنا في غزة.

لا نحتاج لمزيد من الغضب وانما لمزيد من العمل والتضحية والتعب، لمزيد من الفهم والحركة والشجاعة، لخيارات واقعية تعكس قدرتنا على الدفاع عن ذاتنا وكرامتنا، بخطوات جادة تقنع الاخرين باننا ما زلنا احياء.. واقوياء.. ومصرين على الرد بالمثل، والتعامل بذات المكاييل.. والخروج من دائرة “الاستهانة” وطلاق منعطف التوسل والتنديد والغضب، واعتناق مبدأ “البادئ اظلم”.

ان نشعر بالغضب فهذا يعني اننا ما زلنا احياء، ولا تزال مشاعرنا تنبض وتتحرك وتتفاعل، لكن المشكلة هي اننا “ادمنا” على هذا الاحساس، ووقفنا عند حدوده، ولم نتجاوزها الى ما يفترض من فاعلية وانتاج.. او من “غضب فاعل”: يتحرك على الارض ويؤثر ويقنع الاخرين بان “الحمرة” لا تقتصر على العيون والحناجر فقط، وانما الاعمال والردود ايضا.

الدستور

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *