طَبَق للغداء وشاي داكن- قصة جديدة لمحمود الريماوي

 

“واظبت الأرملة على سكب الطعام في صحن المرحوم، وعلى وضع الصحن الممتلىء بالطعام في المكان المعتاد أمامه، وقد كان يجلس على الدوام قُبالتها. تُباشر تناول الأكل وترمُق طبق زوجها، تقوم بوضع الملعقة بشكل مائل على جانب الطبق، وعلى الجهة المقابلة من الصحن تضع الشوكة بوضع مائل. تتناول وجبتها ببطء وتتحدث اليه بأن طبخة البامية قد نضجت مبكرا هذا اليوم، لأن حب~ات البامية صغيرة ويانعة، والرز أيضا الذي نقعته منذ الصباح لم يطُل به الوقت على النار. تتحدث وترمقه ثم تهُز رأسها صامتة لتقول له بعدئذ: صحيح كلامك.. لو كنا أكثر جوعاً لما لاحظنا أن طعام الغداء قد جُهّز في وقت مبكر. ثم تضيف: الغداء أهم شيء. أحبّك ان تكون موجوداً معي على الغداء..لو غبتَ عن الفطور أو العشاء فلا مشكلة. أما إذا غبتَ عن الغداء، فإني لا أجد رغبة في تناول الأكل. سأضع لك من الغد كمية أقل من الطعام. أعرفك..كلما كانت  الكمية أكثر في صحنك، فإن شهيتك تقِل..أنت لا تأكل اليوم. أنت حر. ربما أكلتَ في مكانٍ ما قبل عودتك الى البيت. كيف لي أن أعرف. لكن لا تقُل لي إني لم أجهّز الأكلة التي تُحبها، وإني لم أضع فيها الثوم البلدي، أو أني نسيت وضع الكُزبرة، ولا تقُل لي بعد ساعة أنك جُعت.

 تضع ملعقتها بداخل صحنها الفارغ بعد أن أتت على طعامها، وتتنهد شاكرةً نعمة الراتب التقاعدي الذي تركه زوجها لها، وحامدةً المولى الذي لا يُحمد على مكروه سواه.

تنهض وترفع طبقها وتتجه به الى المجلى النظيف، ثم تنكفىء الى طبقه الممتلىء، تحمله بغير الملعقة وتتجه بأسف الى باب البيت. تفرش صحيفة، وتضع فوقها الطبق، وسرعان ما تشتمّ قطة الرائحة وتندفع الى تناول الأكل..تاركة الرز.

 تواظب الأرملة على تناول الغداء  مع  زوجها الراحل  كل يوم.  وحين انضمت اليها عاملة المنزل البنغالية التي تُعينها على مواجهة الشيخوخة، فقد ظلت تضع الطبق أمامه، وبعد نحو عشر دقائق من وضع الطبق أمامه، وبعد أن تتناول من صحنها بضع لقيمات، فإنها تسأله: ألا تريد أن تأكل؟ أنت حر، ستأكله الشاطرة سليمة التي تساعدني في البيت. وتمُد هذه يدها الى الطبق وهي مخفضة رأسها، وترفعه من أمامه وتضع طبقه أمامها. هكذا اعتادت العاملة ان تنضم للمائدة بعد نحو عشر دقائق ظهيرة كل يوم، تكون فيه “الماما” قد أتت على نصف صحنها تقريبا، لتتناول طبق المرحوم الذي امتنع عن تناول طعامه. وقد بدا الأمر للعاملة مُخيفاً في البداية، وتشكّكت في المدارك العقلية لمخدومتها، لكنها ما لبثت أن رأت في ما يحدث وبصورةٍ ما، جانباً طيباً يتعلق بالمحبة الباقية. على أن ذلك الاعتقاد لم يمكث طويلاً. فالعاملة وهي في أواسط الأربعين من عمرها اعتذرت أخيراً عن تناول طعامه، قائلة إنها بدأت تشكو من تلبّك في معدتها، ومن دُوار في رأسها ما إن تفرغ من الأكل، وأنها لن تتناول طعام موتى بعد اليوم فهذا يحزنها كثيراً. سيدتها لم تجد ما تجيب به. ظلت صامتة. كانت تودّ القول إن الأمر لا يخلو من مداعبة، لا.. ليس مداعبة بالضبط، ربما تلوين للسواد، ربما استحضار أرواح، أو لعلها تخيّلات مفرطة تتمكّن منها وتستحوذ عليها، أو حتى تمثيل إذ كانت في صغرها تقوم بالتمثيل في المدرسة، وتعيش مع الشخصية ومع الأحداث كأن هذه وتلك حقيقيتان واقعتان. وأنها اعتادت في صغرها مع عائلتها وضع طبق، جانباً، لمن يغيب عن المائدة ، وليس بعيداً عن أطباق بقية أفراد العائلة. العاملة وأمام صمت سيدتها أسرّت لمخدومتها أنها بهذه الطريقة ترى ابنها على مائدة الطعام. ابنها الذي رحل قبل عامين ولم يتم العشرين من عمره. وتمنّت عليها عدم وضع طبق للموتى. السيدة فوجئت بما سمعته وسألت إن كان الشاب اليافع قد أصابه مرضٌ مبكر، فنفت العاملة ذلك وقالت إنه كان في تمام صحته، وأنه قضى في مشاجرة نشبت مع أشقياء كان يحسبهم أصدقاء له، فيما كانوا يتناولون طعامهم في أحد المطاعم الصغيرة في دكّا. وأنه سارع للهرب منهم قبل أن يتم تناول وجبته، فداهمته حافلة مسرعة على باب المطعم تركته يتخبط في دمه، وأن خطيبته اليافعة وهي من أقارب العائلة أقسمت انها لن تتزوج من بعده رغم ان الخطوبة لم تتم بينهما رسمياً. العاملة سليمة سالت دموعها، واكتفت سيدة البيت بالتنهد والترحّم على الابن الشاب، وكتمت استغرابها من الحزن الذي بدل أن يجمع ما بينهما هي وعاملة المنزل، فقد فّرّق ما بينهما، وها هي تمُد ذراعها الى كتف العاملة وتجذبها اليه بمحبة ومواساة، وتطلب منها أن ترى ابنها حياً وغائباً في مكانٍ ما ولم يمت، والعاملة تستغرب الفكرة ويتجدد اندهاشها من طريقة تفكير سيدتها وسلوكها، وتومىء برأسها بالإيجاب من باب المجاملة، وتتصنع ابتسامة إعجاب شاحبة، وسيدتها لا تُبالي كثيراً برد فعلها وتفكر في الأثناء: أية وجبة سوف تُعدّها في الغد لزوجها الغالي ..”.

 …

الأب المقرور في الأيام الأخيرة من شهر آذار، لم يكن يتناول طعامه بل يحتسي شاياً داكن اللون مُفعماً بالقرفة، وبأقلّ تحلية إتّقاء لداء السُكّر، بعدما نامت الزوجة باكراً.. الأب المكلوم قرأ القصة وانجذب اليها رغم أنه رآها مفرطة في العاطفية، ثم غالب نفسه كي لا يكمل قراءتها، بعدما أثقلت علي ـــــــ فيما هو يقرأ،  مراقبة ابنته اليافعة له بابتسامةٍ حيّية منها وبعينيها النديّتين.ابنته هاوية قراءة القصص الرومانسية التي رحلت مؤخراً في يوم ماطر بعد ما نهش مرضٌ لئيم جسدها الغض، ومع ذلك قال لنفسه إن ابنته الحبيبة وكما بدت له سوف تنفعل كثيراً مع القصة لو قرأتها، سوف تُصدّق المسكينة أحداثها، وكما لو أنها وقعت في بيتٍ غير بعيد عن بيتنا، وربما لن تنام تلك الليلة.

 

* أديب وإعلامي من الأردن- قاب قوسين.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *