هل تقرأون لصغاركم الحكايات؟

 لطفية الدليمي

 

غالبا ما نسمع عن أمهات وجدّات أثرين حياة الصغار بالحكايات المنطوية على الحكمة الموروثة والمواقف الملهمة والمشحونة بالمغامرات المثيرة المحفزة للخيال، فهل تبقت لدينا تلك الفئة الرائعة من الأمهات والجدات راويات الحكايا والأساطير وقصص الخيال الممتعة؟ هل نجد بين الأجيال الراهنة أمهات لديهن القدرة والموهبة لسرد الحكايات على مسامع صغارهن قبل النوم؟

 

هل تضحي الأم الشابة ببعض وقتها لإنعاش مخيلة صغارها بقصص تهدئ أرواحهم الخائفة وتطلق العنان لمخيلتهم وتحملهم على أجنحة الحلم إلى نعيم النوم الهانئ؟ نادرا ما نسمع أن والدا برع في سرد الحكايات لصغاره وسحرهم بأسلوب الحكي وجعلهم يسرحون في عوالم الخيال، فتتحفز عقولهم وتنطلق من عقال الحدث اليومي المتكررالذي لا يمنح سوى الرتابة والملل.

 

  لم أجد اليوم إلا نادرا مثل هؤلاء الأمهات في مجتمعاتنا؛ فقد تنازلت الأمهات والجدات عن دورهن للتلفزيون الذي ساهم من جانب في تطوير نظرة الأطفال للطبيعة والعالم والبشر، ولكنه حدد من جانب آخر ملكة الإبداع والتخيل الحر لدى الطفل لأنه منحه عوالم مكتظة بالصور المتلاحقة وحكايات الغابات والأميرات والكواكب النائية والجنيات والكائنات المتفوقة، واختطف الأطفال من حميمية صوت الأم حين تروي حكايات الليل وتربت على رأس صغيرها ويتناغم همسها مع نبضه وتهدئ مخاوف روحه وهو يستسلم للنوم محمولا على أجنحة من رؤى وأحلام ممتعة مطمئنة.

 

 رغم هيمنة التلفزة وغنى البرامج الموجهة للأطفال في عصرنا إلا أنني وجدت في الكثير من دول العالم -وفي أوروبا بالتحديد- أن الأمهات العصريات ملتزمات كل ليلة -رغم مشاغلهن الكبيرة- بسرد الحكايات لأطفالهن سواء باختراع القصص أو قراءتها من كتب الأطفال بعد أن يحددن موعدا صارما لإغلاق التلفزيون كل ليلة ويصحبن الصغار إلى الفراش يحكين ويمنحن الحنان والأمان مع المعرفة، ورأيت الأمهات الشابات يدققن في اختيار الكتب العلمية والخيالية والقصص الممتعة حين ارتياد المكتبات مع أبنائهن ويرشدن الصغار إلى الأجمل والأنفع والأكثر إمتاعا وتأثيرا في النمو العقلي والنفسي لهم.

 

  تخبرنا الروائية التركية أليف شفق (في حوار لها قمت بترجمته) بحجم تأثير الحكايات عليها في صغرها فتقول “لطالما فتنتني الحكايات التي تتناقلها النساء عبر الأجيال والتي ترويها الأمهات لبناتهن؛ فالنساء كما أرى راويات بارعات للحكايات وإن الحكمة النسوية المؤسسة على الثقافة الحكائية الشفاهية كانت مصدر إلهام لي على الدوام“.

 

 يعترف روائيون وروائيات كبار من الشرق والغرب -الهند وإيران وأفغانستان والصين وكولومبيا- بالأثر الكبير الذي تركته فيهم حكايات الطفولة التي سردها الآباء والأمهات والأجداد والجدات وأثارت انتباههم وجعلتهم يحلمون بكتابة القصص وابتكار الحكايات: غابريـيل غارسيا ماركيز وآزر نفيسي وخالد حسيني وشهريار مندني بور وأليف شفق وها جن وارونداتي روي وتشينوا اتشيبي، كلهم تأثروا بشكل أو بآخر بحكايات الطفولة والتراث الشفاهي لمجتمعاتهم واستخدموا هذا الموروث في إغناء قصصهم ورواياتهم، ومعظمهم يذكر هناء الطفولة المنعّمة بسماع الحكايات والقصص.

 

 في ما سبق من سنوات كان في مدارسنا ضمن مناهج تدريس اللغة العربية في الصفوف الابتدائية الأولى درس يسمى (المحادثة) يقرأ فيه أحد التلاميذ قصة أو تقرأ المعلمة قصة أو حكاية ما وتجري مناقشتها بطرح الأسئلة على الصغار واستعادة مقاطع منها واستخراج الحكمة التي تنطوي عليها والمغزى التربوي المتضمن في أحداثها، وكانت دروس القراءة الحرة تتضمن استعارة قصص من مكتبة المدرسة وقراءتها وكتابة ملخصات عنها كتمرين على تنظيم الأفكار إضافة إلى الخبرات التي يستمدها الصغار من حكايات أمهاتهم وجداتهم.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *