الحب المحرم بوابة للفتنة الطائفية

 

مازال زواج المسلم بمسيحية، أو العكس، قضية مثيرة للجدل في بعض المجتمعات العربية، فالحب في هذه الحالة يكون “محرّما” و”مجرّما” في نظر الكثيرين، ليس حماية للدين، لكن هربا من فضيحة مجتمعية متوقعة، حتى أن الارتباط الرسمي قد يحيل هذا الحب إلى قصة حزينة، وربما دامية.. فهو مسلم، وهي مسيحية.

 

القاهرة – اختفاء مسيحيات قضية شائكة لم ينقطع الكلام عنها على مدار سنوات طويلة، تخبو ثم تعود إلى السطح من جديد بنفس التفاصيل والتطورات تقريبا.

 

تبدأ القصة بدخول فتاة مسيحية في علاقة عاطفية مع شاب مسلم، بعلم أو دون علم أسرتها، ثم يتبع ذلك هروبها. ويتطوّر الموقف بادّعاءات ذويها اختطافها لإجبارها على الإسلام، مفضلين تصدير العار الطائفي عن شبهة العار الاجتماعي، اعتقادا منهم بأن الترويج لذلك يحافظ على صورتهم بين الناس.

 

تكررت القضية في قرى عديدة بمصر. وتجاوزت الأسبوع الماضي حدود القرية محل الواقعة إلى ساحة الكاتدرائية (مقر الكنيسة الرئيسية) في منطقة العباسية بوسط القاهرة، وتجمهر المئات من الأقباط بسبب اختفاء طالبة جامعية، تدعى أماني مجدي موسى، تقيم في مركز زفتى التابع لمحافظة الغربية بشمال القاهرة، أثناء ذهابها لأداء امتحانها في جامعة بنها، وطالب المتجمهرون الكنيسة باتخاذ موقف حاسم تجاه “اختطاف” بناتهم المسيحيات.

 

كل من شهد هتافات المتجمهرين كاد يجزم باختطاف الفتاة ويعتقد في انتشار الاختفاء القسري، لكن الحقيقة التي كشفت عنها زميلة للفتاة في تدوينة على صفحة مغلقة للطلبة على فيسبوك، أكدت أنها خرجت من منزلها بمحض إرادتها للزواج من زميلها المسلم.

 

لم تكن الأزمة متمثلة في اختلاف الديانة باعتباره عائقا بين المحبين، بل الأزمة في سطوة المجتمع والتدين الشكلي وقسوة الأعراف والتقاليد؛ هروب الفتاة من منزل أسرتها يعتبر عارا، سواء كانت مسلمة أم مسيحية، والفضيحة تكون كبيرة في حالة هروبها مع شاب من غير ديانتها. الأخطر أن معظم الأسر المسيحية، وخاصة في محافظات الصعيد (جنوب مصر) التي تتركز فيها الظاهرة، لا تعترف بوقوع بناتها في حب شباب مسلمين.

 

تذكر محاضر الشرطة أن الأسرة تكون على علم غالبا بأن ابنتها هربت ولم تختطف. وأحيانا تقوم الأسرة بتوجيه الاتهامات إلى شخص بعينه، لكنها تؤكد على أن الحادثة اختطاف وليست عشقا، بغاية إجبارها على اعتناق الإسلام، غير مهتمة بما يترتب عن ذلك من تكدير للسلم المجتمعي.

 

كان مدحت بيشوي، يقف في تظاهرة منددة بحادثة طالبة جامعة بنها، تحدّث قائلا، إن “القرية لم تشهد أحداث فتنة طائفية، لكنها على وشك ذلك بسبب اختفاء الطالبة”.

 

يفسر كلام بيشوي الواقع المرير المنتظر للأسرة المختفية، ولذلك تمعن في إصرارها على أن القضية “اختطاف”، لأن الاعتراف بالهروب سيكون كمن يذهب إلى الجحيم بقدميه.

اختفاء “غامض”

 

 

تشكّل مواقع التواصل الاجتماعي أداة سهلة لنمو هذا النوع من العلاقات المحرمة اجتماعيا، لكن لا توجد إحصاءات رسمية تكشف العدد الحقيقي للفتيات المختفيات. وكلها حوادث مختلفة ومتفرقة. فمن يقول إنها هروب ومن يزعم أنها اختطاف. والجميع يندرج تحت مظلمة “الاختفاء” في ظروف غامضة.

 

وأفسح غياب الإحصاءات الرسمية المجال لبعض الجهات الحقوقية وتقديم أعداد متضاربة عن الفتيات المسيحيات المختفيات، ففي حين قالت رابطة ضحايا الاختطاف والاختفاء القسري إنه تم اختفاء

 

أكثر من 500 فتاة مسيحية أعمارهن بين 13 و17 عاما في العامين الماضيين، ذكرت حركة “مواطنون ضد التمييز”، أن الحالات وصلت في الفترة من بداية 2016 وحتى الأشهر الأولى من العام الحالي إلى 25 فتاة مسيحية، أغلبهن في محافظات الصعيد.

 

ورصدت من خلال البلاغات المقدمة لأجهزة الشرطة 7 حالات لفتيات اختفين بشكل مفاجئ خلال أسبوع، منهن دون الثامنة عشرة، كفتاة تدعى كاترين سامح، ومنهن أكبر من ذلك مثل السيدة هناء فوزي.

 

تلك النوعية من الحالات جمعتها مظلة الاختفاء والاختطاف، وتكاد تكون تكرارا لسيناريو طالبة بنها، لكن لم تذكر البلاغات المقدمة من الأهالي كلمة “هروب” أو أن علاقة عاطفية كانت سببا في الاختفاء.

 

علي جمعة “التعايش بين المواطنين والسلم المجتمعي يستلزمان عدم زواج المسلم بمسيحية، لعدم الدخول في مصادمات جانبية” علي جمعة: التعايش بين المواطنين والسلم المجتمعي يستلزمان عدم زواج المسلم بمسيحية، لعدم الدخول في مصادمات جانبية

 

 

 

القضية ذات حساسية مفرطة للأقباط، وعندما تناولتها الدراما المصرية، في مسلسل “ألوان الطيف” منذ خمس سنوات بطولة لقاء الخميسي وأميرة فتحي، خرجت احتجاجات طالبت بوقف العمل لمجرد طرحه قصة حب فتاة مسيحية لشخص مسلم.

 

ينقسم المسيحيون في مصر إلى فريقين بشأن هذه القضية. أحدهما يعيش تحت وطأة العار والخزي، ويربط تلك المشاعر بفكرة خيانة الدين والشرك بالله بترك ابنته تتزوج من مسلم. ويُقدم هذا الفريق دائما على إشعال الفتنة هربا من العار في المستقبل، ويتحول ذلك إلى خط دفاع له، إذا تمسكت الفتاه بالزواج.

 

أما الفريق الثاني؛ فهو الأكثر إدراكا لطبيعة الأزمة وفهمه لكونها أزمة مجتمعية بعيدة عن الدين ذاته. وردّت نادية هنري عضو مجلس النواب، منذ أيام على اتهامات بتزايد أعداد المسيحيات القاصرات المختفيات قائلة “الفتيات لسن مخطوفات بل مختفيات لأسباب عاطفية بغير رضا الأهالي”.

 

وأشار كمال زاخر، الباحث القبطي، إلى أن كل الأطراف لديها حساسية شديدة لحالة اختفاء الفتاة المسيحية، فهي لا تقول اختفاء بل تعتبره اختطافا، وبسبب غياب ثقافة الاعتراف بالخطأ يتم ترحيل القضية إلى الطرف الآخر.

 

وقال “هناك أسباب أخرى تدفع الفتيات إلى الهروب، فلديهن فراغ على جميع المستويات، سواء كان علميا أو عاطفيا أو نفسيا أو اجتماعيا، ومن السهل أن يملأه أي شخص، وتفكك الأسرة وعلاقتها السيئة بالأبناء تجعلهم فريسة للعالم الافتراضي دون رقابة”.

 

يدرك المتابع للشأن القبطي، أن تزايد أعداد المسيحيات المختفيات؛ بعيدا عن الاشتباه الجنائي الذي لا يفرق بين مسلم ومسيحي، حصاد لغياب دور الكنيسة وانشغالها بالأنشطة الاجتماعية والترفيهية لتضمن بقاء المسيحيين داخل أسوارها طول وقت، مما كان له آثار سلبية على الحالة الروحية للكثير من الفتيات.

 

وعزز ذلك موقف الكنيسة الرافض للطلاق، فيصبح الهروب الحل الأمثل للكثيرات لعدم وجود طلاق في المسيحية بمصر، إلا في حالتي الزنا وتغيير الملة.

 

وتحكي إيمان عزيز، سيدة مسيحية هربت من أسرتها في طنطا أن انجذاب الفتاة المسيحية لشخص والهروب معه، يرجع إلى فقدانها الإحساس بالاحتواء ممن حولها؛ الكنيسة والأسرة والأصدقاء.

 

وأشارت إلى أن بعض الأسر تفرض قيودا شديدة على بناتها، تأتي بنتيجة عكسية. وأضافت عزيز، وهي مسيحية قد أسلمت، من خلال معرفتها لبعض الحالات تبين لها أن التحول الديني لم يكن غرضه الأساسي الدين، فبعض الفتيات لا يستطعن قراءة الفاتحة، لكن نتيجة علاقات عاطفية أو مشكلات مجتمعية.

أزمة مجتمعية

 

حذر باحثون من أن غياب الشفافية وعدم توضيح الحقيقة للرأي العام ترسخ لشيوع حالة من التفسخ المجتمعي، بعد ارتفاع أصوات كثيرة تحذر الأسر من صداقة البنات بفتيات مسلمات.

 

وذكر هؤلاء أن مقدمات ما يسمى بالفتنة الطائفية ظهرت في مصر، مع منتصف سبعينات القرن الماضي، حيث بدأت بقصص فتيات مسيحيات اختفين لفترة ثم ظهرن بعد إشهار إسلامهن.

 

وتشير دراسات حقوقية إلى أن ما يطلق عليه “الحب المحرم” في المجتمع يقف وراء نحو 75 بالمئة من الأحداث الطائفية التي شهدتها مصر في السنوات الماضية، حيث يقع البعض في مصيدة الطائفية، فيظهر من يشحن النفوس ليرسخ شعور الاضطهاد لدى الأقباط.

 

في المقابل، هناك من يستغل تحركات الأقباط لشحذ همم المسلمين ضدهم وتنتج عن ذلك مواجهات دامية تشمل إحراق كنيسة أو منازل أو قرية بأكملها.

 

تتفاقم المشكلة مع عدم وضوح سير الإجراءات، ما يصنع حاجزا نفسيا بين الأقباط وجهاز الشرطة وتحميل الأخير المسؤولية واتهامه بالتراخي بعد تلقيه بلاغات تؤكد اختفاء الفتيات. ما يضاعف من أزمة الثقة التي تنعكس أحيانا في شكل احتجاجات مجتمعية ضد الشرطة.

 

وهناك وقائع لاشتباكات نتجت عنها إصابات بالغة لضباط ومجندين، عندما تجمهر الأهالي أمام بعض أقسام الشرطة التي تدخلت لفضهم.

 

الارتباط الرسمي قد يحيل الحب إلى قصة حزينة، وربما داميةالارتباط الرسمي قد يحيل الحب إلى قصة حزينة، وربما دامية

 

ونفى محمد شاكر، عميد شرطة متقاعد، شبهة التقصير عن الجهات الأمنية، إذ تتخذ الإجراءات المعتادة في مثل هذه الوقائع، أما النتيجة بعدم عودة الفتاة أو السيدة المختفية، فترجع إلى أن الهاربة تستطيع بعد ساعات الابتعاد مئات الكيلومترات، ويصبح الوصول إليها أمرا صعبا.

 

وأكد شاكر أن “اختفاء الفتيات أزمة مجتمعية لا تفرقة بين مسلمة ومسيحية، وهناك العشرات من الفتيات المسلمات القاصرات اختفين في ظروف غامضة، هل يمكن القول عند ذلك أن هناك مخططا وراءه الكنيسة لردهن عن دينهن الإسلامي؟”.

 

وشدد على صعوبة السيطرة على قصص الحب، لأنها تنشأ بين مراهقين، وفي حالة وقوع اشتباكات تتدخل القوات للفصل بينهما، والحل الأمني لا يكفي، ومن الضروري تشكيل لجنة من الأزهر والكنيسة للتعامل مع الأزمة، والعمل على عدم وقوع المشكلة من الأساس.

 

وصرح علي جمعة مفتي الجمهورية السابق، أن زواج المسلم من المسيحية مباح شرعا في الإسلام، إلا أن الحاجة تدعو إلى عدم إحداث ذلك الزواج، قائلا “التعايش بين المواطنين والسلم المجتمعي يستلزمان عدم زواج المسلم بمسيحية”.

 

وقد اتخذ البعض من المعارضين لهذا النوع من الزواج، إجراءات تصعيدية ووضعوا قائمة مطالب لا علاقة لها بالمسيحيات المختفيات في إطار المساومة السياسية. فرفع المستشار نجيب جبرائيل رئيس منظمة الاتحاد المصري لحقوق الإنسان مؤخرا، دعوى طالب فيها بإعادة ما يسمى بـ”جلسات النصح والإرشاد”.

 

كانت وزارة الداخلية قد ألغت هذه الجلسات عام 2004 بعدما هاجمها حقوقيون باعتبارها ضد حرية العقيدة التي يكفلها الدستور. وتقوم تلك الجلسات على أن يكون هناك قس معين يقوم بالجلوس مع كل شخص راغب في تحويل ديانته لإعطائه نصائح للعدول عن قراره.

 

وكشفت مصادر كنسية أن البابا تواضروس، بابا الإسكندرية وبطريرك الكنيسة المرقسية، يرفض عودة جلسات النصح والإرشاد. ويدعم موقفه الكثير من المفكرين والنشطاء الأقباط الذين استنكروا أن تكون في القرن الواحد والعشرين جلسات نصح وإرشاد أو جلسات عرفية لحل أي مشكلة، مؤكدين أن الحل في سيادة القانون على الجميع دون النظر إلى الدين.

شيرين الديداموني- العرب

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *