جواد علي واتجاهات الكتابة التاريخية

محمّد حلمي عبدالوهّاب

 

يتربَّع «شيخ المؤرِّخين العرب» الدكتور جواد علي (1907- 1987م) على عرش قلَّة من المؤرِّخين العرب الذين اتَّسمت أعمالهم بالشُّمول والموسوعية. فقد غطَّت أبحاثه المعمَّقة حول «تاريخ العرب قبل الإسلام» حقبًا تاريخية مجهولة؛ وذلك بفضل مثابرته على البحث العلمي والكتابة لنحو نصف قرن من الزمان منذ حصوله على الدكتوراه وحتى وفاته (1938- 1987)، وبفضل إتقانه الغات القديمة كالسِّريانية، والعبرية، واليونانية، بالإضافة إلى اللهجات العربية القديمة، واللغة السبئية.

 

ولا شكَّ في أنَّ أعمال جواد علي تُعَدُّ بمثابة نقلة نوعية بالنِّسبة إلى الوعي العربيِّ التَّاريخيِّ المعاصر واتجاهات الكتابة فيه؛ بخاصة إذا أخذنا في الاعتبار حقيقة أنَّ التَّعويل – في ما يتعلَّق بتاريخ العرب قبل الإسلام – كاد يكون حكرًا على كلام المستشرقين وكتاباتهم قبل ظهور أعماله، فلمَّا أصدر موسوعتيْه الشَّهيرتيْن: «تاريخ العرب قبل الإسلام»، و «المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام» اللتين استغرقتا قُرابة أربعين عامًا من العمل المضْني؛ بما يُعادل نصف عمره، أصبح المستشرقون – المستعربون وفق ما كان يُطْلِقُ عليهم – يستشهدون بآرائه، ويقولون: «قال الدكتور جواد علي: كذا، وكذا».

 

لكن على رغم المكانة العالية التي وصل إليها جواد علي؛ فإنَّه كان دائمًا يؤكِّد في كتاباته أنَّه مجرَّد «طالب علم»، وأنَّ الإنسان لا يكفُّ عن التعلُّم إلَّا بتوقُّف قلبه عن النَّبض. يقول في مقدِّمة موسوعته الضَّخمة «المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام»: «إنَّ الإنسان مهما حاول أن يتعلَّم، فإنَّه يبقى إلى خاتمة حياته جاهلًا، كلُّ ما يصل إليه من العلم هو نقطةٌ من بحرٍ لا ساحلَ له. ثمِّ إنِّي ما زلتُ أشعرُ أنِّي طالِبُ علمٍ، كلَّما ظننتُ أنَّي انتهيت من موضوع، وفرحتُ بانتهائي منه، أُدْرِكُ بعد قليل أنَّ هناك علمًا كثيرًا فاتَنِي، وموارِدَ جمَّة لم أتمكن من الظَّفَر بها، فأتذكَّر الحكمة القديمة: العَجَلَةُ من الشَّيطان».

 

ويُعيدُ تأكيدَ المعنى ذاتِه في مقدِّمة كتابه «تاريخ العرب في الإسلام: السِّيرة النَّبوية» – والذي يعدُّ اسْتكمالًا وتتمَّة لموسوعته الأولى -، فيقول: «وأنا في هذا الكتاب أيضًا طالبُ علم، مبتدئ في التَّأريخ لم آت فيه بشيءٍ جديد، وكلُّ ما ذكرتُه وأوردتُه فيه هو خلاصة علم غيري. وتأريخ الإسلام بحرٌ واسِع وسيظلُّ كذلك ما شاء اللَّه حتَّى تتهيَّأَ للعلماء الباحثين فرصُ الوقوف على الموارد والمصادر، وحتّى يُدْرَس هذا الموجود ويُنسَّق ويُنظَّم ويُرتَّب. فإذا تمَّ مثل ذلك، كان من الممكن يومئذ كتابة تأريخ علميٍّ عن الإسلام».

 

وُلد جواد علي في حي الكاظمية في بغداد سنة 1907، ودرس في الأعظمية في كلية الإمام الأعظم أبي حنيفة ثم أكمل دراسته في دار المعلِّمين العالية التي سُميت لاحقاً بكلية التربية، فتخرج فيها سنة 1931. ويذكر جواد علي أنَّه كان مُولَعًا منذ صغره بمادة التَّاريخ، وأنَّه كان متفوِّقًا فيها على سائر أقرانه. وبعد تخرجه عُيِّن مدرسًا في إحدى المدارس الثانوية، ثم رُشِّح ليكون ضمن بعثة علمية متخصصة في دراسة التَّاريخ إلى ألمانيا، فسافر إلى مدينة هامبورغ في العام 1933م، ليلتقي هُنالك بكُلٍّ من: مايسنر، ومنوخ، الباحثيْن المتخصِّصيْن في الآشوريات وتاريخ بلاد المشرق. وفي العام 1938 حصل جواد علي على شهادة الدكتوراه في التَّاريخ الإسلامي من جامعة هامبورغ؛ وذلك عن أطروحته: «المهْدِيُّ وسُفراؤُه الأربعة» التي أنجزها باللغة الألمانية، وتُرجِمت لاحقًا إلى العربية بعنوان: «المهدي المنتظر عند الشِّيعة الإثني عشرية». وقد صادف تاريخ عودته إلى العراق اندلاع ثورة 1941 ونشوب الحرب العراقية – البريطانية، فانخرط في صفوف المقاومة وتم اعتقاله في معتقل الفاو، ثم أُطلق سراحه وعاد إلى وظيفته في وزارة المعارف حيث اختير ليكون أمين سرِّ لجنة التَّأليف والتَّرجمة والنَّشر، والتي قُدِّر لها أن تكون نواة للمجمع العلمي العراقي سنة 1947. وفي العام 1956 أصبح عضوًا عاملًا في المجمع، كما اختير عضوًا مراسلًا في مجامع عربية أخرى.

 

وفيما يلي بيبلوغرافيا موجزة تتضمن أبرز مؤلَّفاته وفق تاريخ تأليفها: التَّاريخ العام (بغداد، 1927)، المهدي المنتظر وسفراؤه الأربعة (أطروحة دكتوراه بالألمانية 1938)، تاريخ الصَّلاة في الإسلام (طائفة من المقالات نشرها أولاً في مجلة الرِّسالة المصرية سنة 1945 ثمَّ جمعها ونشرها في كتاب)، موارد تاريخ الطَّبري (المجمع العلمي العراقي 1950)، تاريخ العرب قبل الإسلام (8 مجلَّدات 1951)، خارطة الإدريسي المعروفة بصورة الأرض (بالاشتراك مع الدكتور أحمد سوسة ومحمَّد بهحت الأثري 1951)، ، أصنام العرب (بغداد 1967)، المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام (10 مجلدَّات 1968-1972)، تاريخ العرب في الإسلام: السيرة النبوية (1983).

 

هذا بالطبع إلى جانب عشرات المقالات العلمية التي داوم على نشرها في «مجلة المجمع العلمي العراقي» وامتدت لنحو نصف قرن، وغطَّت جوانب فكرية عديدة وحقباً تاريخية مختلفة، ومن نماذجها: جمهرة النَّسب لابن الكلبي (1950)، رسائل في الموسيقى (1950)، لهجات العرب قبل الإسلام (1953)، لهجة القرآن الكريم (1955)، فهرس المخطوطات المصوّرة (1955)، كتاب الفِلَاحة لابن بصال الطُّليطلي (1959)، كتاب بسط الأرض في الطُّول والعرض لابن سعيد المغربي (1959)، عبداللَّه بن سبأ (1959)، مصطلحات علم الكيمياء (1959)، البحث العلمي عند العرب المسلمين (1960)، أصول الحكم عند العرب (1980) …إلخ.

 

وقد تميزت اتجاهات الكتابة التَّاريخية عند جواد علي بمجموعة من السِّمات العامَّة التي طبعت مجمل أعماله الفكرية؛ ويمكننا اختصارها في العناصر الخمسة التَّالية: الفردية، والشُّموليــة / الموسوعيـــة، الدِّقـــة والصَّرامة المنهجية، النَّزعة النَّقدية، التسلُّح بالأدوات المعرفية المطلوبة لسرد الوقائع التَّاريخية. أما الطَّابع الفرديّ؛ فيعدُّ بمثابة السِّمة الغالبة على كتابات جواد علي التَّاريخية بعد أن ساد الاعتقاد طويلاً، طيلة القرن الماضي، بأنَّ الجهد الجماعيَّ هو أكثر الوسائل والمناهج أصالة في كتابة التَّاريخ. فعلى رغم إقراره بأنَّ للعمل الجماعي مزايا وسمات كثيرة؛ إلَّا أنَّه فضَّل العمل الفرديَّ مع ما يتضمَّنه من صعوبات جمَّة عبَّر عنها في مقدِّمة عمله الموسوعي «المفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام».

 

كما انفرد جواد علي – مقارنة بأقرانه من المؤرخِّين المعاصرين- بطابعيْ الشُّمولية والموسوعية، إذ كاد في تقصِّيه لـ «تاريخ العرب قبل الإسلام» لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلَّا أحصاها؛ وهو ما يُفسِّر إصدار موسوعتيْن في الموضوع ذاته [تاريخ العرب قبل الإسلام، والمفصَّل في تاريخ العرب قبل الإسلام]. ويَرجِعُ الفضلُ في تسمية عمله الثاني بـ «المفصَّل» إلى أستاذه محمَّد بهجت الأثري الذي اقترح عليه هذا العنوان «لِمَا فيه من تفصيل لم يرد في الكتاب السَّابق، فوجدتُ في اقتراحه رأيًا صائبًا ينطبق كلَّ الانطباق على ما جاء فيه. والكتاب بحثٌ أردتُ – جهْدَ طاقتي- أن يكون تفصيلياً، وعذري في هذا التَّفصيل أنَّني أريد تمهيد الجادّة لمن يأتي بعدي فيرغبُ في التَّأليف في هذا الموضوع؛ لِيُقَدِّم للقارئ أشملَ بحث وأجْمَعَ مادَّة في موضوع يطلبه، لأنَّ غايتي من هذا الكتاب أن يكون «موسوعة» في الجاهلية والجاهليين، لا أدع شيئاً عنها أو عنهم إلَّا ذكرتُه في محلِّه، فكتابيَّ هذا وذاك هما للمتخصِّصين وللباحثين الذين يطمعون في الوقوف على حياة الجاهلية بصورة تفصيلية، ولم يُكتبا للذين يُريدون الإلمام بأشياء مُجْملَة عن تلك الحياة».

 

أمَّا طابعَا الدِّقة والصَّرامة المنهجية؛ فيتبدَّيان من خلال عناصر المنهج التي اختطها جواد علي في كتاباته. فمن ناحية أولى كان مؤرِّخا رانكويًا؛ نسبة إلى المؤرخ الألمانيِّ ليوبولد فون رانكة (1795- 1886). وتبعاً لذلك، أعاد شيخ المؤرِّخين العرب كتابة «تاريخ العرب قبل الإسلام» في سياق الحدث كما جرى بالفعل، وذلك بعد أن قام بتفنيد الرِّوايات المغلوطة أولاً، وأمعن النَّظر في تفحُّص الرِّوايات التَّاريخية بُغية الكشف عن تناقضاتِها الدَّاخلية ثانياً، ثمَّ تحرَّى نقدها نقداً موضوعياً بعد التحقُّق من المعلومات والمعطيات الوردة في المصادر المختلفة، وبلغاتها المتعدِّدة ثالثاً.

 

وفي السِّياق ذاته يؤكِّد جواد علي أنَّ ثمة مشاكل عديدة تعْترض طريق المؤرخ المعاصر؛ في مقدِّمها: مشكلة الرُّجوع إلى المصادر الأصلية/الحقيقية، ومشكلة المؤلَّفات المدوَّنة باللغات القديمة، ومشكلة تشتُّت المصادر وتبعْثُرِها. كما يعيب على المؤرخين القدامى عنايتهم بالعموميات بالدَّرجة الأولى، مؤكِّداً ضرورة أن يدرس المؤرِّخ التَّاريخ وفقًا للظروف والحوادث التي وقعتْ بالفعل «فالتَّأريخ في رأيي رَسْمُ الماضي وتشْخيصه وعرْضه من غير تحزُّب أو تعصُّب، أو إبداء رأي وحكم، تاركًا أمر الأحكام إلى القرَّاء، يُكوِّنون آراءهم كما يرون ويشْتهون، وعلى هذا النَّحْو الذي توصل إليه اجتهادهم من قراءتهم للموضوع».

 

وعلى رغم تأثُّر جواد علي بالمؤرِّخ الألمانيّ ليوبولد فون رانكه، وببعض الاتجاهات الغربية الحديثة؛ فإنَّه لم يكن مجرد تابع لآراء المدرسة الاستشراقية، وإنَّما تناول نتاج المستشرقين بالنقد وناقش أحكامهم التَّاريخية. ففي سياق عمله الموسوعي أبدى رأيه في كثير من أطروحات الغربيين الذين لم يكن مُتوافِقًا معهم كليًا، وتعرَّض لآرائهم بالنَّقد والتَّمحيص، مؤكِّدًا أنَّ شأنَها شأن الأبحاث الأخرى تحْتمل الصَّواب والخطأ.

 

أيضًا عمل جواد علي على مُراجعة ونقد السَّرد التَّاريخي العربي في أمّهات كتب المؤرِّخين العرب أمثال: ابن كثير والطَّبري؛ بخاصَّة في ما يتعلَّق بتأريخهم الخاص بالأمم الأخرى كالفرس واليونان وغيرهما. ففي هذا السِّياق يعيب جواد علي عليهم عدم توسُّعِهم في التَّأريخ لأمم الرُّومان واليونان على وجه الخصوص، واكتفاؤهم بالمصارد النَّصرانية السِّريانية في الغالب. ولذلك «كان تأريخ الرُّومان واليُونان مختصرًا جدًّا وضعيفًا بالقياس إلى ما دُوِّن عن تأريخ الفرس» الذي أخذوه مباشرة من موارد فارسية. ولهذا السبب أيضًا لم يُشِر الطَّبريُّ، ولا غيرُه من مؤرِّخي الإسلام، إلى حروب «أذينة» مع «سابور» على رُغم أهميتها وبلوغ ملك «تدمر» فيها العاصمة «طيسفون»، بسبب الموارد الأصلية التي اعتمدوا عليها، وهي موارد فارسية الأصل مُتعصِّبة للفرس، أو موارد عراقية ميَّالة لهم.

 

كذلك انتقد جواد علي في بحثه الموسَّع «موارد تاريخ الطَّبري» – والذي نشره أولًا على هيئة حلقات في مجلة المجمع العلمي العراقي ما بين عامي 1369هـ -1380هـ/ 1949- 1960م، ثم طبعته وزارة الثقافة والإعلام السعودية- المصادرَ التَّاريخية التي اعتمد عليها الطَّبري في تاريخه، وناقش مدى وثاقة تلك المصادر المختلفة سواء ما تعلَّق منها بالنقل من الكتب أو من الأشخاص أو بروايات مُعَنْعَنَةٍ، مُنتهيًا إلى انتقاد الطَّبري بسبب عدم عنعنة بعض الرِّوايات التَّاريخية؛ على رغم الحاجة الماسَّة إليها.

 

وفي الأحوال كلِّها، صحيح أنَّ جواد علي لم يكن صاحب منْهج فلسفيٍّ في تفسير التَّاريخ؛ بل كان يرى أنَّ التَّاريخ يجب أن يكون بعيدًا عن إبداء الرَّأي الفلسفيِّ، وكان لا يميل إلى اتِّباع أساليبَ فلسفية في استنتاج الأحداث، لكنَّ ذلك كلّه لا يمنع من الإقرار بأنَّ نزعته النَّقدية بالإضافة إلى تأكيده ضرورة استخراج العِبَر من الأحداث التَّاريخية إنما تعبِّران عن نهج فلسفيٍّ نقديٍّ إزاء التَّاريخ.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *