التفكير والتكفير في صراع الجماعات الإسلامية في السودان

 

حوادث عنف ديني عديدة شهدها السودان في السنوات الأخيرة وجميع مرتكبيها ينتمون لجماعات إسلامية متشددة تحاول نشر أفكارها بقوة السلاح. وتعددت الحوادث وتكررت رغم محاولات السلطات الأمنية الحد من ظاهرة التطرف.
في نهاية شهر آذار/مارس الماضي شهدت مدينة كسلا الواقعة شرقي السودان مقتل ثلاثة من المصلين في مسجد حي مكرام وجرح آخرين، وذلك بعد أن رفضت لجنة المسجد حديثا للجاني بعد صلاة العشاء وفقا لتقديرات خاصة بها ولم يكن ذلك هو الحادث الأول ولن يكون الأخير وفقا لخبراء في هذا المجال.
ويرى الدكتور محمد خليفة الصديق، أستاذ العلوم السياسية في جامعة افريقيا، والخبير في شؤون الجماعات الإسلامية والجهادية، أن السودان ظل عبر تاريخه الطويل مشتهراً بالتسامح وخالياً نسبياً من حوادث الغلو والعنف ذات الطابع الديني وسفك الدماء، ويضيف أن معظم الحوادث التي وقعت في البلاد في فترات ومراحل متتالية تبين أن لها امتدادات وارتباطات إقليمية ودولية، وأن الشأن المحلي الديني عبر هذه الوقائع ظل موصولا بالبعد الخارجي.
الإسلام في السودان

ويوضح البروفيسور حسن مكي في ورقة بحثية، كيفية دخول الإسلام للسودان بداية من العهود الأولى أيام البعثة النبوية ثم اتفاقية البقط بين النوبة والعرب المسلمين في سنة31 هجرية التي تشير إلى التزام النوبة بكنس وإسراج ‏المسجد الذي ابتناه المسلمون في دنقلا، ثم مرحلة الطرق الصوفية. ويشير إلى أن الخريطة الدينية الشعبية ‏للسودان أساسها التصوف، ولذلك تكثر القباب والمزارات والمزاج الديني المرتبط بالشيوخ والأهازيج ‏والمدائح والمناقب والحوليات والإيماءات والرمزيات ذات الدلالات الصوفية، لكن كذلك هناك مدارس دينية ‏ارتكزت على نشر العلم الديني والفقه، ويقول إن أكثر من ‏‏60 في المئة من أهل السودان يرتبط في ولائه الديني بالتصوف.

نموذج جديد

ويرى مكي أن الجديد على الخريطة الدينية السودانية هو بروز الجماعات السلفية مثل أنصار السنة والسلفيين ‏والإخوان المسلمين الذين نظروا للدين كمنهج للحياة ودخلوا به إلى آفاق المعاصرة والسياسة والاقتصاد ‏وربما شكَّل هؤلاء 10 في المئة وأقل من الخريطة السودانية أي في حدود 2 مليون هم وأسـرهم وأطفـالـهـم. ولكـنـه يشـير إلى أن ‏وزنهم السياسي والاقتصادي والمعرفي والعلمي أكبر بكثير من حجمهم العددي.
ومنذ استقلال السودان في خمسينيات القرن الماضي تبنى الحزبان الكبيران أطروحات إسلامية عبر هيئات تابعة لهما مثل هيئة شؤون الأنصار وهي الجناح الديني لحزب الأمة القومي و«الختمية» الذين يشكلون البُعد الديني للحزب الاتحادي الديمقراطي.

أحزاب دينية

لكن في السنوات الأخيرة نشأت أحزاب دينية صريحة منها حزب المؤتمر الوطني الذي استولى على الحكم في انقلاب عسكري وطبّق في السودان مشروعه الحضاري عبر أسلمة كل شيء في البلاد، وهو جناح منشق من «الإخوان المسلمون».
وظهر حزب التحرير الإسلامي الذي يسعى لإعادة الخلافة الإسلامية عبر برنامج واضح وفكرة محددة، وقد تبنى الحزب من هذه الفكرة القدر الذي يلزمه كحزب سياسي يعمل لإيجاد الإسلام في المجتمع، أي تجسيد الإسلام في الحكم والعلاقات وسائر شؤون الحياة، وقد وضّح الحزب كل ما تبناه بشكل تفصيلي في كتبه ونشراته التي أصدرها.
ومن الأحزاب الدينية الحديثة، حزب الوسط الإسلامي، الذي أُسِّس رسميًّا في تشرين الأول/اكتوبر 2006 بعد استقالة مؤسسه الدكتور يوسف الكودة من الأمانة العامة ومن المركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية. ويعتبر الحزب أن رسالته الأساسية هي العمل على معالجة الأخطاء المتكررة والتجارب المحسوبة على الإسلام ومراجعة وتصحيح ما يُسمى بالإسلام السياسي، وتقديم نموذج إسلامي مشرق فكرًا وتطبيقًا، قولاً وعملاً. يرفض الحزب الغلو والتشدد في الدين وتحميل النفوس فوق طاقاتها، كما يرفض أن تُحصر حقوق المواطنة في فئة قليلة في بلاد السودان متعددة الثقافات والأعراق والمعتقدات.
كذلك يرفض حزب الوسط الانقلابات العسكرية واستخدام القوة كوسيلة للوصول إلى السلطة، ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع. ويدعو إلى تطوير الديمقراطية في البلاد حتى تصبح أكثر توافقًا وقبولاً وواقعية.

الصراع الديني

ارتكز الصراع الديني في السودان على اختلاف المذاهب وكان يدور في غالبه بين المتصوفة والجماعات السلفية في المساجد والساحات والتجمعات الموسمية مثل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ولم يكن يحمل في جوانبه شكلا من أشكال العنف. ولم تكن السلطات الرسمية تتدخل إلا في حدود ضيقة لكن الوضع تغير في السنوات الأخيرة مما حدا بوزير الإرشاد السوداني عمار ميرغني لإصدار قرار في آب/أغسطس 2016 قضى بمنع الأحاديث الدينية في الأماكن العامة وأثار هذا القرار جدلا واسعا في الأوساط السياسية والاجتماعية.
ومن أكثر الجهات التي انتقدت القرار حزب التحرير الإسلامي في السودان، حيث وصف القرار بأنه يمثل تماهياً مع المشروع الأمريكي في الحرب على الإسلام واعتبره خطوة في التضييق على الدعوة الإسلامية.
وانتقل الصراع في العام الماضي إلى المناهج الدراسية حيث أثار حذف مقررات دراسية من منهج مرحلة الأساس والمرحلة الثانوية في السودان جدلاً بين طائفتي الصوفية وأنصار السنة تحول إلى معارك كلامية صاخبة.
وعلى خلفية الصراع الذي دار بين الطوائف الصوفية والجماعات السلفية طالبت هيئة شؤون الأنصار توسيع المركز القومي للمناهج، بحيث يضم أهل التخصص من كل المدارس الإسلامية لضمان عدم إدخال مفاهيم خاصة بتيارات بعينها وغير متفق عليها إلى المناهج الدراسية.
ودعت الهيئة أيضاً لإعادة هيكلة كل المؤسسات الدينية في الدولة مثل (مجمع الفقه الإسلامي، وهيئة علماء السودان، وديوان الزكاة، وديوان الأوقاف، ومجالس الدعوة وهيئة تزكية المجتمع).

رجل مثير للجدل

ومن الأشخاص المثيرين للجدل الدكتور محمد علي الجزولي المنسق العام لتيار الأمة الواحدة واشتهر بمساندته للفكر المتطرف وتم اعتقاله أكثر من مرة ويدافع عن أفكاره عبر صفحته في فيسبوك ويقول: «إن دعوتنا القائمة على تحقيق وحدة الأمة ونشر ثقافة الأعذار بين فرق المسلمين واجتهاداتهم، ليست خصما على أحد وليست مصدر خطر على أحد لذلك لا نتخفى لها بل نصدع بها معتزين مفتخرين».

محاصرة التطرف

وفي آب/أغسطس من العام الماضي أوضحت الحكومة السودانية أنها بصدد محاصرة (الإرهاب والتطرف الديني) اللذين انتشرا وسط الشباب، وأقرت بضرورة معالجة الفقر والبطالة والفساد، بوصفها من أسباب الغلو والتطرف.
وشهدت ندوة نظمها مجلس الشباب العربي والافريقي، بالتعاون مع السفارة الأمريكية في الخرطوم، العديد من المداولات حول هذا الأمر، لكن الحكومة رأت أن انضمام الشباب السودانيين للجماعات المتطرفة لا يزال محدودا.

تقارير واتهامات

وغضّت الحكومة قبل عامين الطرف عن تقارير استخباراتية غربية تفيد أنّ السودان أصبح يشكل مصدرا رئيسىا للمقاتلين الذين ينضمون إلى تنظيم «الدولة» الإسلامية المعروف «داعش» خاصة في ليبيا.
وأشارت تلك التقارير – التي نشرتها وسائل الإعلام المختلفة – إلى دور نظام البشير في هذا الأمر، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة.
ويرى الصحافي الهادي محمد الأمين، المتخصص في الجماعات الجهادية، أن الحكومة السودانية لم تتعامل مع تلك التقارير بالجدية اللازمة، ويقول لـ «القدس العربي» إنّ ما أثير عن علاقة السودان بتغذية مقاتلي «داعش» يستحق الجدية في التعامل معه، حتى لو كان التحاق السودنيين بتنظيم الدولة الإسلامية سلوكا فرديا، وذلك لأنّ السودان مصنّف ضمن الدول الراعية للإرهاب، وبذلك تصبح لهذه الاتهامات إنعكاسات خطيرة ومباشرة على حكومة.
وفي تقدير الهادي، أنّ السودان يعدُّ بالفعل من أكثر الدول التي تمد «داعش» بالمقاتلين، وإن تمّ ذلك بدون دور رسمي للحكومة، ويرى أنّ المقاتلين القادمين من السودان هم الأخطر في التنظيم لأنهم ـ في الغالب ـ تلقوا تدريبا متقدما في المراحل الأولى من حكم الإنقاذ، وتمت الاستعانة بهم لقتال حاملي السلاح في جنوب السودان قبل أن ينفصل.
ويقول إن معظم السودانيين الذين يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية لهم تأثير واضح في مسرح العمليات، وتقلّدوا مناصب قيادية على الرغم من صغر سنهم، وقادوا عمليات خطيرة تعرف لدى التنظيم (بالإستشهادية) سواء كان ذلك في سوريا أم ليبيا أم الصومال.

ظهور الغلو

وحسب الدكتور محمد خليفة فإن بوادر ظهور الغلو في السودان تزامنت مع مرحلة نهاية الجهاد الأفغاني، ومثّل دخول أسامة بن لادن ومعه بعض مجاهدي الأفغان العرب سبباً في علو موجة العنف، حيث فتح السودان أبوابه آنذاك لكل هؤلاء وغيرهم، بجانب تداعيات حرب الخليج الثانية، ورجوع كثير من الأسر السودانية لبلدهم بعد نهاية رحلة اغترابهم في دول المهجر، خاصة من دولتي الإمارات العربية المتحدة والسعودية، فبعض هذه الأسر كانت ذات خلفية وجذور دينية أقرب لمنهج الحركة الإسلامية السودانية الرافضة لمبدأ التدخل الخارجي والأجنبي في الخليج العربي.
ويرصد جوانب من تاريخ الغلو الفكري في السودان ويرى أن أول ظهور حديث لفكر التكفير في الساحة السودانية الحديثة كان على يد رجل يدعى أبو الحسن علي السماني، في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، الذي ألف وطبع كتابا جامعاً لمعتقدات مجموعته، لكنه تراجع سريعا عن تلك الأفكار.

ازدهار الفكر المتطرف

ويقول محمد خليفة إن فترة الثمانينيات شهدت انتعاش الفكر التكفيري، حيث بدأ التكفيريون في التمدد أفقيا ورأسيا، فكونوا خلايا ومجموعات تكفيرية، ظهرت في تشكيلات ومجموعات صغيرة في مناطق متفرقة من البلاد مثل منطقة أبو قوتة في ولاية الجزيرة وسط السودان، ومنطقة الفاو في ولاية القضارف شرق السودان، ومناطق الدمازين وما حولها في ولاية النيل الأزرق جنوب شرق السودان، ثم ظهر أفراد في مدن الدويم وكوستي في ولاية النيل الأبيض وسط السودان، كما ظهر بعض التكفيريين في العاصمة الخرطوم، واستوطن بعضهم في أحياء أم درمان (الفتيحاب ـ أم بدة ـ الثورات) والكلاكلات، كما ظهروا في الولاية الشمالية في بعض قرى ديار المحس.

عوامل داخلية وخارجية

ويُرجع خليفة تمدد وانتشار الفكر المتطرف لعوامل داخلية وخارجية من ضمنها مشاركة كثير من السودانيين في الجهاد الأفغاني في وجود أرضية للفكر الجهادي، بجانب توجُّه بعضهم للقتال في البلقان والبوسنة والهرسك لاحقاً، ثم بعد تطورات الأوضاع في القرن الأفريقي، ومشاركة عناصر سودانية في الحروب التي قادتها حركة الجهاد الإسلامي الإريتري وحركة الشباب المجاهدين بالصومال.

سيناريو حوادث العنف

ارتكب المتشددون حوادث عديدة راح ضحيتها العشرات من الأبرياء من ضمنها ما عرفت بحادثة أبو قوتة وكمبو عشرة في ولاية الجزيرة. ويروي خليفة أبرز تلك الحوادث وهي المجزرة الدموية التي ارتكبت في الرابع من شباط/فبراير 1994 وأطلق فيها الجناة النار على المصلين في صلاة الجمعة في مسجد «أنصار السنة» في منطقة الثورة/ الحارة الأولى في مدينة أم درمان، ونفذ ذلك الهجوم المسلح أحد معاوني أسامة بن لادن، ويدعى محمد عبد الله عبد الرحمن الخليفي (ليبي الجنسية) مع ثلاثة آخرين، حيث أوقع 16 قتيلاً، وجرح ما يزيد عن الثلاثين مصلياً، و«كانت الحادثة هي الأولى من نوعها ذات طابع يحمل جينات غلو ديني، ومنذ ذلك التاريخ بدأ سجل السودان والمشهد الديني والخريطة الدعوية فيه تعاني من ممارسات وأعمال عنيفة يقوم بها هؤلاء».
ثم جاءت حادثة أخرى تمثلت في إطلاق النار على المصلين في مسجد أبي بكر المحمد في حي الجرّافة شمالي مدينة أم درمان، وكانت في التاسع من كانون الأول/ديسمبر 2000 أثناء أدائهم لصلاة التراويح، وتعد من أكبر حوادث العنف والغلو، حيث قتل فيها (24) مواطناً، من بينهم أطفال، وجرح ما يزيد عن الأربعين.
في آب/أغسطس 2007 تم عن طريق الصدفة اكتشاف خلية تكفيرية مكونة من شباب اتصلوا بأناس داخل وخارج السودان، وبدأوا في صناعة العبوات الناسفة لاستخدامها في مرحلة معينة ضد مقار الأمم المتحدة وسفارات بعض الدول الأجنبية والأوروبية وأمريكا، وتراوح عدد أفراد خلية السلمة ما بين (25 ـ 35) عنصرًا، حيث هرب عدد منهم بعد الانفجار، وقبضت الشرطة التي طوقت موقع الانفجار على الموجودين من أفراد المجموعة.
وتعددت الحوادث خلال السنوات الماضية ومن ضمنها اغتيال الدبلوماسي الأمريكي جون غرافيل وسائقه السوداني عبد الرحمن عباس وتفكيك خلية إرهابية في منطقة الدندر كانت تقيم معسكرا للقتال وتستعد للقيام بتفجيرات، ثم ظهور أهل الصيحة الذين هجروا المدن للريف، وظهور تنظيم القاعدة في بلاد النيلين وهم مجوعة من الشباب بدأوا في تصنيع مواد متفجرة.

صلاح الدين مصطفى

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *