مواكب الختان الجماعي “ليلة القدر” في تونس.. إرث لم “يقطعه” الزمن

 


وسط صحن المقام المزخرف بمربعات الخزف مثل لوحات فنية، ترتفع أصوات زغاريد النساء القادمات في أفواج مواكب الختان الجماعي للأطفال لتعلو قبة مقام أبي زمعة البلوي البيضاء المطلية بالجير.

ويستقبل مقام أبي زمعة البلوي بالقيروان (وسط) منذ عشرات السنين في شهر رمضان، أعدادا غفيرة من الزوار تتضاعف ليلة السابع والعشرين من رمضان، والتي يسميها أهل المنطقة بـ “السبعونية”.

وينسب المقام إلى الصحابي الجليل أبي زمعة عبيد بن أرقم البلوي، ويوجد بالضريح رفاته الذي جلب من مدينة جلولاء (30 كلم غرب القيروان)، والتي استشهد فيها سنة 34هـ / 654م خلال الفتوحات الإسلامية.

ويقع الضريح على حدود المدينة العتيقة على مقربة من فسقية الأغالبة (المعلم المائي الفريد) وجامع عقبة بن نافع ضمن المسلك السياحي المخصص للسياح الأجانب.

ويمتاز المعلم من سائر معالم القيروان بنضارته وبهجة محيطه، ذلك أن المبنى يعود تاريخ إقامته إلى القرن السابع عشر، وتنم زخارفه عن مؤثرات أندلسية وعثمانية واضحة جدا، ويحافظ على تماسكه بفضل ما شهده من ترميم.

وتحرص عديد العائلات التونسية وخصوصا القيروانية التي لديها أبناء من الذكور، على تأجيل موعد الختان إلى هذا اليوم المشهود، وتتفاءل العائلات خيرا بمناسبة ليلة 27 من شهر رمضان، أملا أن تكون ليلة القدر.

وتتجهز العائلات للمناسبة بلبس الجديد وتتزين خصوصا بملابس تقليدية تتماشى مع خصوصية التراث المعماري العتيق للمقام.

ويُفرد الطفل المقبل على الختان بلباس مخصوص عبارة عن “جبة” تقليدية إما بيضاء أو حمراء تظهره كأنه أحد النجوم، وتوضع على يديه الصغيرة خضوب الحناء التي تزين يديه كأنه عروس، فيصبح الطفل المدلل الذي تجاب طلباته وتنفذ رغباته.

“ليلة 27 من شهر رمضان، مناسبة دينية مباركة ومن عادات عائلة زوجي مرافقة الطفل إلى مقام أبي زمعة البلوي ليزور المكان ثم يتم ختانه بالمناسبة”، تقول للأناضول فهرية (ثلاثينية) التي جاءت لختان ابنها (4 سنوات) وفق عادات عائلة زوجها.

ويشهد المقام حركة جلية للزوار الذين جاؤوا من عديد مناطق البلاد حفاظا منهم على هذه العادات في صحن المقام الكبير المربع الشكل، الذي تحيط به من ثلاث جهات أروقة مستندة إلى دعائم، وتطل منه مئذنة ذات طابع معماري أندلسي مرصعة بمربعات الجليز البراقة تحت أشعة الشمس.

وكلما تمر عائلة ختنت ولدها أمام أخرى وافدة، إلا وتبادرها بالتهنئة والقول “مبروك الدخول لدين الإسلام”، في إشارة إلى أهمية الختان في الإسلام.

وتنتهي الزيارة برش حافظ المقام ماء الزهر من المرش النحاسي من صنع حرفيي القيروان على رأس الطفل المختون وأيدي مرافقيه، كأنه ماء مبارك، فيمسح به الزائر وجهه ورأسه ويديه كأنما يريد أن تغمره نفحات الزيارة وبركة المكان، فيتصدق بدوره لفائدة المقام بنقود يضعها في صندوق مخصص للتبرعات، أو يسلمه مباشرة إلى حافظ المقام الذي رشه بماء الزهر.

ويشير الحبيب الدخيلي (خمسيني) أنه جاء إلى مقام أبي زمعة البلوي بمناسبة ليلة 27 من شهر رمضان، واستغلال المناسبة المباركة لختان ابنه، واصفا عملية الختان بأنها دخول إلى الإسلام، لذلك يحرص على ختان أولاده في هذه المناسبة.

ويؤكد الدخيلي للأناضول، أنه يختار “الطهّار” (الخاتن) التقليدي، الذي يستعمل في ختان الأولاد مقصه الحاد، بدل الطبيب، وفق تجربته.

حول تابوت المقام يتوزع 4 من الطهارة المهرة يتخذ كل واحد منهم زاوية بالضريح ومن حوله عائلة الطفل تهيئ طفلها، فيما يجهز الطهّار حقيبته ويعيد ترتيب معداته لتكون جاهزة للحظة الحاسمة، وتشمل المقص والقطن والمخدر الموضعي السائل والضمادات.

لحظات ترقب تمر ثقيلة على الأباء والأمهات، يمسك الأب عادة بابنه رفقة قريب آخر يكون عادة عم الطفل أو جده، فيما تقف الأم عند رأس طفلها تدعو له تارة وتزغرد تارة أخرى، وبينهما تفيض عيناها بالدموع وهي تستمع لصوت طفلها، فتعلم أن المهمة قد انتهت بنجاح، وأن دورها قد حان فتسارع إلى حضنه ولفه في لحاف أبيض.

ورغم انتقادات أطباء الجراحة، يواصل خالد عمله “طهّارا” منذ 28 عاما.ويقول خالد للأناضول، إن 26 من شهر رمضان يعد يوما مشهودا، تحضر فيه عشرات العائلات فرادى وجماعات إلى مقام أبي زمعة البلوي لختان أطفالها، مشيرا إلى أن هذه العادة لم تنقطع، ويواصل عمله في ختان الأطفال.

ورغم مهارته، يؤكد مقداد العبيدي (طهار بمقام أبي زمعة البلوي) حذره الدائم في التعامل مع الأطفال من أجل توفير وضع مريح لهم وعدم إثارة ذعرهم، وكذلك ضمان سلامتهم، وقد أصبح الطهار التقليدي يستعمل مادة التخدير الطبي الموضعي من أجل عدم إيلام الطفل.

عقب إتمام عملية الختان، يتعهد الطهار بمتابعة حالة الطفل، ويؤكد خالد أنه بعد يومين ينتهي الألم وتلتئم الجراح خاصة للأطفال اللذين يرتدون حفاظات، كما يشير إلى أن ماء البحر يعجل بالتئام الجرح وانتهاء الألم.

لا تنتهي عملية الختان بالمقام إلا بكسر الجرة على عادة أهل القيروان، وهي جرة خزفية تملأ بالحلوى والفواكه الجافة، تجلبها معها عائلة الطفل وعند مغادرته الضريح بعد إتمام المهمة، ترفع الجدة الجرة إلى الأعلى ثم ترمي بها على البلاط الرخامي، وسط صحن المقام، فتتناثر حبات الحلوى والفواكه فيما يتسابق الصغار والكبار للفوز بنصيبهم منها كأنه قطع ثمينة.

بمناسبة ليلة 27 من شهر رمضان، تختار عائلات كثيرة استغلال المناسبة لزيارة القيروان، فتبدأ جولاتها منذ الصباح إلى المساء بين أسواق المدينة العتيقة، فتقتني الخبز التقليدي وحلويات المقروض المحلية، وتزور المعالم الدينية، ثم تختم زيارتها بختان ابنها بالمقام.

وتنظم عديد الجمعيات الخيرية من مختلف مناطق القيروان عمليات ختان جماعي للأيتام وأطفال الفقراء، تحت إشراف السلطات المحلية، فيتم اصطحابهم إلى مقام أبي زمعة البلوي، لكن يتم ختانهم بمصحات وقاعات جراحة.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *