وجه شرير لفلاسفة الغرب

ذهب المفكر اللبناني جورج قرم في كتابه “شرق وغرب: الشرخ الأسطوري” إلى إن الغرب وديمقراطيته فشلا في إدراك التناقض الكبير في المبادئ التي أعلنها لتسويق نظامه الامبريالي، فأصبحت تلك الأفكار المثالية التي يدعيها، مجرد ديكور فارغ، وبالتالي فقدت القيم الليبرالية والديمقراطية التي بشرت بها مصداقيتها، وإذا كان قرم ينطلق في رؤيته من موقف الآخر العربي أو الشرقي، فإن في الغرب نفسه مفكرين شاركوه رؤيته تلك، ومنهم الفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير الذي ذهب في كتابه “كراهية الديمقراطية” إلى أن الديمقراطية الغربية إرتبطت بحرية مزدوجة أو متعددة الأوجه: حرية الفعل، وحرية فعل الشر وإحداث الفوضى، كذلك أثبت الصحفي الأميركي جريج بالاست، في كتابه “أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها”، بالوقائع والأرقام فساد السلطة في الولايات المتحدة التي يعتبرونها جنة الديمقراطية.
من نفس زاوية الرؤية الناقدة والواقفة على تناقضات الديمقراطية الغربية ينطلق الباحث السوري أحمد محمد الريس في كتابه “الوجه الآخر للحرية والديمقراطية في فكر فلاسفة الغرب”، الصادر مؤخرا عن الهيئة السورية للكتاب، وفيه يطرح رؤيته لكيفية التصدي للنظريات التي يروجها الفكر الغربي المعتمدة على رؤية الفلاسفة الأوروبيين والأميركيين تجاه العالم الآخر والدعوة لسيادة الغرب عليه وتفوقه.
وفي هذا السياق يتبني الباحث مقولة إن التاريخ يعيد نفسه، فإمبراطورية الإسكندر المقدوني استعمرت أراضي الشرق بتوجيه الفيلسوف اليوناني أرسطو، وكذلك الإمبراطورية الرومانية استعبدت شعوب المنطقة العربية جنوبي المتوسط بتشجيع من فيرجيل صاحب مقولة “أنت يا روما عليك حكم الشعوب”، وهي المقولة المعبرة عن مزاعم الامبراطوريات الإمبريالية الأوروبية التي استعمرت وأحرقت وأبادت شعوب آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية بأسانيد من أغاليط وأباطيل المستشرقين، حتى هوميروس في ملحمتيه الإلياذة والأوديسة، كذلك في اشعار سيموئيديس وغيره من شعراء الملاحم الأغريقية نجد تمجيدا لقتل الآخر، وإشادة بالعنف والسادية، وتصويرا لروح عنصرية وطبقية متعالية، كذلك يجد الباحث عند فلاسفة اليونان مبدأ القوة والصراع عند هيراقليطس وأرسطو، وطوباوية أفلاطون كرست لمبدأ النخبة الطبقية، وتجلت الثقافة اليونانية في فلسفة القوة والعنف التي اتبعها النبلاء والقراصنة والكهنة والملوك.
مؤدلجو الشَّر
يُبين الباحث أن تمجيد الطبقة الأرستقراطية والأوليغارشية ونظام الأبارتايد، لم يكن وليد السنوات الأخيرة، فأدلجة المجتمعات وفق كتاب أحمد الريس، بدأت قبل الميلاد منذ الديمقراطية الأثينية التي حملت في طياتها مفهومي التمييزي طبقيا وعنصريا، ودعمت حكم الطغاة والنُّخَب الغنية والعسكر، بإسنادٍ فكري قدَّمه كل من سقراط وأفلاطون وأرسطو وهيراقليطس وزينوفون. هؤلاء حاربوا الديمقراطية الشعبية، ورسخوا لميراث العبودية، وبرّروا استعمار الشعوب واستعبادها.
وعلى منوالهم سار مفكرو الغرب من ميكيافيللي وتوماس هوبز ولوك وسميث ومونتسكيو، وكل الذين استمدوا أفكارهم من الموروث الإغريقي وسطوة الإيديولوجيا الميتافيزيقية والمادية، وأدلجوا ديمقراطية النخبة التابعة واقتصاد قراصنة السوق، ورسّخوا حرية المُرابين وزعماء المؤسسات والمنظمات المافيوية الاحتكارية للسيطرة على الشعوب بالقوة والعنف المنظم. كما برروا النزعة العنصرية مُجسِّدين السلطة البرجوازية الحديدية في مجتمع المدينة المستقل عن الدولة.
المفكرون والفلاسفة والاقتصاديون والسياسيون الليبراليون في العصر الحديث، ساروا أيضاً ـــ وفقا للباحث ـــ على نهج فلاسفة عصر النهضة، وأسسوا الليبرالية الجديدة المتوحشة، وكانت الصهيونية من إفرازات الليبرالية ومن أدواتها، كذلك عولَموا آليات الدمار، وخصخصوا المافيات الارتزاقية وجيوش حلف الناتو لتفكيك وحدة الشعوب وتدمير الدول والسيطرة على ثرواتها بالقوة.
الكاتب عند نيتشة الذي عزز ثقافة القوة والعنف وممارسة الحرية الفردية المطلقة بلا قيود، وجعل من إرادة القوة محركا للتاريخ فهو القائل “البشرية يتم التضحية بها من أجل نوع من الرجال هم الأكثر قوة، ليسودوا، وهذا هو التطور”، وهو أيضا القائل “المتفوق الذ يقر بأن البشر غير متساويين ولا يمكن أن يتساووا”.
وينقل الباحث عن جيل دولوز في كتابه “نيتشة والفلسفة” أن نيتشة ركز على الصيرورة المادية وصيرورة الفكر اليهودي للسيادة التي تمنح المتفوق حق كتابة التاريخ، إنها صيرورة ولادة المآسي التراجيدية، التي تعتمد القوة والعنف للسيطرة على الآخر.
كذلك يذهب الباحث إلى أن تفكيكية دريدا جاءت كمشروع صهيوني، فقد انطلقت من نظرية التراث الحلولي ضمن شبكة التناص وصيرورة التحول، كما انطلق دريدا من مفهوم فصل الدال عن المدلول معتمدا على مفاهيم الاختلاف والإرجاء وتناثر المعنى، والتراث الحلولي المؤدي إلى صيرورة يهوه، الذي جعل اليهود شعبا مختارا، لذا يتحقق الإصلاح الكوني بتجميعهم بعد الشتات ليتربعوا على عرش الدولة العولمية. هكذا عززت التفكيكية الصهيونية بتفكيكها لوحدة الشعوب وإجبارها على فتح حدودها وأسواقها. ومثلهم ميشيل فوكو الذي أعلن صيرورة العبودية وتقويض ثنائية الفكر الديني والإنساني في قالب اللذة السادية، وهنري كيسنجر وجابوتسكي وبرنارد هنري ليفي الذين نظموا المافيات الإرهابية، وأعلنوا سياسة الأرض المحروقة، ومشروع الدولة العبرية للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط.
نماذج إيجابية
على النقيض من مؤدلجي الشَّر، يقف الباحث مطولا أمام أفكار ثلاثة من النماذج الإيجابية في الفكر الإنساني هم: جان جاك روسو، الذي كان أول مفكر غربي يدعو إلى المساواة والعدل، وصون حريات الإنسان وحقوقه، وفي كتابه “العقد الإجتماعي” حدد مفهوم الحرية بمعناها الإنساني وهاجم العبودية والرق.
وبعده جاء كارل ماركس منتقدا دولة هيجل الطبقية، ورأسماليتها التي تضمن ثراء النخبة في مقابل شقاء الشعب، مما يخلق الصراع الطبقي ويؤدى إلى نشوب الحروب، كما دعا إلى حرية الإنسان وحقوقه مقرونة بالواجبات.
وثالثهم أنطونيو غرامشي الذي رأى الحروب والأزمات الإثتصادية نتاجا للراسمالية وأيديولوجيتها العنصرية، فدعا إلى نظام اقتصادي جديد عادل وحضاري، وإلى اعتماد ثقافة المقاومة إزاحة قوى الشر واحترام حرية الشعوب وسيادتها.
والكاتب يرى أن الصراع ينبغي أن يكون سياسياً وثقافياً لإحداث عملية التغيير، مع إدراكه لجبروت النظام الرأسمالي وسيطرته على الاقتصاد والعسكر والتكنولوجيا، مما يجعل أمر انهياره صعباً للغاية. (خدمة وكالة الصحافة العربية)

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *