الحالمون بـ”الحوريات” يُكفّرون دُعاة الحريات

-وسام حمدي

ما نجحت في تحقيقه الجماهير التونسية التي اجتاحت شوارع موسكو في مونديال 2018 وغصّت برقصها وغنائها الساحة الحمراء بما تحمله من رمزية تاريخية نخبا للحياة وانتصارا للحداثة والتقدّمية للبرهنة على أن تونس بريئة من الإرهاب والإرهابيين، كسّرته داخليا حوافر خيل دعاة التطرّف والقتل والسحل الذيّن شنُوا بأبشع أدوات الحضارة حملات تشويه وتكفير مُمنهجة ضدّ بشرى بلحاج حميدة رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة التي قدّمت مؤخرا للرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تقريرا ثوريا حول الحريات في كل تفصيلاتها.

 

ما إن قدّمت لجنة الحريات الفردية والمساواة مطلع شهر يونيو تقريرها المفصّل للرئيس التونسي والذي يتضمن قرابة 220 صفحة كانت كافية لتزرع في قلب غالبية التونسيين بمختلف مشاربهم الأيديولوجية أملا جديدا في إمكانية ميلاد تونس جديدة ديمقراطية وعصرانية ومواكبة لدستور الجمهورية الثانية المصادق عليه في عام 2014، حتى انهالت دعوات الحالمين بـ”الحور العين” لسحل أو نصب المشانق للنائبة بالبرلمان ورئيسة اللجنة بشرى بلحاج حميدة.

 

في قلب الأزمة السياسية الخانقة التي تعيش على وقعها البلاد منذ أشهر، ظهر بما لا يدع مجالا للشكّ أن الإسلاميين في تونس وفي مقدّمتهم حركة النهضة متمكنين جيّدا من أوراق وخيوط اللعبة السياسية في البلاد، وبكل ذلك لم يكن مستغربا كل الجدل الدائر حاليا بشأن تقرير لجنة الحريات والمساواة الذي جاء وفق كل المراقبين والمعنيين بحقوق الإنسان محليا ودوليا ثوريا ومنتصرا بصفة قاطعة لأسس الدولة المدنية.

 

بداية الانزعاج من تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، ترجمتها العديد من دعوات بعض الدعاة المغالين في الدين والهادفين لسلب الحريات نُطقا باسم الله، ومن بينهم عادل العلمي الذي حرّض بشكل مباشر ضدّ أعضاء اللجنة وعلى رأسهم بشرى بلحاج حميدة بدعوته الصريحة إلى محاكمتها شعبيا بل وإلى رجمها أمام “المؤمنين” حسب تعبيره الديني.

 

لم يقتصر التشكيك في نوايا أعضاء لجنة الحريات أو حتى في إسلامهم على بعض الوجوه المألوفة والمتخفية وراء ستار الإسلام، لتظهر هذه المرة في سابقة منذ بناء الدولة الوطنية التونسية عقب الاحتلال من المستعمر الفرنسي في خمسينات القرن الماضي، ثلة من مشايخ جامعة الزيتونة أعلنت بصريح العبارة أن كل بنود تقرير لجنة الحريات علمانية ومناقضة لشرع الله ممّا يعني وجوبا اصطلاحا أو لغة الانسلاخ عن الدين.

 

وبحسب بحث أساتذة في أصول الدين والشريعة وعلى لسان رئيس جامعة الزيتونة هشام قريسة، فإن تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة “مناقض للقرآن والسنة وما هو معلوم من الدين وأجمعت عليه الأمة”. الحكم القاطع الذي أصدره رئيس الجامعة استند إلى أن التقرير مس “من حكم تحريم الزنا واللواط والسحاق ومخالف لأحكام الأسرة في الإسلام، من ذلك أحكام النفقة والمهر والميراث”، مشددا على أن التقرير “يلغي المصطلحات المعبرة عن الهوية الإسلامية” من قبيل المسلمين، الشرع وغيرها.. ليصدر حكمه بأن التقرير صادم لهوية الشعب ومعتد على مقدساته ودينه.

 

ولئن كان الضرب الممنهج والتحريض، ضد النائبة بالبرلمان بشرى بلحاج حميدة متوقعا، فإن صلاح الدين الجورشي (سليل الفكر الإسلامي) بدوره، وهو عضو لجنة الحريات، لم يسلم من عمليات التحريض والتكفير والعنف اللفظي.

 

وأعرب الجورشي، الذي كان من مهندسي تقرير الحريات، أنه كان يتوقع مثل هذه الحملات الممنهجة بالنظر إلى ارتفاع سقف مطالب الحريات، إلا أنه شبه الجدل الدائر حول التقرير وما تواجهه اللجنة بما وقع للمفكر والمصلح التونسي الطاهر الحداد الذي تعرّض لهجمة شرسة بعد نشر كتابه “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” في ثلاثينات القرن الماضي، حيث وقع تكفيره وتجريده حتى من الشهادة التي تحصل عليها من المؤسسة الزيتونية (منارة الدين في تونس).

 

وكان نزول مؤسسة جامعة الزيتونة، بثقلها، لنقد تقرير لجنة الحريات المتضمن لمقترحات إصلاحية تخص مواضيع حساسة كالمساواة في الإرث وإلغاء عقوبة الإعدام أو الحريات الجنسية بمثابة المدخل أو الهدية لبعض أئمة المساجد الذين خصّصوا خطبة الجمعة للتهجّم على أعضاء اللجنة وتحديدا على رئيستها بشرى بلحاج حميدة.

 

وأكدت لي بلحاج حميدة، سليلة الفكر اليساري ومن مؤسسي جمعية النساء الديمقراطيات عام 1989 في حديث دار بيننا أن حملات التحريض الممنهجة ضدّها شخصيا وضد زملائها من اللجنة، لن تثنيها عن المواصلة في الدفاع عن الحريات والمضي قدما في بناء تونس حرة وتقدمية، مشيرة إلى أن الجدل الذي أثاره التقرير يتطلب وجوبا مراجعة العديد من الأشياء في تونس الثائرة.

 

وأكدت أن لديها تسجيلات صوتية تثبت أن بعض أئمة المساجد وتحديدا بأحد بجوامع تونس العاصمة حرّضوا ضدّها بل وشككوا حتى في دينها. وأشارت رئيسة اللجنة، إلى أن لديها جزما بأن كل الذين ينتقدونها ويكفرّونها لم يطّلعوا على التقرير بل تحركّهم نوازع متطرّفة فيها جانب سياسي ولا تمت للدين الإسلامي بصلة.

 

وحذرت بشرى بلحاج حميدة من أن العنف اللفظي والتحريض لا يؤديان في النهاية إلا إلى العنف أو الاغتيالات، مستشهدة بما وقع للناشط اليساري شكري بلعيد الذي تم اغتياله بيد الإرهاب في فبراير عام 2013. وانتقدت كيف أن الحسابات السياسية تخرس أصوات الأحزاب المدنية والحداثية التي لم تعلن عن موقف واضح من تقرير لجنة الحريات والمساواة.

 

تزامنا مع تشابك وتعقد الأزمة السياسية الخانقة في تونس التي تداخلت فيها ثنايا مستقبل حكومة يوسف الشاهد وهوس كل الأحزاب بالانتخابات الرئاسية في عام 2019، نجحت حركة النهضة في خطوة تكتيكية في مسايرة الرياح بانتزاع ملف الجدل الدائر حول لجنة الحريات وتوظيفه لخدمة أجنداتها ومخططاتها السياسية.

 

أطلّت النهضة، بعد يومين فقط من إعلان ناطقها الرسمي عماد الخميري عن نية زعيمها راشد الغنوشي الترشّح للانتخابات الرئاسية المقبلة، لتُدافع عن لجنة الحريات وعن رئيستها بشرى بلحاج حميدة أكثر حتّى من الأحزاب التي تدّعي الحداثة والتقدمية، في خطة اتصالية مدروسة تولى تنفيذها الذراع اليمنى للغنوشي لطفي زيتون الذي فاجأ الجميع بمن في ذلك الغاضبين على تيار وتوجهات العنوشي من صقور النهضة بتصريح قال فيه إنه متضامن بصفة تامة مع بشرى بلحاج حميدة رغم الاختلافات السياسية والفكرية بينهما. وكانت النهضة قالت في بيان عقب صدور التقرير إنه يعد “منطلقا لحوار مجتمعي”.

 

وفي هذه الأزمة التي تعيد إلى الأذهان معركة الهوية في السنوات الأولى لثورة يناير 2011، بقيت كل الأحزاب اليسارية والتقدمية وفق الملاحظين على الربوة متأملة ما يحصل من تطورات بالكثير من الخوف والتلعثم والارتباك رغم أن الأزمة تخصّ أهم مرتكزات أدبياتها الفكرية. واعتبر مراقبون أن أحزابا مثل الجبهة الشعبية (تجمع أحزاب يسارية) أو أحزاب حركة مشروع تونس وآفاق تونس والبديل التونسي، لم تكلّف نفسها عناء إصدار بيانات تندّد بما وقع من تحريض ضدّ أعضاء لجنة الحريات والمساواة، واكتفت بتذييل بعض بياناتها السياسية للتعريج على الأزمة بصفة باهتة وبرقية.

 

ويفسّر الكثير من المتابعين، خذلان الأحزاب اليسارية والعلمانية لملف الحريات والمساواة الذي يرتبط عميق الارتباط بمستقبلها السياسي، بتخوّفات مبنية على تكتيكات سياسية مرتكزة بالأساس على التطلع إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية في عام 2019، أي بمعنى التوجّس من أن تُوجّه لها أصابع الاتهام أو حملات التكفير التي قد تفقدها الرهان على شرائح اجتماعية واسعة وهامة في الاستحقاقات الانتخابية المنتظرة بعد فشلها الذريع في كل المحطات السابقة وآخرها الانتخابات المحلية التي تصدرتها القوائم المستقلة وحركة النهضة.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *