رجل دين مسلم في بغداد يتثقف بالموسيقى ويتردد على دير اللاتين

يشكل الشيخ جلال الحنفي (1914- 2006)، مثالاً على وسطية نادرة بين رجال الدين في العراق خلال القرن الماضي، لجهة انفتاحه على الثقافة الدنيوية بثقة، فهو باحث في الآداب والفنون وتحديدا الموسيقى البغدادية منها، ناهيك عن صلاته المعرفية والروحية بممثلي الأديان الأخرى وتحديدا المسيحية، فهو لا يتردد عن التعلم بين أروقة دير اللاتين ببغداد.

 

هو رجل دين مديني بمستوى مدينة تهذب الروح والفكر كما بغداد في الثلث الأول من القرن الماضي، فهذبته المدينة التي وعى نحو 80 عاما من قصتها المعاصرة “ أدركت من القرن العشرين ما يزيد على ثمانية عقود، فأنا الآن متذكر من هذه العقود أوائل أيامها وسوابق أحداثها وملامح التطور فيها، وأنا متذكر كذلك ما تلا ذلك، ولبثت أتابع حياة البغداديين متابعة دقيقة حتى تفقهت فقه أدبهم ومن ذلك أمثالهم ونكاتهم وأغانيهم مما يدخل في إطار لغتهم ومصطلحاتهم وتابعت ما استطعت صناعاتهم وحرفهم وسننهم الاجتماعية وأعرافهم البيئية“ (1).

 

وقد كان مما دفعه إلى ذلك، أن العهد الذي نشأ فيه كان من خصائصه نشاط مثل هذه الدراسات، إذ كان في مقدمة من ظهر في الساحة يومذاك العلامة الاب انستاس ماري الكرملي “وكنت قد اتصلت به وانا ما ازال طالباً في الصف الخامس الابتدائي وواصلت التردد عليه في دير اللاتين ببغداد وآخرون من رجال الصحافة الذين وجدناهم على جانب كبير من الحرص على هذا النمط من التدوين الشعبي الشامل“.

 

عرف حتى السبايات الحسينية

 

لم يترك شاردة وواردة في حياة البغداديين إلا وتلمسها لمس اليد، بعد أن نظر إليها بالفكر والتمعن وبل تردد على كل مكان وعلامة حياة فيه “فشاهدت (القصة خون) الذي يسرد سيرة عنتر بن شداد العبسي في بعض المقاهي في محلة الفضل ورأيت صراع الديكة، وشاهدت الدلالين يعلنون بيع البيوت وإيجاراتها في المقاهي.. ولاحظت وسائط النقل البرية والنهرية حتى أني ركبت في احد الأيام (الكاري) الذي كان واسطة نقل مألوفة بين الكاظمية وبغداد في جهة الكرخ ولم اكن اريد بذلك الوصول الى مكان ما، ولكن لمجرد أن أرى مذاق مثل هذه الوسائط وما تحدثه في النفوس من نشوة، وشاهدت (الزور خانات) ومصارعة البهلوانية، بل أني اشتركت في زور خانة (مهدي زنو) رحمه الله في الدهانة، وصليت في معظم مساجد بغداد واخترقت معظم الأسواق ومنها سوق (القاطر خنة) وسوق الغزل وسوق الهرج وسوق الصفافير وسوق حنون، وكنت اتبع السبايات التي كانت تمور في بغداد، وأدرك بعض حالات السفور في اول بروزه في البلد“(2).

 

الديني والدنيوي

 

وإذا  هو لم يجاوز الخامسة عشرة من سني حياته التحق بمجلة “الهداية الاسلامية“ ومن بعض أعماله فيها قيامه بجباية (الاشتراكات) في أماكن متقاربة ومتباعدة، وعرف الكثير من أمر الناس وطبائع السكان، وتعرف منذ الصغر على اكبر مجموعة من علماء الدين وأئمة المساجد. كل ذلك جعل ذاكرته تزدحم بالمعلومات البغدادية الجمة الكثيرة. وإذا كان التطور الذي حصل في بغداد سريعا غير بطيء فقد اختزن كثير من ذلك في ذاكرته وبات يستطيع الرجوع إلى ما بعد تشكيل الدولة العراقية المعاصرة 1921 بقليل، ليرى كيف كانت الأشياء والأوضاع والتقاليد والمشاهد. فعرف أول اختراع لفت أنظار الناس في بغداد في العشرينيات هو (الفوتوغراف) الذي عرّبه اللغويون إلى (الحاكي)، وكانت الناس تستمع إليه في المقاهي وفيهم من امتلك مثل هذه الاجهزة في بيوتهم اذ كانت توضع الاسطوانة على مكان مخصص لها في هذا الجهاز وتوضع عليه الإبرة التي يسمونها (الاكنة) وهناك بوق ينبعث منه الصوت. وقد ساعد الحاكي هذا على نشر المقامات العراقية في مختلف الاوساط.

 

لقد كان أهل بغداد يجتمعون حول (الحاكي) وهم يتعجبون كيف يخرج هذا الصندوق الصغير أصواتا لأناس كثيرين وكان بعضهم يدور حول الصندوق ليرى ماذا بداخله، وفي تلك الأيام نظم بعض الشعراء قصائد في وصف هذه الأعجوبة النادرة، ثم مضت الأيام فإذا بالراديو يظهر في بعض البيوت فتستمع الناس إلى أصوات ينطق بها الناطق في مصر ويسمعها السامع في بغداد “وكنت في أواخر العشرينيات أمشي مع صديق فمررنا ونحن في محلة (دكان شناوة) ببيت فقال لي انظر إلى هذا الشباك فان فيه سلكا ظاهرا على الطريق يجلب الاخبار من مصر فكذبته وأسكته إذا كان ما قاله مما لا تصدقه العقول يومذاك، وكان عبد العزيز البغدادي وهو صاحب محل للسجائر يمنح جوائز لمن ينجح في سباقات كان ينظمها فكان يقم له هدية واحدا من هذه الراديوات وذاك قبل انتشارها في الأسواق، ثم ظهر الراديو في بعض المقاهي، وقالت العامة في بغداد أن هذا من عمل الشيطان فلما سمعنا القرآن الكريم يتلى من اذاعة مصر عدلت الناس عن نسبة الأمر إلى الشيطان وانتشرت الراديوات في البلد وقل انصراف الناس إلى (الفونوغراف) وبعد مرور عدة عقود من الزمن ظهر التلفزيون الذي كان يعمل على شاشة غير ملونة“.

 

ادرك الحنفي بغداد وهي تتحرك نحو التغيير في أزقتها وأحيائها، اذ كانت لهذه الأزقة والأحياء أبواب تغلق بعد صلاة العشاء فلا يدخلها داخل ولا يخرج منها خارج إلا في ليالي رمضان فأنها تبقى مفتوحة حتى الفجر، وقد شهدت هذه الأبواب في بعض مواقعها أن بغداد كانت مدينة مسورة ذات أبواب فخمة منها الباب الذي يقع في منطقة باب المعظم كما شهدت الباب الذي يقع في جهة الباب الشرقي ومكانها اليوم ساحة التحرير وما تزال هناك باب في جهة الشيخ عمر، اما الباب الرابعة وهي باب الطلسم فقد أزيلت أواخر العهد العثماني إذ كانت مستودعا للبارود وقد نسف بالبارود الذي فيه خشية ان يستولي عليه المحتلون الانكليز، وكانت هناك باب الخامس تقع على النهر في جهة الجسر العتيق وكانت تسمى باب الاغا وقد ازيلت من زمن بعيد، وكان لبغداد سور يحيط بها من جهاتها الاربع ومن ذلك جهة النهر، جاء على ذكر ذلك بعض السياح الاجانب والان منهم من حدد طوله بالمشي حوله ساعتين ومنهم من استعمل في قياس طوله الياردات ومنهم من استعمل الخطوات وكانت بغداد محاطة بخندق ضيق وذي عرض ظاهر شاهدت منه ما كان بين المعدان والسور والمستشفى المجيدية الذي هو في كلية الطب اليوم.

كتابات

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *