معشوقتي اليابانية..

حسين عبدالبصير

 

تحمل مظلتها الصغيرة ذات المثلثات الطولية البيضاء والسوداء. تسير بجسدها الضئيل بسرعة تحت زخّات المطر المتساقطة تحت سماء طوكيو الغائمة. أرنو إليها من بعيد سعيداً. أهبط مسرعاً من السيارة السوداء الكبيرة. أقترب منها حيث تقف تنتظرني. تبتسم غير مصدقة أنني أخيراً أمامها. تسقط المظلة من يدها. ومن يدي أيضاً. نتعانق بقوة. نطيل العناق. نغيب عن الوجود. لا نلتفت لدهشة الموجودين وسط الشارع المتحلقين حولنا.

 

يدها في يدي. نتجه إلى القصر الإمبراطوري الكبير حيث نحب أن نبدأ زيارتنا لطوكيو. نستعيد ذكرياتنا. نقف قرب حافة القصر. نرى المجرى المائي الذي يُستخدم كتحصين دفاعي يحمي القصر. نراقب قطرات المطر، والجو الغائم في نهاية آذار (مارس). نسير في اتجاه الساحة الموجودة أمام القصر. طفلان يلهوان. نستعيد لحظات البهجة التي جمعتنا من قبل. لا نريدها أن تهرب من بين أيدينا هذه المرة.

 

مضى عامان على آخر لقاء جمعنا في طوكيو. حينها كنت في رحلة عمل سريعة إلى سنغافورة. في طريق عودتي، توقفت في مدينتها الكبيرة الخالدة. تضم حبيبتي الجميلة، نعومي تازاوا. نتناول العشاء في مطعمنا المفضل في طوكيو. المطعم الذي يعود إلى القرن التاسع عشر من نهايات عصر إيدو. عندما انتقلت العاصمة من كيوتو، إلى طوكيو التي كانت تعرف بـ «إيدو» من قبل. يحضر النادل وجبتنا المفضلة: السوشي. يحضر لنا شرابنا المفضل، الشاي الأخضر في كوب خشبي كبير. يحضره ثلاث مرات كالعادة. أحضر لنا ما نحب: الفول الأخضر المسلوق ذي الحبة الكبيرة. أحضر لنا الشوسي بعد طول اشتياق. وكذلك صلصلة الصويا البنية التي نغمس السوشي فيها، فتعطيه مذاقه الساحر.

 

نتناول السوشي بهدوء. باستمتاع. أنظر في عينيها. أرى الشوق يطل منهما. أعلم. لا تريدني أن أرحل هذه المرة. جميل أن تبدأ قصة حبنا وتستمر على البُعد، رغم مرور السنين. صمدت أمام تقلبات الزمن. يبقي حبُنا حياً بذكرياتنا ورغبتنا القوية في استمراره.

 

يقترب وجه نعومي من وجهي أكثر. أغوص في سحر عينيها المحمَّلتين بروعة الشرق الأقصى وغموضه، ولمسة الغرب أيضاً. أنظر في عينيها أكثر. أتأملها. ألوم نفسي على هجرها. هربت منها كثيراً. لم أقدر على اتخاذ قرار الزواج منها. لماذا لم أضع حداً لهذه العلاقة مع هذه المرأة؟! لا أستطيع الحياة من دونها! لا أريد أن أرتبط بها. أخشى أن يذهب حبي لها في سلة الذكريات! يضيء وجهها البيضاوي الأبيض الصغير وسط شعرها الأسود القصير. نبوح بحب كبير عائش. نتحدى السنين. تشع عيناها وسط إضاءة المطعم الخافتة. بريق عينيها يأخذني إلى عالم آخر غير الذي أنا فيه.

 

تعمل في أحد المتاحف الخاصة في طوكيو. حصلت على درجة الدكتوراه من جامعة ليفربول العريقة؛ حيث التقينا للمرة الأولى. كانت أول يابانية تحصل على درجة الدكتوراه في المصريات. أصبحت أول أمينة متحف في المصريات في اليابان.

 

كانت تبدو مختلفة تماماً عن الإنكليزيات اللائي عرفتهن قبلها، أو حتى الأوروبيات عموماً، أو الأميركيات الزائرات للمدينة أو للجامعة. لفت نظري إليها نشاطها الكبير، ودأبها الذي ليس له مثيل، وذكاؤها الشديد وإرادتها القوية، وابتسامتها المرحبة، وخجلها الشرقي، وحنانها الذي يحتوي العالم.

 

بدأت علاقتنا في تلك المدينة الإنكليزية العريقة. أثارت إحساسي. جعلت مشاعري تتجه نحوها. تعلق قلبي بها. بعد أن كنا أصدقاء، صرنا عاشقين. لا يفارقان بعضهما البعض ليل نهار. هي دفقة المشاعر والأحاسيس في حياتي الجافة في غيابها.

 

ننهي طعامنا. نخرج إلى الشارع الكبير. تتأبط ذراعي. تتوقف وسط الشارع الخالي في قلب الليل. تنظر في عينيَّ طويلاً. أطبع قبلة فوق شفتيها. بعد برهة. نفيق من القبلة. تسألني: «هل ترحل هذه المرة أيضاً؟». أحضنها بقوة. أقول: «لا». نغيب في قبلة طويلة. نكمل بعدها سيرنا في الشارع الطويل نحو مترو الأنفاق. نذهب إلى شقتها الجميلة في منطقة أُوانوو. تطل على حديقة أُوانوو العامة. حيث المتاحف وقاعات الفنون وجامعات الفنون الجميلة. نقضي الليل في أنشودة عشق

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *