رسام عراقي يعري العنف والطائفية بريشة مدادها السخرية

ليس من اليسير كسر التابوهات وتجاوز الخطوط الحمراء في بلد مثل العراق تنتشر فيه أعمال العنف شبه اليومية وميليشيات مسلحة لا تردعها القوانين فضلًا عن عصابات الجريمة المنظمة.

إلا أن رسام الكاريكاتير أحمد فلاح أطلق العنان لريشته للمضي قدمًا في هذا الطريق الشائك وهو ما عرض حياته للخطر واضطره إلى التواري عن الأنظار والتنقل في مسكنه بين عدة أماكن سرية.

خطّ فلاح بريشته مئات الرسومات، تعمّق من خلالها في الواقع العراقي إلى أقصاه السياسي والأمني والاجتماعي، حتى أنه بات يتقصى عن الحقائق كأي صحفي استقصائي، ثم يُوثقها على الورق.

تعكس رسومات فلاح الواقع الأمني المتردي للعراق على مدى سنوات طويلة، ونظام المحاصصة المتبع في توزيع المناصب، والامتيازات بين أحزاب نافذة في بلدٍ يُعد واحدًا من بين أكثر دول العالم فسادًا.

كما تُصوّر رسوماته بوضوح نفوذ إيران المتصاعد في البلد، وتدخلها في الشؤون الداخلية ودورها الرئيسي في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة منذ إسقاط النظام السابق في 2003، فضلًا عن تمويلها لفصائل شيعية مسلحة متهمة بـ”ارتكاب انتهاكات بحق المدنيين”.

البداية من ورشة نجارة

يسرد فلاح خلال حديثه من مرسمه الذي طلب عدم الإشارة إلى موقعه كيف بدأ بالرسم على أي شيء، منذ كان طفلًا يعمل في ورشة النجارة الخاصة بوالده.

ويقول “كنت أرسم على الأخشاب قبل تغليفها بالقماش رسومات أطفال بالقلم الرصاص أحيانًا، ورسومات سريالية أحيانًا أخرى. ومرّات كنت أحاول النحت في الخشب. كنت في البداية أحاول تحويل الأشياء التي أمامي إلى رسومات: المطارق، الباصات، كؤوس الشاي وأباريقها، والخبز، وبعض الأشخاص”.

وتذكر بداية مسيرته كرسام كاريكاتير قائلًا: “تقريبًا وأنا في الـ19 من عمري، رسمت قاسم عطا المتحدّث العسكري السابق، إذ كانت بغداد والعراق عمومًا يحترق كل يوم، وهو بطريقته المزيفة للواقع يحاول رسم صورة وردية عن حالنا لا يراها سواه”.

أرسل فلاح رسمته الكاريكاتيرية الأولى إلى صحيفة عراقية (لم يذكر اسمها)، لكنها لم تعرف طريق النشر.

لتنبيه من خلال الرسم

لا يقتصر فهم فلاح للرسم على أنه وسيلة جمالية أو فنية فحسب، بل هو يتخذها أداة جادة للتنبيه بشأن قضايا مختلفة تحدث في بلده.

وتحدث عن ذلك، بالقول “تنبيه الناس إلى ما يحدث حولهم، إظهار جانب الزيف في الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. تنويرهم وتذكيرهم.. تفتيح عقولهم ليس من خلال توجيههم، فأنا لا أملك هذه القدرة، وإنما جعلهم يفكّرون خارج العقال الذي تحاول الأحزاب والجهات السياسية، المحليّة والإقليمية والدولية، وضعه على رؤوسهم وتعميتهم عن رؤية جميع جوانب الأحداث”.

وأضاف: “أعتقد أن رسوماتي السياسية والقضايا الشائكة تنطلق من منطلق أخلاقي، وسط الخراب الذي نعيشه سابقًا وحاليًا. أعتقد أن الأخلاق يجب أن تُعلى قيمها خصوصًا ونحن اليوم نشهد تهاوي القيم الأخلاقية، على الصعيد السياسي على أقل تقدير، وتأثيره بشكل مباشر في المجتمع”.

ريشة لا تعترف بـ”الخطوط الحمراء”

لا ينفك فلاح عن تناول أية شخصية، مهما كانت درجة القدسية المرسومة حولها مجتمعيًا، إذ يخشى الكثير من العراقيين انتقاد رجال دين شيعة أو زعماء فصائل شيعية مسلحة نافذة.

وعن هذا يقول، إن “الخطوط الحمراء صنعها أصحابها بالدم.. ليس لديّ خط أحمر لأني لا أؤمن بأي خطّ أحمر سوى الإنسان وقيمته ومعناه، الخط الأحمر فُرض بالتخويف وإرهاب المختلفين معه”.

حرب مع الارهاب والميليشات بالرسم.. وضريبة

شأنه شأن “الكثير من أبناء بلده ممن حاربوا الإرهاب كل حسب موقعه” كما يصفهم، اختار فلاح عدة الرسم في تلك الحرب.

وتابع متحدثًا عن هذه التجربة “أنا حاربت الإرهاب بالرسم، وهذه كانت طريقة ناجعة لبثّ الأمل في النفوس التي أهلكتها السياسات الخاطئة”.

وأكمل: “بالطبع، اليوم في العراق، لو رسم الإنسان بطيخة فإنها قد تهدّد حياته، من يدري؟ ربما يكون خلفها ميليشيات! وهذا بمنطق الانفلات الأمني والسياسي الحاصل”.

وكان لحربه هذه ضريبة قاسية، ثمنها حرية الإفصاح عن مكان إقامته، والانتقال المستمر داخل وخارج بلده.

كشف فلاح ان صفحته الشخصية على موقع فيسبوك مليئة برسائل التهديد ومن أغلب الجهات المتخاصمة.

ومضى قائلًا: “اعتبر أن هذا الأمر شرف كبير لي، لأني أضمن عدم انتمائي لأي جهة كانت”.

دعم كل من يحارب تنظيم الدولة ناشطًا أو عنصر أمن

ولأن الأحداث الآنية تأتي في مقدمة أولويات فلاح فكان تحرير المدن من تنظيم الدولة الاسلامية شغله الشاغل بل كان يعزز كل تقدم عسكري برسمة، حسب ما يقول.

ويسرد عن هذه التجربة قائلًا: “أدعم القوات الأمنية وأشخص برسماتي أي خطأ تمارسه أيضًا، وبعد أن دعمتُ تحرير المدن، أحاول اليوم دعم المجموعات الشبابية التي تنشط في المدن المحررة، والتي تحاول بإمكانيات قليلة أن تبث الأمل”.

حلم الاستقرار في العراق

لدى “فلاح” أحلام وآمال كثيرة، إلا أن من بينها حلمًا، لا يزال بعيد المنال كما يقول.

وزاد موضحًا: “قد يبدو الاستقرار في العراق اليوم حلمًا عصيًا، ولا أحد يستطيع ضمان أمن أحد في العراق طالما أن العنف موزّع بهذه الطريقة”.

مبتسمًا، اختم حديثه بالقول: “أما الآمال فهي أكثر من الأحلام، أقلها أن يكون العراق بلدًا يعيش الإنسان على أرضه بكرامة وحريّة، وحق حياة مكفول”.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *