غدامس لؤلؤة الصحراء الليبية: على قائمة الخطر لمواقع اليونسكو

 


غدامس الليبية هي لؤلؤة الصحراء الكبرى الافريقية التي لعبت دورها بامتياز كهمزة وصل تجارية وحضارية بين شمال وجنوب هذه الصحراء المترامية. فهي، أي غدامس، إحدى أهم محطات القوافل التجارية لقبائل الطوارق التي كانت تجوب الصحراء من أجل تجارة الملح على وجه الخصوص بين الحواضر والمدن الهامة مثل تمبكتو وغاو وتمنراست وغدامس وأغاديس وغيرها.
خضعت غدامس الأمازيغية لحكم القرطاجيين ثم الرومان بعد سقوط قرطاج وإحراقها على يد القائد الروماني سيبيون وجنده. وبعد نهاية الإمبراطورية الرومانية الغربية وقدوم الوندال إلى افريقيا الشمالية، رأى البيزنطيون (الرومان الشرقيون) في القسطنطينية ضرورة مد نفوذهم ليشمل ممتلكات روما في شمال افريقيا ومنها مدينة غدامس.

موروث إسلامي

ومع قدوم جحافل الفاتحين المسلمين الأوائل إلى الربوع الافريقية، اعتنق أهل غدامس الإسلام في وقت كانت فيه الديانتان المسيحية واليهودية هما الطاغيتان على شمال افريقيا. وخضعت المدينة إلى الأمويين في دمشق ثم العباسيين في بغداد إلى أن استقلت الدولة الأغلبية في القيروان زمن حكم الخليفة هارون الرشيد وكانت تضم المجال الجغرافي الذي تنتمي إليه غدامس.
وشهدت المدينة شأنها شأن مدن شمال افريقية عديدة صعود نجم الفاطميين أو العبيديين في شمال افريقيا، ثم شهدت مغادرتهم إلى مصر زمن المعز لدين الله الفاطمي وقائده جوهر الصقلي. كما عرفت إرسال الفاطميين لقبائل بني هلال لغزو تونس وجوارها وإنهاء حكم الصنهاجيين فيها وهو ما تم وخربت نتيجة لذلك مدن عديدة في البلاد المغاربية وخصوصا مدينة القيروان التونسية التي أتى بنو هلال على الأخضر واليابس فيها وأنهوا دورها الحضاري.
وفي العهد العثماني أصبحت غدامس إحدى ركائز الباب العالي في سيطرته على طرق الصحراء وفي تدعيم أركان حكمه في البلاد المغاربية التي أصبحت حجر الأساس في الصراع العثماني الإسباني على البحر الأبيض المتوسط. لكنها رغم ذلك بقيت تلعب دورها الرئيسي كواحدة من أهم محطات تجارة القوافل في الصحراء الكبرى الافريقية التي يعتمد عليها «الرجال الزرق» أو الطوارق في ترحالهم وسط الطبيعة القاسية.

مدينتان متلاصقتان

احتلت إيطاليا مدينة غدامس سنة 1924 واستقرت فيها إلى حدود سنة 1940 تاريخ احتلالها من الفرنسيين الذين سيطروا قبل ذلك على البلاد التونسية المتاخمة حدودها للحاضرة الليبية، وبقي الفرنسيون في غدامس إلى سنة 1955 تاريخ توقيعهم على وثيقة الاستقلال الداخلي لتونس. فالحدود بين البلدان المغاربية لم تكن قد حسمت بعد، والترضيات بين القوى الاستعمارية حاصلة وأدت إلى التلاعب بخرائط المنطقة، واعتبر التونسيون أشد الخاسرين من التفاهمات بين القوى الاستعمارية.
وللإشارة فإن في غدامس مدينتان، واحدة قديمة أثرية تقع في قلب الواحة الصحراوية يطغي على بناياتها البياض باعتبار قدرة هذا اللون على امتصاص حرارة الصحراء، وهي تحفة معمارية بكل ما للكلمة من معنى. وهناك مدينة أخرى حديثة في بنائها توجد فيها كل المرافق الضرورية للحياة وكذا مؤسسات الدولة والإدارات العمومية وقد بنيت لتستجيب للتطورات التي شهدتها هذه المدينة الاستثنائية الجميلة في موقعها وفي معمارها الفريد.
وأهم معالم المدينة العتيقة وهي الأساس في غدامس والأصل والقلب النابض، هو السور الذي يمثل تحفة معمارية في حد ذاته له عديد الخصاص التي تميزه عن الأسوار التاريخية لكثير من الحواضر والمدن التاريخية الكبرى. وقد حافظ سكان غدامس على سورهم على مر العصور ولم يعد تواجده لأسباب أمنية لحماية المدينة كما كان الأمر في الماضي، وإنما أصبحت له وظيفة جمالية سياحية في الدرجة الأولى.
ومن معالم المدينة أيضا مسجدها العتيق الذي يتمتع بدوره بخصائص معمارية فريدة أثرت فيها البيئة الصحراوية والمحيط الطبيعي الذي تقع فيه المدينة التاريخية. فهو مسجد بسيط في مكوناته وفي طريقة بنائه لكنه جميل ومتناسق في بياضه مع محيطه ومع غابة النخيل ومباني غدامس القديمة ما جعله تحفة معمارية بكل ما للكلمة من معنى رغم بساطته.
ويوجد فيها أيضا جامع كبير حديث البناء، ويمثل أيضا تحفة معمارية بقبته الكبيرة ومئذنتيه المرتفعتين الشبيهتين بمآذن المساجد العثمانية القديمة، وهو ما يؤكد على تأثر من أمر ببنائه بالمعمار العثماني. وقد أصبح هذا الجامع رمزا للؤلؤة الصحراء وملهما الشعراء، غدامس البهية التي تسر الناظرين، حسب تعبير أحد أبنائها.

صيت ذائع

يصف الباحث الليبي إسماعيل البخاري مدينته غدامس لـ»القدس العربي» بالقول: «تعتبر مدينة غدامس الليبية الواقعة في أعماق الصحراء الكبرى الافريقية، واحدة من أهم المدن الغنية بالآثار شأنها شأن مدن صحراوية أخرى كانت في السابق محطات في رحلة القوافل التجارية لقبائل الطوارق. وتقع المدينة غرب ليبيا غير بعيد عن أقصى الجنوب التونسي ومدينة برج الخضراء التونسية وكذا الحدود الجزائرية المتاخمة لهذه المدينة الصحراوية.
ووردت المدينة الليبية، الأمازيغية التسمية والجذور، كإحدى بوابات الصحراء الكبرى الافريقية في كتب الرحالة العرب والأجانب وقيل عنها الكثير في هذا المجال. وذاع صيتها باعتبارها واحدة من أجمل المدن ذات العراقة والتاريخ الضارب في القدم. وخشي الكل حديثا من استهدافها من قبل الجماعات التكفيرية شأنها شأن أغلب المدن الأثرية الليبية بعدما شاهد العالم ما فعله هؤلاء بآثار المدن القديمة».
ويعتبر محدثنا أن غدامس هي ضحية سوء التصرف في الموارد في الدولة الليبية في السنوات الماضية والتركيز فقط على ريع البترول الذي سينفد يوما ولا يجد الليبيون قوت يومهم. فمدينة مثل غدامس، وحسب البخاري، يمكن أن تكون مصدر جذب سياحي للمغرمين بالصحاري والواحات، لأن فيها أجمل ما يمكن أن تراه العين وما يبحث عنه هواة المغامرات وأحباء الطبيعة الصحراوية.

مواقع في خطر

وتقول هدى عبد الله المقيرحي المختصة في السلوك التنظيمي والقيادة والباحثة في التراث الثقافي اليونسكو لـ»القدس العربي»: «تعد ليبيا موطنا لأعظم العجائب التاريخية وأماكن الغموض والجمال في منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال افريقيا. فهي تمتلك مخزوناً وتراثاً هائلاً وفريداً من الآثار خلفتها حضارات وثقافات منذ ما قبل التاريخ وإلى يومنا هذا. إن ليبيا تمتلك خمسة من أروع مواقع التراث العالمي حسب تصنيف منظمة التربية والعلوم والثقافة «يونسكو». موقع لبتس مقنا لبدة الكبري وموقع صبراتة الأثري وموقع جبال أكاكوس وموقع قورينا الأثري وموقع مدينة غدامس القديمة.
وعندما تعرضت البلاد في سنة 2011 للصراع بين الحكومة والفصائل المتنافسة والتي تم على إثرها تبادل لإطلاق النار في هذه المواقع، أطلق العديد من النشطاء والمهتمين في مجال التراث الإنساني، من آثاريين ومؤرخين ليبيون علاوة على مختلف المثقفين والمنظمات الأهلية، صيحات فزع، وذلك كي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية حماية الآثار الموجودة في ليبيا وهي في الأساس تراث إنساني عالمي قبل أن تكون خاصة بالشعب الليبي. وعلى إثر هذا وضعت يونسكو هذه المواقع على «قائمة الخطر» مستشهدة بالصراع الراهن والذي قد يؤثر على كينونتها الأمر الذي شهده العراق وسوريا. وقد أشارت رئيسة وحدة الدول العربية لدى يونسكو ندى الحسن أن «من المهم للغاية بالنسبة للشعب الليبي، أن نوضح أننا نتابع ما يحدث معهم. نحن قلقون بشأن ما يحدث في بلدهم ومواقعهم». وشرحت كيف أنه «عندما تضع موقعًا على قائمة الخطر، من الأسهل العثور على مصادر تمويل لحمايته».

مستوطنة بشرية مبكرة

وترى الباحثة الليبية أن المدينة القديمة في غدامس، يعتبر موقعها مثالاً على التعايش والاستقرار التقليدي، ولا يزال هناك الكثير مما يمكن تعلمه في رأيها حول حركة الأشخاص من هذا الموقع إذا استمر بطريقة مستدامة. وهذا يؤثر، في رأي المقيرحي، على البشرية على نطاق عالمي، لأن الأبحاث السابقة أشارت إلى أن غالبية البشر المعاصرين ينحدرون من مكان ما في افريقيا. ورغم أن هذه القواسم المشتركة بعيدة جدا في الماضي، فإنها لا تزال تمثل، حسب محدثتنا، التماسك بين الجنس البشري. لا يستطيع أحد أن يقول متى سيستأنف العمل الميداني في المنطقة، لأنه لا يمكن لأحد أن يتنبأ متى ستكون المنطقة مستقرة.
وتضيف: «لقد أرادت اليونسكو الحفاظ على هذه المدينة كدليل على وجود مستوطنة بشرية مبكرة. وبينما لم تعد المدينة مأهولة بالسكان، بذلت السلطات الليبية الجهود لجعلها منطقة جذب سياحي شهير ومصدر دخل للمناطق المجاورة، وكان من المأمول أن يتم توفير ما يكفي من التمويل، لإيقاف التدهور وجعل غدامس من المعالم السياحية وكان هذا الجهد ناجحا لفترة من الزمن.
وذكر طاهر إبراهيم، وهو مرشد سياحي سابق، أن هناك ما بين 30 و35 ألف سائح يزورون مدينة غدامس القديمة خلال موسم الذروة. وتابع: «اعتدت على أخذ السياح إلى جميع المواقع الجميلة في المدينة القديمة، اعتادوا على حبها. لم يعودوا يأتون الآن، لكن عندما يعودون، سأكون هنا. لقد تراجعت السياحة في السنوات الأخيرة بسبب الحرب الأهلية التي اندلعت في عام 2011 في ليبيا».
وترى محدثتنا أن غدامس اليوم هي ضحية الظروف غير الآمنة والسياح يخافون من السفر إلى المناطق غير الآمنة كما هو متعارف عليه، ومع أي حالة حرب فإن السياحة تنخفض أو تتضرر نتيجة حاجتها إلى الأمن والاستقرار السياسي وهو ما يحصل في غدامس. فالسائح الدولي لا يرغب في قضاء إجازته في منطقة ينعدم فيها الاستقرار وتكثر فيها النزاعات. وتؤكد المقيرحي أنه نتيجة لهذه الظروف الأمنية الاستثنائية التي تعيشها غدامس لم يعد السكان المحليون يعتمدون على السياح وبالتالي فإن الاقتصاد في المنطقة في حالة تراجع واضح.
وتضيف: «لم يقتصر النزاع في المنطقة على السياحة فحسب، بل امتد أيضا الدمار إلى المدينة القديمة في غدامس، وذلك منذ عام 2011. فالموقع الأثري التراثي، أي مدينة غدامس القديمة، هو مورد غير متجدد في حال تم تدميره بسبب الصراعات في المنطقة، لأنه باختصار كنز لا يمكن إعادة تشكيله. ولهذا السبب تم وضع الموقع على قائمة يونسكو المتعلقة بمواقع التراث العالمي».

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *