جمود الخطاب السني يسهم في تفاقم ظاهرة تغيير المعتقد الديني

 

محمد الحمامصي

 

تساءل الباحث عياد أبلال، في كتابه “الجهل المركب.. الدين والتدين وإشكالية تغيير المعتقد الديني في العالم العربي”، لماذا بات الشباب العربي يقبل على تغيير معتقده الديني الإسلامي السني متجها وجهات تختلف باختلاف العروض الدينية (المسيحية، التشيع، الإلحاد…) خصوصا في بلدان المغرب، مصر، الجزائر وتونس؟ وبحث الكاتب في الأسباب الكامنة والظاهرة التي تدفع هؤلاء إلى تغيير ديانة الانتماء التي تعدّ حسب الاعتقاد الجازم للأغلبية الساحقة من العالم العربي آخر الديانات وأتمها.

 

وقال أبلال إن تغيير المعتقد الديني وفق مختلف أنماطه وأشكاله بما يحمله من إشكاليات اجتماعية، ثقافية وسياسية، هو تغيير في العمق المجتمعي لبنيات الهوية الدينية.

 

دراسة عياد أبلال، الصادرة أخيرا عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود” هدفت إلى تفكيك إشكالية تغيير المعتقد الديني باعتباره الناظم المركزي الرابط بين الدين من جهة، والتدين من جهة أخرى، تفكيكا يروم الجواب عن أسئلة الهوية الدينية في العالم العربي، وفق تعدد خرائط التدين، وإشكالياته المرتبطة بالتحول الديني، الاجتماعي، الثقافي، السياسي في زمن بات معولما بامتياز. وهي الأسئلة التي لا تنفصل عن القناعات والمرتكزات الدينية الجديدة لجيل من الشباب العربي المنفتح بالضرورة على سوق دينية متعددة المنتوجات، تترجم في العمق أزمة الإسلام السني، خاصة في ظل جمود المرجعية السنية أمام الكم المهول من الأسئلة والمستجدات التي لا تنفصل عن التغيير والتحول.

 

ورأى في ما خلصت إليه الدراسة في بعدها الميداني أن تغيير المعتقد الديني مرتبط بأزمة يمر بها المتحول المفترض، توجهه حسب المسالك والظروف إلى تبني معتقد ديني آخر يلبي رغبته ومتطلباته، فعلى مستوى تغيير المعتقد الديني من الإسلام السني إلى المسيحية، فإننا وجدنا أن هذه الأزمة مرتبطة بثلاثة مستويات تحليلية: أزمة صورة الأب وتمثلات المتحول المفترض الأسرية، أزمة الاندماج في الوسط الاجتماعي، وهو ما عبرنا عنه بأزمة النسق الاجتماعي، ثم تأتي أزمة التكيف مع قيم وأخلاق المجتمع، وهو ما عبرنا عنه بأزمة نسق الثقافة.

 

وأكد الباحث أن هذه الأزمات في تأثيرها السيكولوجي لا تنفصل عن أساساتها ومرجعياتها في المجتمع، وردها إلى مختلف الأنساق المغذية للفعل الاجتماعي، منتقدا الرؤية الفرويدية للدين، خاصة في ما يخص صورة الأب، إذ خلص إلى أن الأب القاسي، والعنيف، يجعل صورته معيبة عند الابن/المتحول المفترض، وهذه الصورة قد تقوده نحو تغيير هذه الصورة من خلال تغيير صورة الإله انتقاما من أبيه.

 

 

وأشار إلى إن حصول الأزمة يقود بالمقابل إلى غياب المعنى عن نسق القيم التي يؤمن بها المتحول، وهو ما يدفعه إلى البحث عن مسارات ومسالك دلالية تمنحه التوازن العاطفي الذي اختل بفضل فشل نسق الثقافة والنسق الاجتماعي في مد شخصيته بالمتطلبات الضرورية للأداء الوظيفي الجيد الذي يضمن التوازن والاستقرار لهويته الدينية.

 

وأوضح أبلال أن التنصير يتم تدعيمه عبر وسيط الأصدقاء والأهالي من خلال عدد من وسائل الاتصال الجماهيرية، من السند الورقي (الكتب والمجلات) إلى السند الرقمي عبر الإنترنت، حيث ينشط بقوة فائقة التبشير والتنصير، وهو ما يخلق لدى المتحول المفترض القابلية الأولية لاستقبال المعتقد الجديد..

 

وفي سياق تغيير المعتقد الديني من الإسلام السني إلى الإسلام الشيعي الاثني عشري، خلص الباحث إلى أن التشيع باختلاف تلاوينه المعتدل منه والسلفي، لا يعدو في العمق سوى خطاب سياسي مؤسس على قاعدة الإخفاق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، خطاب يتماثل مع مفاهيم الصراع الطبقي، وثورة المسحوقين، لكن السؤال الماثل دوما في سياق هذا الاختيار والمتمثل في الانحياز نحو خطاب التشيع الديني بدل الانحياز إلى خطاب العلمانية أو خطاب الإلحاد مثلا، فقد وجدنا تفسيره في كون المتشيعين ينتمون عادة إلى الطبقات المتوسطة التي تتميز بفكر حركي وتوقد نقدي من جهة، ولارتباطها الكبير بالدين من خلال تمسكها بالقيم الدينية من جهة أخرى؛ على اعتبار أن القيم مفهوم وسيط بين السلوك والمبادئ، وأحد الأبعاد الثلاثة المشكلة للتمثلات الجماعية.

 

وأكد أن التشيع في العالم العربي لا يزال نخبويا ومرتبطا بسياقات تشييعية كلاسيكية من خلال التشيع الأهلي وحلقة الأصدقاء. أما التبشير بالتشييع الإلكتروني، فيعدّ ضئيلا ومحتشما للغاية إذا ما قارناه بالتبشير التنصيري، خاصة وأن الاطلاع على المواقع الإلكترونية والصفحات والمدونات الشيعية تجدها تناقش في مجملها مواضيع السياسة والشأن العام، على الرغم من تغليفها فقهيا وتشريعيا بالمذهب الشيعي. ويرتكز التبشير بالتشييع على الأهالي، وحلقة الأصدقاء، وفق سرية وتقية غير مسبوقة مقارنة مع التنصير والإلحاد.

 

 

وقال أبلال إن التشيع يعتمد كذلك على مختلف وسائل الاتصال الجماهيرية، من السند الورقي (الكتاب، المجلة….) إلى السند الرقمي (الإنترنت) مرورا بالفضائيات التي تعدّ الوسيط السمعي-البصري الأكثر تأثيرا من خلال قنوات (المنار، العالم، الأنوار… إلخ). وهذه الوسائط تدخل في سياق التشييع الإيراني الذي يرتكز بدوره على دعم مالي ولوجستي كبير، يتضح بقوة في القدرة الكبيرة على النفاذ في صفوف المهاجرين في أوروبا، خاصة في بلجيكا لتشييع المهاجرين السنّة من خلال العمل على حل مشاكل واحتضان هؤلاء في وضعيات صعبة، وإدماجهم عن طريق المصاهرة.

 

وبالنسبة إلى الإلحاد، فقد خلص أبلال إلى أن الأسرة تعدّ لبنة أساسية في التنشئة الاجتماعية، وأحد أهم الأساسات المشكلة للهوية الدينية في المجتمع، وهو ما يمنح الأب دورا مهما في توازن نسق شخصية الطفل، خاصة في المجتمعات التوحيدية لما للأب من رمزية في تشكل الوعي الديني، وهي الرمزية التي تتضخم أكثر في المجتمعات العربية الإسلامية لما لأهمية الرجل/الذكر في هرمية السلطة الأسرية والدينية، وفي النظام البطريركي بشكل عام؛ ولهذا فإن أي خلل واضطراب في تمثلات الأفراد الأبوية تؤثر بشكل كبير على هوياتهم الدينية. إن غياب الأب العطوف والحنون يعادل رمزيا غياب الإله.

 

ويلخص الباحث أبلال أهم العوامل المساعدة على تغيير المعتقد الديني في العالم العربي في سياق ارتباطها بنموذج الأزمة التأويلي كالآتي:

 

عمق أزمة الإسلام السنيعمق أزمة الإسلام السني

 

*أزمة الطفولة والمراهقة وتضرر صورة الأب/الأسرة.

 

* فشل مؤسسات التنشئة الاجتماعية والدينية في تلبية متطلبات الأجيال المعاصرة.

 

* هيمنة الفكر الأحادي، والتسلط البطريركي، وغياب الحوار والقبول بالاختلاف.

 

*تحول التدين الإسلامي السني إلى أشكال فرجوية مظهرية

 

* أزمة العقل الفقهي، وتخلف الخطاب الديني السني.

 

*ظهور الإسلام السياسي والجماعات الدينية الإرهابية.

 

* الاضطهاد المذهبي والطائفي، والعنف والكراهية  باسم التدين.

 

* دخول أنساق ثقافية منافسة من قبيل الفكر الحداثي الغربي.

 

* تأثير صورة الغرب الحضارية، الديمقراطية والحداثية على الشباب في العالم العربي.

 

*الإقبال المتزايد للشباب العربي على الإنترنت في غياب تنشئة اجتماعية وثقافية كفيلة بتحقيق المناعة المكتسبة.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *