لم تخبرني أمي أني جميلة..

 

لماذا أنا هكذا؟! أتذكرني طفلة عادية – هكذا أخبروني – ذات شعر خشن مجعد تعقده أمي في ضفائر لتمنع عنه الهواء واضعة الكثير من التوك حتى لا أبدو منكوشة… قائلة يا إلهي ممن ورثتي سلك المواعين هذا.

 

  يقولون إن كل فتاة – صغيرة كانت أم كبيرة – هي امرأة بالفطرة، تلك هي خلقتها، أي مجبولات هن على حب الزينة والجمال وغيرها من مظاهر الأنوثة المختلفة.

 

بعض هذه الأمور- و هذا البعض هام حقًا – يجعلها تشعر أنها امرأة فعلًا، لكن هل هي سعيدة بهذا الأمر، وتري أنه يستدعي الفخر والشكر، أم ترى أنه نقمة ما، أو لعنة كُتبت على بنات حواء.

 

   إحدى القواعد الأساسية في هذا الشأن – والتي يمكن تعميمها على الكثير من مناحي الحياة – هي النسبية؛ أي أن الجمال كغيره من الأمور التي تخضع وبشكل خاص إلى ذوق الفرد ومعاييره الخاصة سواء أختص بها الجمال الشكلي أم كان أكثر نضجًا وتصالحًا مع مفهوم الجمال والذي يشمل بدوره العديد من العناصر من عقل، ثقافة، علم، دين أو غيره من الأمور المكتسبة، وليس المظهر فقط.

 

وإذا ما تم الإقرار بصحة النقطة السابقة؛ إذًا فالحكم بأن امرأة ما قبيحة أو دميمة ظالم، حيث إنه وطبقًا للنسبية لا توجد امرأة قبيحة، بل هي امرأة قد حباها الله بقدر أقل من غيرها من حيث الجمال الخارجي، أو أنها ربما لم تكتشف جمالها بعد.

 

لكن.. لماذا لم تخبرني أمي أني جميلة؟!

 

هذا تساؤل مشروع حقًا تغفل عنه الكثير من الأسر، ألا وهو لماذا لا يخبرونا معشر الفتيات أننا جميلات، لماذا لا يمدحون ملامحنا وجوهرنا ويخبرونا كم نحن مميزات، لماذا لا يعلموننا أن نكون أكثر تصالحًا، ونتقبل أنفسنا كما هي ونسعى نحو الأفضل على كافة مستويات الجمال بلا غرور أو تكبر، ولماذا لم يخبرونا أن للجمال صور أخري علينا أن نكتشفها ونُنميها في أنفسنا بذلك الأمر إلى رصيدنا النفسي من التقبل والثقة والاعتداد بالنفس، عند هذه النقطة المُثارة تمنيت لو توجد إحصاءات حاضرة تؤكد ذلك الأمر، وهي أن هذا الجزء في التربية مهمل إلى الحد الذي تكره فيه الفتيات أجسادهن وترى أن تكون فتاة فهي لعنة بحد ذاتها تطاردها أبدًا ما حيت، وأن الأسر التي تفعل ذلك واعيةً بأهميته دون إفراط أو تفريط قليلة جدًا، داعمين بذلك أيضًا كون الجمال له أبعاد عديدة تشمل العقل والروح، وأن تقييمها لذاتها ليس فقط بناءً على جمال الوجه، بغض النظر عن شدة جمالها.

لحظات لا تُنسى

 

أي ذنب ارتكبت لأصبح أقل جمالًا من أمي وأختي وأصير حديث هؤلاء النسوة، لماذا لستِ جميلة مثل أمك وأختك؟

 

– (وحشة.. بس دمها خفيف، وحشة.. بس شعرها حلو).

 

– لماذا لستِ بيضاء باهرة الجمال مثل أمك..أو أختك؟

 

– أختك تفوقك جمالًا.

 

– لماذا أنتِ قصيرة هكذا!

 

– (وانتي مين هيعبرك بخلقتك وجسمك ده!)

 

– (لأ دي تخينة – معصعصة – مناخيرها كبيرة شفايفها.. عينها.. أسنانها.. جذعها… إلخ).

 

أود لو نخبرهم جميعًا…فلتذهبوا إلي الجحيم، كل هذا تفعلوه بنا لمجرد أننا لا نشبه  الكتالوج وأن البضاعة – كما ترونها – لا تناسبكم.. تبًا لكم.

 

هل آلمك/ آلمكِ الأمر، هذه الأمثلة بالطبع ليست للحصر، وإنما للتذكرة بما يحدث للفتيات من إساءات تقتل في داخلهن تلك الروح النقية والأنوثة المتفتحة ضاربة، الصورة الذاتية في مقتل صانعة بذلك أجيال نساء مشوهة معدومة الثقة والقبول والحب والفهم لنفسها، لتضع موضعهم ضعف الثقة والكره والرفض والخوف، هل يدركون أن أقوالهم تلك كحد السكين ينغرس في الروح فيترك فيها جروحًا لا تندمل، وإذا ما شملها الزمان بعفوه كما يفعل مع الجميع فإنها تترك ندوبًا تظل آثارها أبدًا ما لبثنا على وجه البسيطة، وتستقر شكوكنا حيال صورتنا الذاتية تحت سطح الأيام، لكن ما إن يجد جديد في هذا الأمر يؤكد شكوكنا فإنه يبعثها من جديد لنتيقن أننا لم نتعافَ، وأن هذه الكلمات ما تزال تنخر في أرواحنا كالسوس… لنعود لدائرة أنا قبيحة ومنبوذة ومليئة بالعيوب، وليست كافية.

 

   يبدأ الأمر عندها وبين يديها الأم؛ فهي الأنثى الأولى في حياة ابنتها ومنها تسقي أنوثتها الوليدة، تدرك الأم حاجتها هي إلى الاهتمام وجميل الكلام والغزل والتشجيع والزينة، ولا تقر بذلك لابنتها الصغيرة إما عن جهل أو تجاهل، والصغيرة بدورها لا تعي ذلك، وقد تقوم الأم زيادة بنهيها عن التزين أو الخيلاء بشكلها وشعرها وتلومها إذا ما اهتمت بنفسها قائلةً: إن هذا من شئون الكبار، ولا يجب عليكِ فعل ذلك، والصغيرة لا تعي حاجتها لذلك فتكبر، ولديها فجوة في داخلها، أو تلك التي تسمح للأهل والصديقات تحديدًا، بالتعليقات السلبية عن بناتها من قبيل ما سبق ذكره، ولا تمنع هذا الأذى عنهن، بل ربما شاركت بالحديث بدعوى مجاراتهم في الأمر منعًا للإحراج أو أن الأمر محض مزاح، حقًا أي حديث هذا أو مزاح الذي تسمحون فيه للناس حتى لو كانوا أقرب الأقربين منكم بهتك وتمزيق تلك الروح البريئة وغرس عدم الثقة فيهن وتشويه صورتهن عن أنفسهن، هل هناك من هن أغلي وأحق بالحماية والذود منهن، أم لأنهن أضعف من أن يدفعن عن أنفسهن الظلم، فالأصل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: كفى بالمرء إثمًا أن يُضيع من يعول. وقوله: كلكم راعٍ.

 

وهناك من الأمهات التي تحرص دومًا علي ذكر عيوب ابنتها بدعوى كبح جماحهن (وعشان متشوفش نفسها)، وأخرى لا تفتأ أن تخبرها صباحًا مساءً بنقائصها.

 

وأخرى تأخذ ابنتها ذات العشرة أعوام إلى جراح كي ينقص وزنها بخلاف ما تعرضت له سابقًا من أمها وخالتها من أذي نفسي كونها ليست ذات عود ممشوق، أو تلك التي تقارنها بالفتيات الأخريات باعتبار أنهن أجمل وأفضل… والقائمة لا تنتهي، وقد يكون كل هذا أحد أسباب انتشار الأمراض مثل البوليميا وفقدان الشخصية العصبي والاكتئاب وغيرهم لموافقة كل تلك المقاييس اللعينة.

 

وهنا لا يقع العبء فقط علي الأم، لكنها صاحبة النصيب الأكبر، وبالطبع الأب وباقي الأسرة الأكبر من الجد والجدة والأعمام… إلخ.

 

بالإضافة إلي تشويه معايير الجمال بالمقاييس المجتمعية والعالمية، والعالم تحكمه وتقوده الرأسمالية المتمثلة في باربي صغارًا وعارضات الأزياء كبارًاً، بماديتها المجحفة للروح وأوجه الجمال المتعددة بعيدًا عن اقتصار الأمر على جمال الشكل.

حياة جديدة ( مع وجه مبتسم)

 

   – من بدأ تلك الدائرة ومن المسئول؟!

 

– أؤمن أنه عند مرحلة ما في رحلتنا لا يهم من بدأ الأمر ومن المسئول، قدر الرغبة في الخروج من الدائرة، ليس لشيء إلا لأن هذا سيجعلنا نهدر قدرًا من الطاقة والفكر لن يضيف شيئًا إيجابيًا، لكن يظل فهم الأسباب مهمًا لفهم حيثيات الأمر لتجاوزه لا للعيش داخله وإلقاء اللوم على الآخرين، فما حدث انتهى وتقع المسئولية علينا الآن لإصلاح الأمر وتفاديه مع غيرنا والأجيال التالية.

 

– ما مضى قد مضى أما الآن فأنا مسؤولة بالكامل عن وضع حد صارم لكل الأقوال السلبية المتعلقة بمظهري أو شكلي بالتنبيه مرة، ثم إجراءات أكثر صرامة حتى لو وصل الأمر لقطع هذه العلاقات – إن كان ممكنًا – أما لو كان المصدر يصعب الابتعاد عنه كالأسرة يمكن البداية بالحوار والإقناع والشد مرة واللين أخري حتي نصل لمرادنا وإن فشلنا يكفينا عندها المحاولة وأن نمنع – قدر الإمكان – هذا الأذى من التسلل إلى دواخلنا، مع التيقن أن هذه التعليقات لا تعبر إلا عن جهل صاحبها وانغلاقه على مقاييس وآراء ما أنزل الله بها من سلطان.

 

– الاحترام الكامل للنفس؛ فما تشعرين به نحو نفسِك… يشعر به الأخرون نحوك، مع فرض الخطوط الحمراء حولكِ وأن مظهركِ وجسدكِ غير قابل للتقييم المجتمعي وليس من حق كل من هب ودب أن يبدي رأيه بشأنك.

– الجمال لا يقتصر على جمال المظهر

 

أعرف جيدًا أن هذة الجملة قد تبدو مُغرقة في المثالية، لكنها في جوهرها حقيقية جدًا، فالجمال قد قسمه الله بين عدة جوانب كالعقل والروح والفكر والشخصية والحديث وغيرهم مما لا سبيل لحصره، واستيعاب تلك النقطة جيداً يُفضي إلي إزاحة التركيز الأوحد علي الشكل/ المظهر وصب كل التركيز عليه، وتوزيعه بشكل متوازن بين باقي الخانات لتحقيق التوازن والاستقرار والثقة.

– التقبل والقبول غير المشروط

 

كم نحن في افتقار شديد إلى هذا الأمر بأن نقبل أنفسنا كما هي والتصالح معها لندخل إلي هدنة تمكننا من فهمنا مع تقديم الحب والاحتواء ومن ثَم الإصلاح من هذا المنطلق.

– العلاقة الشافية

 

الحصول على علاقة شافية وفيها يتم قبولنا بدون شروط مع الحب والدعم والتقدير وغيرهم، ونداوي إساءات سابقة، قد تكون هذه العلاقة مع صديق أو شريك الحياة أو معالج نفسي.

– ثم نعود للأم فهي المبتدأ والمنتهى

 

    أحبي ذاتكِ أولًا ودلليها وافهمي طبيعتكِ وطبيعة ابنتكِ.

    اغمريها بحبك واحتوائك، وأخبريها أنها جميلة ورائعة، وامدحي ملامحها وشعرها وروحها، وازني بين الأمر بلا إفراط فيصيبها الغرور وتركن إلى جمال ملمحها، فتصبح خواء، ولا تفريط فتصبح روحها صحراء جرداء بلا ثقة في أنوثتها ومدي كفايتها وقد ينتهي بها الأمر تلوم وتقارن نفسها دومًا بمن حولها حد الحقد والغيرة، فتكره خلقتها وجسدها، وتهرب وتنطوي وتشعر بالنقص والدونية، أو اللجوء إلي طرق الجمال المزيف من مساحيق مفرطة أو عمليات التخسيس والتجميل، أو ربما قد تبحث بعيدًا عنكِ عن من يخبرها كم هي جميلة ومفعمة بالأنوثة والجمال، مستغلًا تلك الثغرة في ما لا تُحمد عقباه.

 

– الحماية

 

أنتِ سيدتي الفاضلة حائط السد الأول في حياة أبنائك، والذود عنهم وحمايتهم واحدة من هذه الأولويات الملحة، فالأطفال ورقة بيضاء تأخذ صورتها الذاتية من أهلها – عليكِ العبء الأكبر – فيتعين عليكِ أن تُشعريهم كم هم رائعون وتمنعي عنهم ذلك الأذى وإن كان من الأقربين منكِ.. امنعي أذاكِ عنهم ولا تجعلي إسقاطات التربية الخاطئة من نصيبهم، اقرأي في التربية وفي الحياة.

 

    كوني لابنتك الصديقة، حاولي تفهمها واحتواءها وجربي المواجدة والتواجد معها، ثمرة الأمر تستحق صدقيني.

 

وأخيرًا

 

يا أيها الرجل العزيز هلا أخبرت ابنتك وزوجتك كم هن جميلات.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *