جيوش مخدرة منذ قرون.. كيف استخدم الجنود المخدرات لمواصلة الحروب؟

كتبَ مرةً فريدريك نيتشة، الفيلسوف الألمانيّ: أنّ تاريخ المخدرات دراسةٌ للثقافة في حدّ ذاتها. ربما كان يقصدُ الثقافة العسكرية. على الرغم من تجاهل المُسكرات/ المُخدّرات بشكل كبير من باحثي التاريخ العسكريّ إلا أنها كانت لعقود جزءًا لا يتجزأ من الحرب.

 

عُرفت المنشطات لوقت طويل باعتبارها أداة لتعزيز الأداء القتاليّ وللحفاظ على يقظة الأفراد وانتباههم، وليبقوا وَاعينَ بعد فترات طويلة من الإجهاد النفسي. ساعدت المسكرات على تخفيف وطأة الحرب مُعينةً الجنود على التعاطي مع صدمات أرض المعركة. طقوس الشُرب والتعاطي ساعدت الجنود على الترابط والتماسك معًا، ما لهُ أثرٌ خطير على تماسك المجموعة ومعنوياتها. أحيانًا كان اللجوء للمسكرات بسبب الملل فحسب، إذ لفترات طويلة لا يجد الجنود شيئًا آخر لفعله سوى الشرب.

 

تشتعلُ الحرب وينتعشُ معها سوق المخدرات. منذ أيام المحاربين الهوميريين وشربهم للنبيذ والأفيون، إلى كتائب «الفيرماخت»، في الجيش الألماني، وهي تتعاطى الـ«الميثامفيتامين»، (مُخدر اصطناعي سريع المفعول وطويل الأثر، يعزز ضخ الدم). في الحقيقة، قاتلَ الجنود لأوقات طويلة عبرَ التاريخ وهم مخدّرون، في هذا التقرير المُترجم الذي نشر في موقع «ميليتاري هيستوري ناو» يستعرضُ لوكاس كاميننسكي، وهو كاتب بولندي، معارك وحروب لم تكن لتتم لولا المخدرات والمنشطات.

المخدرات تحصينات للحرب

 

الكحول أقدم منشطات المُقاتلين الدوائية، ولربما الأكثر رواجًا. لقرون كانت حصص الجنود من المشروبات الروحية مصدرَ ما سُمي بـ«الشجاعة الهولنديّة» التي دفعت بالكتائب في المعارك. تختلفُ الشعوب بالطبع في مشروباتها المُفضلة؛ البريطانيون يفضّلون شراب الرم، والروس أخذوا الفودكا، أما الإغريق القدامى والرومانيون والفرنسيّون اليوم يُفضّلون النبيذ. الألمان أخرجوا البيرة والأمريكيون بدأوا بالرم وتحوّلوا منذ الحرب الأهلية إلى الويسكي. حتى القرن العشرين كانت الحروب في معظم الأحيان تُخاض تحت تأثير المخدرات.

شجاعة الزولو

 

ليسَ من الجديد أن قتال عدو عنيف وغريب يُحرك سوق المخدرات. عندما قرر البريطانيون «إخضاع» قبائل الزولو عامَ 1879، واجهوا عدوًا شرسًا بَدَا مُحصنًا أمام نيران البنادق الحديثة. لم تكن عدوانية الزولو التقليدية ما جعلتهم محاربين بلا خوف، بل صيدليتهم؛ الـ«شامانز»، صيدلانيّو الزولو وكهنتهم، كانوا يقدمون لرماة الرماح أعشابًا مختلفة، مثل «إنتيليزي Intelezi»، نبات تقليدي يُتعاطى في طقوس لتعزيز الروح المعنوية، والبيرة العلاجيّة، و«داجا Dagga»: مجموعة من الحشائش الجنوب أفريقية لها تأثير تحفيزي. ومسكن آلام مُهلوس يؤخذ من سُمّ بصيلات نبتة الـ«بوشمان»، (سُمّها يستعمل لعلاج بعض الحالات المرضية)، وفطر الغاريقون. لو عرفَ البريطانيون في ذلك الوقت مصطلحَ «الزومبي Zombies»، الأموات الأحياء، لاستخدموه لوصف مُحاربي الزولو الذين كانوا يندفعون في هجومهم دونَ خوف في معركة إيساندلوانا.

تناول فطرًا واقتل عدوًا

 

من غير الواضح إن كان الزولو قد استخدموا فطر الأمانيت أم لا، ولكن استخدمه بالتأكيد محاربو أوراسيا، تحديدًا القبائل الصربية «الشوكشي Chukchi»، و«الكورياك Koryaks»، و«الكامشادل Kamchadals». المؤثر النفسي الأساسي في الفطر هو المسكيمول، الذي يعزّز الأداء القتالي للمحاربين، ومن المثير للاهتمام أن بول آكلي الفطر يحتفظ بخصائصه التنشيطية المؤثرة على العقل، ما جعل شربه رائجًا عند محاربي الصرب. تقولُ الأسطورة إن القبائل التي تستخدم فطر الأمانيت الطائر تَلِدُ «محاربي فِطْر» عُتاة. يلفتُ الانتباه الجنود السوفيتيون، الصرب منهم تحديدًا، إذ يُقال إنهم كانوا مُخدّرين بالفطر في معركة سيكشفهيرفار، المدينة المجرية، عام 1945. قاتلوا بمستوى واحد دون خوف.

 

 

فطر الأمانيت، أو «أمانيت الطائر».

«مزاج القتال»

 

دفعت الحرب العالمية الأولى بالكوكايين إلى خطوط المواجهة. الكوكايين الذي طُوّر في ستينيات القرن التاسع عشر، 1860، استُخدم منشطًا للطيارين الألمان والفرنسيين، وكذلك جنود المشاة الكنديين. كانَ الكوكايين منتشرًا بين الجنود الكنديين المتواجدين في بريطانيا، وسبّب انتشاره هلعًا أخلاقيًا لدى البريطانيين عام 1915. لاحقًا أصدرَ الجيش البريطاني دواءً من الكوكايين مع مُستخلص من بذور جوز الكولة اسمه «تابوليد Tabolid»، أو «Forced march»، لتشجيع الجنود أن لا يخافوا ولتخفيف إعياء القتال عليهم. استخدام المُخدر على شكل وصفات علاجية راجَ بعد أن أثبت الكوكايين قدرته على تعزيز الدعم في الخنادق. وفي لندن باعت الصيدليات حزمًا دوائية من الكوكايين والهيروين، وأخذت السيدات والفتيات يشترين الصناديق التي عُدَّت، كما كان يُعلن عنها، «هدية نافعة للأصدقاء على الجبهة»، وأرسلنها بحماسة لأبنائهم، ومخطوبيهم، وأزواجهم على الخطوط.

الحرب الخاطفة.. قوّة المخدرات

 

إذا كان الكوكايين المخدر المرغوب بين 1914-1918، فالـ«أمفيتامين» أصبح المُنشط المُفضَّل خلال الحرب العالمية الثانية. في الحقيقة خاض الجنود –معظم- الصراع وهم في «جوٍ عالٍ» من التخدير، منذ 1939 وحتى 1945. أما جنود الجبهة كانوا من «كبار العملاء»، باستهلاكهم الكثيف.

 

كانت للنازيين الريادة في بيع المنشطات بالجملة، واستخدامها بشكل ممنهج عسكريًا. حبوبهم المُفضلة كانت «البيرفيتين»، نسخة أوليّة من بلور الميثامفيتامين. تشحن الجسم بالطاقة وتقاوم التعب، وترفع التأهب مع شعورٍ قوي بالثقة. في كتاب «فنّ الحرب»، للفيلسوف الصيني القديم سون تزو يقول: «السرعةُ جوهرُ الحرب». وبالفعل كانت السرعة جوهر تكتيك «بليتزجريك Blitzkrieg»، الحرب الخاطفة، التكتيك الذي نفذته القوات الألمانية مُعزَّزةً بسرعة المنشطات الكيماوية.

 

بينَ أبريل (نيسان) وديسمبر (كانون الأول) 1939، أمدَّت شركة «Temmler-Werke» الجيشَ الألماني بـ29 مليون «قرصًا هجوميًا» من البيرفيتين، الكثير منها استُخدم تجريبيًا في الحملات ضد بولندا في سبتمبر (أيلول) 1939. أثبتَ المخدّر كفاءته وأُصدر منه 35 مليون قرصًا في قمة هجمات الحرب الخاطفة عامَ 1940. قد يخفتُ بريق هجمات الفيرماخت الخاطفة إذا عرفنا أن الجنود في بعض الوحدات تعاطوا 4 أقراص في اليوم الواحد. وفي الصورة الكليّة: يُقدّر استهلاك أقراص الميث بين عامي 1939-1945 بـ200 مليون قرص.

 

حَذَت بريطانيا والولايات المتحدة واليابان نفس الحذو؛ فزوّدوا قواتهم بمنشط الأمفيتامينات. يُقدّر أن الجنود البريطانيين استخدموا 72 مليون قرص من «بنزيدرين الأمفيتامينات» في الحرب العالمية الثانية. وُزّع المخدّر على نطاق واسع للطيارين، وكذلك للمشاة. وعلى سبيل المثال، في أكتوبر (تشرين الأول) 1942، أمدَّ الجنرال البريطاني برنارد مونتغمري جيشه الثامن بـ100 ألف قرص قبل معركة العلمين الثانية. (انتصرَت فيها بريطانيا وكانت نقطة تحوّل في الحرب). غلبَ البريطانيون الألمان في تلك المعركة بسرعتهم الشديدة، بينما كان الألمان مخدّرين بالميث. ويبقى دور الـ«Uppers»، مُخدّر آخر، مجهولًا في حسم النتيجة النهائية للمعركة.

 

بحلول عام 1942 كانت أقراص بنزيدرين جزءًا من معدات جنود قاذفات القنابل الأمريكية، وفي 1943 أُضيفت أيضًا لمعدات جنود المشاة. 15% من الجنود الأمريكيين تعاطوا المنشطات بشكل منتظم. وأصدرَ البنتاغون على الأقل 250 مليون قرصًا من البنزيدرين للقوات، ويبقى الرقم النهائي قابلًا ليصل إلى 500 مليون. هذا الاختلاف الكبير في التقدير عائدٌ إلى معرفتنا بقيمة العقود الحكومية مع شركات: سميث، وكلاين، والشركة الفرنسية المُنتجة للبنزيدرين، لكننا لا نعرف قيمة البيع.

جيوش مخدَّرة

 

تابع الأمريكيون إمدادَ قواتهم بالأمفيتامين في الحرب الكورية وأصبح مألوفًا إمداد الجيش لجنوده بمُنشط «ديكستروأمفيتامين». مع الحرب، قام المجندون المُقيمون في كوريا واليابان بتحضير حبوبهم الخاصة؛ خليط من الأمفيتامين والهيروين للحقن. نحا استهلاك الجنود للمنشطات النفسية منحى مُقلقًا في الحرب الفيتنامية، سواءً الاستهلاك الرسمي الموصوف طبيًا للمنشطات من قبل السلطات أو الاستخدام الفردي دونَ وصفات. تفشّي حقن السرعة (مُخدّر) كان سريعًا، وبين عامي 1966-1969 أصدر الجيش 225 مليون قرصِ ديكستروأمفيتامين. وفقًا للبنتاغون، في الحرب الفيتنامية عام 1968 تعاطى 50% من الجنود المنشطات، بينما قفزت النسبة إلى 70% عام 1973، عام الانسحاب من فيتنام. دخَّن نصفُ الجنود الماريجوانا، وتقريبًا 30% منهم تعاطوا الهيروين والأفيون.

 

في زمنٍ أقرب؛ خلال حرب الخليج عام 1991، حلَّق 58% من الطيارين الأمريكيين بدعم ديكستروأمفيتامين، و17% تعاطوا بشكل مستمر «حبوب قو Go pills»، بوصفه حشيشًا قانونيًّا مألوف الذكر بين الطيارين أنفسهم. حتى اليوم، الطيّارون المقاتلون الذين يدخلون في مهام مدتها أطول من ثماني ساعات (طيّار واحد) أو أكثر من 12 ساعة (طاقم من اثنين)، يمكن في كلا الحالتين الحصول على «ديكسيدرين» إذا نُفذّت الإجراءات اللازمة. وابتداء منذ 2003، استُبدلت حُقن الأمفيتامين شيئًا فشيئًا بجيلٍ جديد من المنشطات النفسية، مركّب يوجورويك يُسمى «مودافينيل»؛ (بروفيجيل). الجيش الأمريكي هو القوة المسلحة الوحيدة في العالم التي تسمحُ رسميًا بمعالجة الإجهاد بالعقاقير المنشطة، ويسمحُ بهذا للطيارين فحسب.

 

أما الجيش الصيني فيُذكر أنه يقدّم عقاره الذكي الخاص. أقراص مضادة للنوم تعرف في الغرب باسم «النسر الليلي Night Eagle»، يُقال أنها تحافظ على استيقاظ الجندي لأكثر من 72 ساعة. في الصيدليات الروسية يوجد الكثير من الأدوية سهلة التوفر، تسمى في الغرب بـ«نوتروبيكس»، وهي محظورة باعتبارها منشطات رياضية. بعضُ هذه المنشطات طُوّرت بالأصل لرواد الفضاء واستخدمها لاحقًا جنود الجيش الأحمر في الحرب الأفغانية 1979-1989. مركبات «الفينوتروبيل»، و«الميترابروت»، أو «الميلدورنايت»، تعمل كما يعمل الديكستروأمفيتامين والميثا، ولكن بدون تأثيرات السيروتونين أو الدوبامين الجانبية.

 

الكبتاجون، المُخدّر المُفضّل لداعش. مُنشط فعّال جدًا يعرف بـ«فنيثيلين»، يتفاعل داخل الجسم مُنتجًا الأمفيتامين. ابتُكر في 1961 وأصبح مُنشطًا أساسيًا للمتعة في الشرق الأوسط ومؤخرًا منشطًا مُفضّلًا في «الحرب السورية المدنية». فهي تحفز انتباه المقاتلين وتزيد قوتهم، وتخدّر الخوف وتحثُّ على الجسارة. وَرَد أن «الجهاديين» يستخدمونه على نطاق واسع، مع حشيش وأفيون قوي مُسكّن. يقول فردٌ من ميلشيا للإخوان المسلمين في سوريا: «بعضهم يتعاطى الكثير لدرجة أنك إذا أطلقت عليهم النار لن يسقطوا». يُشبّه الجهاديون المُخدّرون بالزومبي، مشحونين بالكبتاجون يُقاتلون حتى بجراحهم القاتلة.

 

عاشَت قوات البحرية الأمريكية تجربة مشابهة في معركة الفلوجة عام 2004. دخلَ المقاتلون العراقيون المعركة مخدّرين بنسبٍ عالية من الأمفيتامين والكوكايين، فتابعوا القتال رغم إصاباتهم القاتلة، ومن ثمَّ أُمر جنود البحريّة بالتركيز في إطلاق النار أن يكون على الرأس.

مترجم عنCombat High – A Brief But Sobering History of Drug Use in Wartimeللكاتب Lukasz Kamienski

 

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *