الفضاء المكاني في “الحرام” يبعد العيون عن النساء

هيام الفرشيشي

تدخلنا عوالم السرد إلى تصاميم الأمكنة وهندسة المدن لتصور لنا ارتباط المعمار بالقيم الدينية الروحية والنظام الاجتماعي والتصورات الخرافية والأسطورية، وإلى التعبيرات الفنية والجمالية المتفاوتة، والتي تعبر عن فترات وحضارات بعينها، إذ تختلف الزخارف والمنحوتات والتماثيل والرسومات والاشكال والالوان على الجداريات بين ثقافة وأخرى حسب التصورات والرؤى وحدود الحرية والكبت.
والسارد بدوره يدرك أن الحيز الواقعي لعمله الأدبي هو تخطيط لمدينة معينة وطريقة تشييد العمارة فيها ودلالاتها التاريخية والاجتماعية ومحدداتها الاقتصادية. وبذلك تعكس العمارة الفضاء الواقعي الذي يساهم في إنتاج شخصياته وأنماط تفكيرها وأشكال تعبيرها، إلا أن المكان الذي يبدو ثابتا بما يحمله من موروث ثقيل غير عصي عن رياح التغيير الثقافي التي تضرب جدرانه وتسمع صداها فتحول وجهة شخصياته إلى اتجاهات مختلفة؛ وبالتالي إلى أمكنة متعددة تعكس عمارتها بتصميمها الهندسي والجمالي قيما أكثر انغلاقا أو تحررا .
هذا ما جسدته الكاتبة سعاد الفقي بوصرصار في روايتها “الحرام”، إذ صممت الفضاء المكاني الذي انطلقت منه أحداث الرواية “يقع بيتنا في أجنة ضواحي مدينة صفاقس، المترامية وهو برج بناه جدي بالحجارة على الهندسة المعمارية القائمة على التستر والانغلاق، فالنوافذ في الخارج صغيرة ومنفتحة وينفتح في الداخل على فضاء غير مسقوف، وهو وسط الدار ويقوم بوظيفة التهوئة.
وغرس أبي حول البرج شتى الأشجار المثمرة من نخيل ولوز، ورمان ومشمش وفيه بئر وماجل لضمان وجود الماء، كما يوجد مربض لتربية الحيوانات الأهلية من معيز، تدر الحليب خاصة وخراف تعد للذبح في عيد الأضحى وقن لتربية الدجاج، فقد كان البرج والجنان حوله عالما مغلقا، يوفر لسكانه الاكتفاء الذاتي، من مستلزمات العيش”.
تنطلق من دار ناشئة التكوين، تحافظ على العلو والشبابيك الضيقة العالية وعلى مبان سفلية للحيوانات، وفضاء لزراعة الأشجار وحفر ماجل، أما المدينة فهي حديثة بحكم تطور المباني التجارية والاقتصادية وبناء المدارس. لتصور سعاد الفقي بوصرصار من خلال رواية “الحرام ” بيئة مصغرة منغلقة تسعى أن تكون لها علاقات محدودة مع المجتمع الكبير، عبر تصاميم الدار ذات الجدران المرتفعة لإبعاد العيون عن النساء، أما النوافذ فهي عالية وضيقة تعبر عن ضيق الأفق والريبة من الآخرين، واستبعاد النساء عن الفضاءات المشتركة.
تتوفر عناصر الحياة المريحة في هذه البيئة عبر إنتاج الغذاء، وتوفر التهوئة والإنارة والتشميس لكن عالمها الداخلي يجب أن ينطوي على أسراره وخصوصياته، والشخصيات التي تعيش في هذا الفضاء محافظة متماهية مع النمط التقليدي لتصاميم العمارة. منها الأب الصارم والأم الخاضعة.
وتمثل السقيفة مجالا لعزل الدار عن الخارج، وفضاء لعبيا طفوليا فيه تصنع الطفلة/ الراوية دمى من العظام والعصي والتحدث إليها، أو خط رسومات على الجدران بالطباشير والفحم، وخربشات لرسم شخوص وحيوانات عند تشكل الوعي الطفولي والاستعانة بمواد بسيطة لتحاكي رسومها رموزا بدائية ما هي إلا إبداع طفولي وعبرها تتتشكل أسئلة وجودية تجابه بكلمة “الحرام” من طرف الأم، في بيئة دينية منغلقة، وترفض من يخاتل الواقع والمنطق والموروث الديني وتشكل قيودا صارمة عبر أب محافظ متدين وأم بسيطة ساذجة، وتابعة، ترفض تشكيل ابنتها للدمى والحديث معها، بحثا عن ذاتها ومكنوناتها. ويرفض الأب التعبير بلغة الرمز والألوان ووضعه في خانة المحرمات فيقع إجهاضه بطلاء السقيفة لمحوه وطمسه.
فالمعمار المحافظ يطمس كل الألوان ويرى الخربشة تمردا . فللأب الكلمة الفصل في مجلسه الذي لا يخصص لاستقبال الضيوف، ودور الأم الطبخ وإعداد أشهى المأكولات والحلويات، ووأد الاسئلة. وإجابات الأبوين وتصرفاتهما تحرم التصوير وإن كان رموزا تشكيلية أو خربشات.

في هذه البيئة تتغير طباع الأبناء بين من يحاكي قيمها الموروثة المحافظة بل يزيدها تعصبا وجمودا، ومن يتمرد عليها ويغادرها نحو وجهة تجسد بيئة متحررة، فالابن صالح يتماهى مع نمط الفكر التقليدي المتوارث ويضيق الحصار على أخته وانصرف في ما بعد للجهاد، والابن احمد رافض ومتمرد تبنى الفلسفة المادية وسافر لفرنسا لمواصلة تعليمه.
فالمعمار تستقطبه رؤى متعارضة الأولى تؤدي نحو التطرف الديني اليميني والثانية نحو التطرف اليساري. ايديولوجيات متناقضة متنافرة خرافية أو روحية، أو أرضية عقلانية. في ما بقيت البنت وهي الراوية في موقع الوسط تجتهد في تفسير وتاويل الإجابات المقدمة لها، من المراجع الدينية والاجتماعية والفكرية.
نحن إذن أمام معمار لم يفرز شخصيات ثابتة بل متحركة، كرياح تعصف بالمجتمع وتمثل دافعا لإحداث تغييرات. دار يسيطر عليها الموروث الإسلامي المحافظ، مفتوحة على رياح وتيارات ضربتها سابقا، عبر الاستعمار العثماني والفرنسي ومازالت تستقطب شبابها إلى مدنها ذات الخصوصيات المعمارية فكانت وجهة صالح إلى تركيا ذات الطابع الديني العقائدي، ووجهة أحمد إلى باريس ذات الطابع الثقافي المعرفي السياسي.
وبين تلك الفضاءات توزعت أفكار أفراد العائلة، بل تنقلت البنت إلى الأماكن التي تنقل اليها أخوتها ورصدت لنا تفاصيل العمارة، فانشغلت بتفحص الهوية المعمارية للبلدان التي زارتها، للمقارنة بينها وبيان الخصوصيات المعمارية وتأثيرها على الشعوب الأخرى، وربطها بالأحداث السياسية الطارئة على بلداننا، ومظاهر التبعية للآخر المستعمر، والتركيز على الجوانب الشكلية للهندسة المعمارية، سيما وان ارتبطت بالعقائد الدينية، فانشغلت بالفرجة على معالم الحضارة العثمانية وعظمتها، قصور وقباب تلعلع في السماء، عمارة تتميز بفراغات البناء الواسعة والعلو والتدرج، في العلو والقبة المركزية والقباب الأخرى، وحولها قباب أخرى.
أما باريس المتاحف والمسارح وقاعات العروض الفنية والأوبرا، والمباني الأثرية الفنية، والمكتبات والحي اللاتيني وعظمة البناءات والجسور والتماثيل العملاقة، تمجد العلماء والأبطال والساحات العامة، ساحة الكونكورد، وشارع الايليزي، والشوارع وسعها نابليون الثالث، وبرج إيفل يبرز تطور العمارة، وقوس النصر يخلد انتصارات بونابارت، ثم الربط بين العمارة ورموز الماضي روباس بيار ونابليون وهيقو وماري انطوانيت.
وتنتهي الرواية بالتقاء الأخوة في الدار العائلية فضاء لذاكرة أفرادها حيث تجمعوا من جديد رغم اختلاف الرؤى والسبل فهو الفضاء الأصلي الذي ينشد توسيع الحريات، وفي نفس الوقت عبر عن وجهة نظر الكاتبة في ضرورة احترام البعد الابداعي للإنسان وأي شخصية اجتماعية قادرة على رسم قيم جمالية جديدة لكي لا يجنح الأفراد نحو التطرف يمينا ويسارا.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *