متى سنرى “وادي سيليكون” عربيا

 

صار وادي السيليكون في عصرنا هذا علامة فارقة على الصعيدين التقني والأيديولوجي: أما التقني فهو لكون وادي السيليكون قد تطوّر من مرفق تقني بسيط إلى مطبخ تقني هائل يجري فيه تجريب كلّ التقنيات الثورية الجديدة في ميدان الاتصالات والمعلوماتية، وأما الجانب الأيديولوجي فيعود لكون وادي السيليكون صار مثالا للكيفية التي تتعشق بها الأفكار العلمية المستحدثة مع التطبيقات غير المسبوقة بطريقة مؤثرة على الأصعدة السياسية والاقتصادية والمالية، ولم يعُد من إمكانية لتخليق أيديولوجيات بعيدة عن الفضاء العلمي والتقني كما كان الأمر في العقود الماضية من القرن الماضي.

 

لن نجافي الحقيقة إذا قلنا إنّ الأصوليات الأيديولوجية العربية التي تمثّلت في عناوين حزبية عريضة فشلت فشلا ذريعا في التعامل مع مخرجات العلم والتقنية؛ لذا صار لزاما علينا أن نبحث لنا عن مخرج مناسب من عنق هذه الزجاجة الأصولية والانطلاق الحرّ نحو فضاء التجارب الناجحة، ولا بأس من تمثّل بعض التجارب التي سبقتنا وأثبتت بالدليل الملموس رياديتها وتأثيرها في خلق انعطافات مؤثرة في حياة شعوبها.

 

ففي الهند مثلا، هناك المئات من ملايين البشر الذين يوصفون بأنهم “أمة من العباقرة”، بحسب عنوان كتاب يتحدث عن التجربة الهندية في كيفية وضع بصماتها المميزة على معظم مفاصل سوق المعلوماتية العالمية، وقد بلغ الأمر حدَّ أن يصبح معظم الشخصيات القيادية في المفاصل التقنية العالمية هنودا ذوي إمكانات إدارية وتقنية عالية.

 

وثمة في الهند مركز تقني في مدينة بنغالور شبيه بنظيره الأميركي في ولاية كاليفورنيا، وقد ساهم المركز الهندي في تدريب الآلاف من الكفاءات العالية التي ساهمت في إطلاق مارد الاقتصاد الهندي ونقله إلى مصاف الاقتصاديات العالمية العملاقة.

 

ماذا لو فكّرنا بإنشاء “وادي سيليكون” عربي؟ تبدو الفكرة جذابة وعملية من أوجه كثيرة؛ فهي تمثل استثمارا في اقتصاد المعرفة المعروف بضخامة نواتجه المالية وتأثيراته الكبيرة لكونه منطلقا للارتقاء بالمجالات الأخرى وبخاصة في حقل التعليم والذكاء الاصطناعي والأتمتة؟ ومعروف عن اقتصاد المعرفة كونه يتعامل في المقام الأول مع العقول الطموحة والمتطلعة إلى تحقيق إنجازات عظيمة من شأنها قلب معادلة التخلف المفروضة على واقعنا العربي.

 

ولكي تكون الفكرة عملية وليست محض تحليقات في فضاء الأفكار الجميلة فحسب سيكون تعشيقها مع جانب عملي واسع النطاق أمرا بالغ الضرورة، وعلى سبيل المثال يمكن اتخاذ التجربة الهندية دليل عمل في هذا الميدان، وأقصد بذلك تصنيع كمبيوتر لوحي (تابلت) بمواصفات مناسبة تفي بأغراض التعليم المدرسي، وهنا ستنشأ دورة عمل ثنائية متبادلة التأثير.

 

فمن جهة سنضمن تصنيع جهاز لوحي منخفض التكلفة يفيد طلبة المدارس ويساعدهم على ولوج عتبة العصر الرقمي منذ بواكير حياتهم، ومن الجهة الأخرى سيساهم الطلب الكبير على هذه الأجهزة في تخفيض كلفتها واستمرارية دورة العمل حتى لو كانت كلفة هذه الأجهزة أعلى قليلا من نظيراتها الأجنبية في مراحلها الأولى؛ لكنّ تطوير قاعدة المعرفة التقنية يتطلّب قدرا من الدعم المالي الأوّلي لحين بلوغ المشروع مرحلة يديم بها نفسه من عوائد مبيعاته التقنية واسعة النطاق.

 

تصلحُ التقنية ما خرّبته الأيديولوجيا: هذه هي نقطة الشروع المناسبة التي يمكن التأسيس عليها لبناء قاعدة علمية تقنية عربية رصينة في عصر حلّت فيه التقنية محلّ الأيديولوجيات الأصولية الآفلة.

لطفية الدليمي

 

كاتبة عراقية

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *