الإسلاميون يروّجون لشرعية خداع الذات

 

نقاب شرعي، لباس شرعي، سياحة شرعية، سياسة شرعية، نكاح شرعي، خلوة شرعية، مايوه شرعي، رقية شرعية، مدارس شرعية، بنوك شرعية، علاقة شرعية، رقص شرعي.. وبالجملة، بوسعنا أن نتساءل، ألا يتعلق الأمر بالخداع الشرعي؟ أليس هذا كل ما في الأمر؟

 

طيّب، قد يُعترض علينا من عدة جوانب ممكنة، من أبرزها وجود بعض المجالات التي لا خلاف حولها وتُنعت بالشرعية، نذكر من بينها على سبيل المثال ما يسمّى بالطب الشرعي. غير أن الأمر هنا ليس سوى شكل من أشكال التمويه النفسي للذات، ولغاية أن نمنح لأنفسنا حقّ “انتهاك حرمات الموتى” ضمن لاشعور جمعي لا يستسيغ المسألة بالأساس.

 

لذلك، عندما أقرر استعمال مصطلح الخداع فلست أقصد إصدار أي حكم قيمة أخلاقي على تيار بعينه، إذ لا يتعلق الأمر بتدليس متعمّد، بل يتعلق الأمر بآليات خداع تشبه أقنعة تمويه الرقابة أثناء عمل الحلم من وجهة نظر التحليل النفسي. مثلا، يرغب الابن في المشاجرة مع والده، غير أن الوالد لا يأتي في الحلم إلاّ في صورة ثور على سبيل المثال، حتى لا تصطدم الرغبة الأصلية بالرقابة الذاتية على الرغبات المكبوتة، وفي النهاية، لأجل تفادي أزمة الضمير. مثال آخر، يرغب المراهق في ممارسة جنس المحارم مع امرأة لا تأتيه في الحلم إلا في صورة باهتة وغير واضحة، وذلك لكي تأذن لها الرقابة الذاتية على الأحلام بالمرور، وفي الأخير، لأجل تفادي صدمة الضمير.

 

إن ما يحدث في مستوى رغبات الفرد “المحظورة” هو نفسه ما يحدث في مستوى الرغبات الجماعية للمجتمع أو الحضارة، حيث بوسع آليات اللاشعور الجمعي التحايل على الرقابة الدينية للذات، وهي الرقابة التي يسميها الفقهاء بالوازع الديني، فتلجأ آليات اللاشعور الجمعي إلى استعمال أقنعة تخفي الرغبات الأصلية للناس وتموّه الرقابة الدينية، أي أنها تحتال على ما يسميه الفقهاء بالوازع الديني.

 

إن فهم الحاجة اللاشعورية إلى التمويه لهو المعطى الذي تستثمره بعض آليات التسويق التجاري على طريقة “السندويتش الحلال”، و”المايوه الشرعي”، و”التدليك وفق الضوابط الشرعية”.. إلخ؛ وهو أيضا المعطى الذي تستعمله آليات الدعاية السياسية على طريقة “الحزب الإسلامي”، و”الجامعة الإسلامية”، و”الجمهورية الإسلامية”، و”الثورة الإسلامية”.. إلخ

 

هنا بوسعنا أن نتقدم قليلا في التحليل لكي نضيف معطى بالغ الأهمية: إن الرهان على الإسلام السياسي ضمن بعض الاستراتيجيات الكونية، لهو رهان أيضا على إمكانية ترويض اللاشعور الجمعي للمسلمين، طالما يمكنه أن يوفر أقنعة المشروعية الدينية لبعض الرغبات “المحظورة” والتي لا تتقبلها أنظمة الرقابة الذاتية للمسلمين، أي لا يتقبلها الوازع الديني. بمعنى أن الدين ـ وعلى طريقة كارل يونغ- قد لا يكون مجرد مظهر للمرض، بل قد يصير آلية للعلاج، وذلك بمعزل عن معايير الصدق والكذب. هكذا ترى بعض الاستراتيجيات الحديثة مسألة الإسلام السياسي. معقولية هذا الرهان تقوم أيضا على مبدأ أن الدواء لا يكون إلا من جنس الداء. غير أن المعقولية لا تكفي، إذ ثمة تفاصيل.

 

    الإسلام السياسي هو التيار الأكثر اختراقا لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، أكان في المعارضة أم السلطة، لا فرق

 

هنا لدي رأي في الموضوع، وهنا بالذات تكمن مطارحتي الأساسية، ذلك أن آليات خداع الذات لا يمكنها أن توفر أي علاج نهائي وحاسم، بل كثيرا ما تصير الأمور إلى الأسوأ ولو بعد حين. إن الوعي الأكثر حداثة لينتصر اليوم لقاعدة قديمة تقوم على أساس أن المصالحة مع الذات هي الكفيلة بشفاء الذات من أمراضها. ما يعني أن استعمال الدين لأجل تحقيق مصالحة الإنسان مع ذاته، يجب أن يكون مسبوقا بمصالحة الدين مع الطبيعة البشرية للإنسان. وهذه هي المهمة الأساسية للإصلاح الديني.

 

في كل الأحوال، لا نحتاج إلى آليات التمويه إلا في غياب المصالحة مع الذات. إن عدم استحضارنا لحالة الانفصام القائمة بين ما نريد، وما نعتقد أننا نريد، ليجعل الكثير من الاستمارات البحثية والعلمية الموجهة للمسلمين قاصرة عن تحديد ما يريده وما لا يريده الإنسان المسلم. لذلك نظن بأن صيغة السؤال ستكون حاسمة في كل الأحوال.

 

حين يُسأل المسلم، هل يفضل أن يعيش أبناؤه في نيويورك أو لندن لكي يحققوا أحلامهم؟ فلن يتردّد في الإجابة بنعم. لكن ما إن تتغير صيغة السؤال وتصبح على النحو التالي، هل تفضل أن يعيش أبناؤك في الدار البيضاء أو القاهرة لكي يحافظوا على ثقافتهم؟ حتى يجيب أيضا بنعم. هل يشعر التناقض؟ لا. لأن الإجابات كلها صادقة، وتنطلق من دوافع لاواعية ومتضاربة. مرة أخرى ليس الخداع هنا بمسألة أخلاقية تتعلق بمستويات الوعي والقصد والإرادة، وإنما هو معضلة صحية تتعلق بمستويات اللاشعور الجمعي. إن الخداع متعلق بالحالة الصحية للحضارة برمتها.

 

تبقى هناك ثلاثة توضيحات إضافية لا بد منها:

 

أوّلا، إذا كنا نركز النقد على الإسلام السياسي دون سواه، فليس بسبب أننا نبرّئ سواه، أو نعتبره معصوما عن الأخطاء، بل لسبب نعتبره وجيها وكافيا: سواء قبلنا بذلك أم لم نقبل به، يظل الإسلام السياسي هو التيار الأكثر تأثيرا على وجدان الشعوب، والأكثر اختراقا لمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، أكان في المعارضة أم السلطة، لا فرق.

 

ثانيا، نقدنا للإسلام السياسي مجرّد جانب من استراتيجية النقد الذاتي، والتي تتضمن جوانب كثيرة، من قبيل نقد الموروث الديني الذي نشترك فيه جميعنا، نقد الخطاب الديني الشائع في مدارسنا ومساجدنا ومجالسنا، وأيضا نقد لاشعورنا الجمعي والذي ينتظرنا فيه جهد دؤوب.

 

ثالثا، إذا كان الإسلام السياسي يتأرجح دوما بين موقع الجلاد وموقع الضحية، فإن ما نرجوه من النقد هو المساهمة في تحرير الإسلام السياسي من دور الظالمية، ومن دور المظلومية، ومن كليهما معا وعلى حد سواء.

سعيد ناشيد

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *