العنصرية بالإخفاء: عَين الغرب المُغمَضة عن مجزرة السويداء

أحمد مغربي

العنصرية بالإخفاء: عَين الغرب المُغمَضة عن مجزرة السويداء لماذا لم يعامَل دروز السويداء على غرار ما تتعامل به أوروبا مع المسيحيّين العرب.. أو الأيزيديين؟

الأرجح أن شبه اختفاء مجرزة السويداء من الإعلام الغربي، هو عنصرية بالإخفاء: تمييز عبر المَحوِ عن البصر. لماذا اختفى منطق حقوق الإنسان من الإعلام الغربي في مجزرة السويداء، كأن معايير الإنسانية وحقوقها لا تنطبق على ضحايا إرهاب “داعش” في الجبل السوري؟ لماذا لم يلتقط الاعلام الغربي ذلك الحدث المأساوي ليبرز إلى العيون مثلاً العلاقة بين مجزرة السويداء والتراجع المستمر للرئيس الشعبوي دونالد ترامب أمام النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، على الرغم من حرب مستمرة بين ذلك الإعلام وترامب؟

 

أليس مقلقاً تماماً أن معظم الإعلام الغربي (استثناءات قليلة من بينها تغطية صحيفة “الغارديان” البريطانية)، تجاهل تلك المجزرة المريعة، بل مرت سريعاً في شاشاته كأنها خبر عادي؟ كذلك لم يحدث تفاعل ضخم عبر السوشال ميديا في الغرب، فلم يصل ضجيجها شاشات الإعلام التقليدي، ما يشي بانصراف شعبي غربي أيضاً عن الاهتمام بتلك المجزرة.

لماذا خفتت صور مجرزة السويداء في الشاشات الغربية، بل عبرتها كظل شبح مسرع؟ لماذا لم يُعامل دروز السويداء على غرار ما تتعامل به أوروبا مع المسيحيّين العرب مثلاً، بمعنى أن ينطبق على الدروز أيضاً ذلك المنطق الأوروبي عن “الأقليات” ومعاناتها في الدول العربيّة؟

 

قبل كل شيء، يجدر رفع الصوت ضد مقولة أن المسيحيين والمُكوّنات المؤلّفة للشعوب العربية هم أقليّات، لأن ذلك المنطق لا يرى أبعد من أنف الأرقام. وينسى أن تلك الشعوب لها تاريخ ومسار وتفاعل يمتد عبر حضارات راسخة وعريقة، وأن ذلك التفاعل التاريخي هو سياق تكوّن الشعوب ونسيجها الوطني، وتالياً خارج التفاعل والتاريخ تكون أضخم “أكثريّة” مجرد “أقليّة” بلا شعب، بل محض “أقليّة” بأعداد كثيرة.

 

صوت الضحية كمّمته أيدٍ كثيرة

في ذروة خطاب غربي مُعلَن عن الأقليّات العربيّة والتمييز ضدها، خصوصاً على أيدي تنظيمات الإرهاب الإسلاموي، رفضت أوروبا (بالصمت والعماء) حتى أن تساوي الدروز مع مكوّنات تحرص أوروبا على رفع الصوت بخطاب ديموقراطي عن حمايتها. على بُعد زمن خاطف من مؤتمر خُصّص لبحث مشكلة “الأقليّة” المسيحيّة في العالم العربي، نفّذ “داعش” مجزرة في السويداء ومحيطها. وبضربة إرهاب انتحاري، اختفت عشرات الأرواح البشرية التي تحمّلت أصلاً صراعات دوليّة كبرى لدول الغرب، ما ساهم في وقوعها بين حجَري الرحى: نظام القمع المتغوّل البعثي من جهة، والإرهاب الإسلاموي التكفيري لـ”النصرة” و”داعش” من جهة ثانية، بغض النظر عن نسبة المسؤولية بين تلك الأطراف.

هناك ثنية مهمة، تتعلق بالضحية. إذ ربما ساهم الوضع المأزقي الذي تعيشه المعارضة السورية حاضراً في تكميم صوت الضحية في مجزرة السويداء. ربما أمكن للبعض الإشارة إلى أن السويداء أوصلتها تشابكات الثورة السورية (خصوصاً التمدّد المتعاظم لبندقية الإرهاب في مساحات منها)، إلى وضع يشبه نوعاً من “الحياد”. يمكن الإشارة فوراً إلى حركة “شيوخ الكرامة” المؤيدة للثورة، في مقابل الوجع الدرزي الذي اكتوت به القلوب في مجزرة قرية “قلب لوزة” بريف إدلب مثلاً. حتى لو جرى التسليم لمجرد الجدال بالأمرين معاً: مآزِق المعارضة السورية (بما فيها صراعاتها الداخلية)، والحياد الدرزي، فلربما يصلح ذلك لتفسير الصمت المدوّي عن مجزرة السويداء في الأوساط السورية والعربيّة والإسلامية وغيرها. لكن، ماذا عن الغرب؟

 

يجدر التوقف ملياً عند معطى التكفير في الإرهاب الإسلاموي الذي تعامل معه الإعلام الغربي بكثافة، خصوصاً مع الأزمة السوريّة الأخيرة. إذ يمثّل التكفير سنداً فكرياً رئيساً لذلك الإرهاب، بل صار ذلك معروفاً بالتراكم لدى الغرب، خصوصاً منذ ضربات إرهاب “القاعدة” في 11/9، ومروراً بالمقتلات التي طاولت شعوب الغرب ومُدنه. وطري في الذاكرة، توقّف الإعلام الغربي طويلاً وملياً عند مجازر الإرهاب الإسلاموي حيال الأيزيديين مثلاً، الذين عانوا التكفير الإرهابي إلى حد لامس الإبادة الجماعيّة. وشكلت مجازر الأيزيديين جزءاً من سجل إرهابي لـ”داعش”، لكنهم لقوا اهتماماً غربياً بمآسيهم. فأين ذهبت تلك الخلاصات في حال مجزرة السويداء؟ 

 

صوت آغامبن: الديموقراطية تموت خلف حصنها

ربما تنطق الأمور عن سقوط متواصل في النموذج الحداثي والديموقراطية، يحدث في مهد هذه الأخيرة وحاضنتها (الغرب). ومثلاً، في مرحلة الأحادية الأميركية المعولمة التي تلت انتصاره ضد الشيوعية، علت نبرة “حق التدخل الإنساني”، بل وصلت إلى حد “ملتبس” في حروب انهيار يوغسلافيا (البلقان وكوسوفو والبوسنة وغيرها)، إضافة إلى سلسلة تدخلات عسكرية تبرز بينها عربياً إشكالية الغزو الأميركي للعراق.

 

ومن يتابع الإعلام الغربي عموماً، لا يصعب عليه التقاط النبرة المتصاعدة عن أزمة النموذج الديموقراطي في الغرب نفسه، إضافة إلى أزمة مجمل النظام السياسي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والتي يفترض أنها كرست صعود ذلك النموذج عموماً. ولعل الاعلام الغربي كان مستغرقاً في عناوين مثل “فشل المجتمع متعدد الثقافات” و”أزمة نشر النموذج النيوليبرالي” و”صراع الحضارات”، عندما “ارتطم” بظواهر الإرهاب الإسلاموي خصوصاً. كذلك ترافقت مرحلة انحسار الأحادية الأميركية، مع انصراف عن تبني قيم عالمية، لعل التعبير الأكثف عنها كان التوافق الأميركي الروسي بعد ضربة الكيماوي الشهيرة.

 

الأرجح أن الشعبوية جاءت بالترافق مع تأزم تاريخي في المشروع الضخم للحداثة الغربية، وأنها تعبر عن تخلٍ غربي عنها، على مستوى الثقافة بمعناها الواسع. مع صعود الشعبوية في أميركا ثم أوروبا، لم يعد المعيار الحداثي- الديموقراطي هو المحك، بل سقطت الأمور إلى مستوى الصراعات المباشرة بين الدول والهويات والكيانات، بالترافق مع التركيز على المصالح الخاصة المتصلة بكل من تلك الأشياء. لم تعد الحداثة الإنسانية والديموقراطية أفقاً غربياً محمولاً ومفتوحاً على العالم. ولعل تلك الزاوية “تنسجم” مع تصدعات مأزقية في الاتحاد الأوروبي (خصوصاً في الموقف من المهاجرين والإسلاموفوبيا)، وحروب طرفي الأطلسي، والتنازع بين الدول الأوروبية في ليبيا وغيرها. 

 

وعبثاً رفع مفكرون أوروبيون، كالإيطالي جورجيو آغامبن، الصوت، محذرين الديموقراطية الغربية بأن تتجنب تحوّلها إلى الإنعزالية، بمعنى عدم الوقوع في فخ التصرف كأن الديموقراطية هي نموذج حضاري لجغرافيا سياسية- ثقافية معينة (الغرب تحديداً). ورأى آغامبن في ذلك تحويلاً للديموقراطية من كونها مشروعاً منفتحاً عن الإنسانية، بل خطاباً من مشروع الحداثة موجهاً إلى الشعوب كافة كي تلتقطه وتساهم فيه، إلى ما يشبه الحصن المنعزل المغلق المقيم خلف إسوار ضخمة. وعندها تتحوّل الديموقراطية من مشروع الحداثة الإنساني إلى مجرد نظام ثقافي سياسي ينطبق على مكونات معينة ويستثني كل ما عداه. في تلك الحال، تكون أوروبا الديموقراطية شبيهة بنظام التمييز العنصري الذي كان في جنوب أفريقيا، وكان يطبق الديموقراطية على مكوّن واحد (الأبيض- الأوروبي)، فيما يبقى الآخرون خارج ذلك السور العنصري الضخم. ورأى آغامبن أن العمل بعقلية أن الديموقراطية تنطبق على من “في الداخل”، تعني سقوطاً تاريخياً مدوياً للديمزوقراطية وتالياً لمشروع الحداثة الغربي كله.

 

هل صدفة أن آغامبن هو أيضاً صاحب مقولة “كلنا لاجئ”، وأن أوروبا التي تتصرف كمأزومة تجاه المهاجرين، تصرفت على نحو مأزوم أيضاً تجاه الدروز ومجزرة السويداء فيها؟ وذلك بمعنى سقوطها في ازدواجة معايير تذكر بسقوط النموذج الديموقراطي في فخ “الحصن الديموقراطي المغلق”، مع ما يعنيه ذلك من تمييز وعنصرية؟ الأرجح أن تصرف الإعلام الغربي (وكذلك الإرادات السياسية فيه) حيال مجزرة السويداء، يوحي بأن الشعبوية هي صورة مآل الديموقراطية الغربية المعاصرة، بعد انكماشها إلى هويات متعالية لا تعني الحداثة والديموقراطية لها سوى “جدران” تحمي مآزقها!

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *