“ثورة الأرض”لجوزيه ساراماغو: لقد توقف المطر، قالت المرأة لابنها

 

 

تصدر قريباً عن منشورات الجمل رواية “ثورة الأرض” للروائي جوزيه ساراماغو، ترجمة: أحمد عبد اللطيف، ننشر مقاطع منها بالاتفاق مع الناشر.

 

“وأنا أسأل علماء الاقتصاد السياسي وعلماء الأخلاق: هل أحصوا عدد من حُكِم عليهم بمعاناة البؤس والعمل الشاق وتثبيط الهمة والنمو المتأخر والجهل المفسد والمصائب التي لا تقهر والفقر المدقع، كل ذلك من أجل خلق ثري واحد!”.

 

المييدا غاريت

 

تتمتع أرض الوسية أيضًا بالمنظر الطبيعي. ومع أن كل الأشياء ناقصة، إلا أن المنظر هنا كامل بغزارة، غزارة يمكن تفسيرها فحسب بأنها معجزة أزلية، إذ المنظر الطبيعي بلا شك أقدم من الإنسان. ورغم هذا الوجود السرمدي، لا يزال المنظر باقيًا لم ينفد. قد يرجع ذلك لتغيُّره المستمر، ففي بعض فترات السنة تستحيل الأرض خضراء، وفي فترات أخرى تستحيل صفراء، ثم كستنائية أو حتى سوداء. وفي أماكن تغدو حمراء، وهو لون الطين أو الدم المسفوك، لكن ذلك يتوقف بالطبع على ما نزرع به الأرض أو نغرسه فيها، أو ما تمنحه الطبيعة البسيطة من دون أن تمتد إليها يد إنسان، ثم يموت كل شيء لأن النهاية المحتومة قد جاءت. ليس هذا بالتحديد حال القمح، إذ يحصدونه حيًا. ولا حال السنديان، إذ في قمة حياته ينتزعونه من قشرته معتقدين أنه حي لغلظة ساقه. فيصرخ.

 

المنظر الطبيعي هنا مترع بالألوان، لكن لا يجب أن نتحدث عن الألوان فحسب، فثمة طقس شديد القسوة في أيام الشتاء، وشديد القيظ حتى لا نعرف نسمة الهواء في أيام الحر. لا راحة في الدنيا، وإن عرف أحد الراحة في يوم ما، فلا بد أنه يوم وفاته. هنا ثمة روائح كذلك تعبّق المكان، والوسية بالطبع جزء منه وتتمتع بمنظر من مناظره، فلو مات حيوان بلا قيمة في الأرض الوعرة ستنتشر رائحة الجيفة التي توشي بموته، وحين تسكن الرياح لا أحد سيلاحظ هذه الرائحة حتى ولو مر بجانبها. ثم يتحلل العظم ويصير سيانًا غسله بقطرات المطر أو احتراقه تحت أشعة الشمس. ولو كان الحيوان ضئيل الجسم لن يصل إلى هذه المرحلة لأن الديدان وحشرات القبور تصل سريعًا وتلتهمه.

 

إن أردنا أن نصف الوسية فهي أرض رحبة، حدباء، بها شيء من ماء الضفاف تجود به السماء أحيانًا وتبخل به في أحيان أخرى، وصوب الجنوب تمتد مستوية، ملساء مثل راحة اليد، مع أن جزءًا كبيرًا منها، بتعمد من الزمن، مال للانغلاق على نفسه مع مرور السنين، فصارت مثل يد الفأس أو المنجل أو المحش. إنها أرض تشبه راحة اليد كذلك في أنها مكسوة بخطوط وسُبُل، وطرقها الحقيقية التي ستتحول إلى قومية، حين لا تتبع المجلس المحلي، تصل إلى ثلاثة تفريعات، فالرقم ثلاثة رقم شاعري وسحري وكنسي، وكل الأمور الأخرى مفسرة في هذه الخطوط ذهابًا وإيابًا، بدروبها الحافية والعارية بين الحقول والشجيرات، بين جدامات القمح والزهور الحسناء، بين السور والصحراء. منظر طبيعي هائل، يستطيع المرء أن يمشي فيه منذ مولده وطيلة حياته من دون أن يعثر على نفسه أبدًا. وإن جاءت ساعته، فلن ينفعه إلا الموت. الإنسان ليس أرنبًا ولا فأرًا حتى يتعفن من الشمس، لكن فلنتخيّل هلاكه من الجوع والبرد أو الحر في أرض لم يحسبوا له فيها حسابًا، أو يصاب بمرض لا يمهله للتفكير في شيء ولا حتى لطلب النجدة، مع أنهم حتماً سيعثرون عليه ولو بعد فوات الأوان.

 

لقد مات الكثير في هذا المكان وأماكن مختلفة داخل المنظر الطبيعي بسبب الحروب والأوبئة الأخرى، ومع ذلك كل ما نراه هنا حي، وثمة من يقول إنه لغز لا يسبر غوره، مع أن الأسباب الحقيقية مرتبطة بهذه الأرض، بهذه الوسية التي تمتد عاليا للروابي وإلى الأسفل حيث الأرض المستوية على مدى البصر. ولو لم تكن الأسباب مرتبطة بهذه الوسية، فقد تكون بوسية أخرى، فالفارق بينهما لا يهم سواهما، وليسكن الاختلاف بين رأيي ورأيك: لقد تم إحصاء كل شيء في زمن محدد ومناسب، حدود في الشمال والجنوب، في الشرق والغرب، كأن ذلك قد تقرّر في بداية الخليقة حينما كانت الدنيا مجرد منظر طبيعي تقطعه حيوانات كبيرة وثلة من الرجال هنا وهناك بفرائص مرتعشة. في تلك الأزمنة وبعدها تقرّر ما كان يجب أن يكون المستقبل: خطوط اليد المعوّجة التي هي حاضر هذه الأرض المقسّمة الآن بين أصحاب الفأس، وبحسب حجم وحديد أو حافة الفأس. على سبيل المثال: هل أنت سيد ملكي أم دوق، وبعد ذلك سيد ملكي أم أسقف أم رئيس رهبانية، ابن شرعي أم ابن زنا، أم أنك ابن محظية، بقعة تم غسلها وإعادة الشرف لها، صديق ضاجع ابنة محظية، أم قائد حرب، إذن نصف مملكة في الحال، وفي بعض الأحيان يقال: أصدقائي الأعزاء، هذه أرضي خذوها وعمّروها من أجل خدمتي وأولادكم، وحافظوا عليها من الخونة والعصاة. إنه كتاب الساعات المقدسة والعليا الذي يضم حسابات شديدة القدسية تقدم للقصر والدير، ترتل داخل البيوت الأرضية الكبرى أو داخل أبراج من الشمع، كل مليم يساوي صلاة، وكل عشرة تساوي الكلام الملائكي، وعندما تصل إلى المائة تفوز بالصلاة الكبرى، مريم هي الملك. خزائن عميقة، مطامير عميقة الغور، مخازن غلال مثل ناووس بلاد الهند، أحواض وبراميل، خزائن سيدتي، كل هذا تم وزنه بالذراع، بالعصا والهراوة الحديد، بالأمداد، بالمتر والقدم، كل أرض واستعمالاتها.

 

هكذا جرت الأنهار، وجاءت أربعة فصول في السنة منضبطة في ميعادها بيقين حتى في تغيراتها. وجاء الزمن بصبره الجم، وبشيء آخر، ليس أقل أهمية، هو المال الذي يعد أغلى من كل الأشياء، ماعدا الإنسان حتى عندما يتغير مثل فصول السنة. لكن في كل مناسبة، كما نعلم، كان الإنسان مباعًا ومُشتَرى. لكن لكل زمن ماله، ولكل مملكة إنسان يُباع ويُشترى بمسكوكات متنوعة ما بين إطارات من ذهب وفضة، ريالات، دوبلات، كروثادات، رييسات ودوبلونات ذهبية، أو حتى فلورينات من الخارج. المال معدن شديد التقلّب والتغيّر، كثير الطيران مثل روح الزهرة أو روح النبيذ، يصعد، كأن له أجنحة من أجل الصعود فحسب، لكن لا يهبط أبدًا. والسماء هي مكان المال، مكان عالٍ يبدل فيه  القديسون أسماءهم حين يحلو لهم ذلك، لكنهم لا يبدلون الوسية.

 

في النهاية، الأرض أم بثدي بض تعطيه لأفواه كبيرة وجشعة. الأرض رَحِم، أرض مقسّمة من الأكبر للأصغر، أو من الأصغر للأكبر لو تراءى لهم ذلك، بالشراء أو بالانفاق، أو بالسرقة الخبيرة، أو بالجريمة المغالى فيها، إرث الأجداد والأب النافع، رحمهم الله. تأخر ذلك قروناً، من يستطيع أن يشك في أن كل شيء سيستمر هكذا حتى نهاية الزمن؟

 

ثمة آخرون متناثرون امتلكوا أراض، كيف امتلكوها مع أنها غير مسجلة بأسماء الأرواح المتوفاة ولا حتى الأرواح الحيّة؟ إن حكمة الله، يا أولادي الأعزاء، لا حدود لها. فهنا الأرض ومن يجب عليه زراعتها، فلتنمو وتتكاثر. فتقول الوسية: فلأنمو وأتكاثر. لكن هذه الحكاية يمكن روايتها بشكل آخر.

 

بدأت الأمطار تهطل فوق الرؤوس عند ساعة الغروب، عندما كانت الشمس نصف شبر فوق التلال المنخفضة الواقعة على اليد اليمنى، بعدها جلست العجائز ليمشطن شعورهن، فهذا هو وقت الفضيلة الذي يخترنّه. أوقف الرجل الحمار ودفع حجرًا بإحدى قدميه أمام عجلة عربته الكارّو، حتى يستريح حماره من أثقال يحملها على كاهله في التل القصير. كم هي رائعة تلك الفكرة التي عبرت بذهن مَلاك المياه السماوية! فهذه الأمطار تأتي في غير موسمها، لهذا نلحظ غبارًا كثيرًا في الطريق، كما نجد بعض الروث الجاف أو فضلات حصان نائية عن الأماكن المعمورة فلم يقترب أحد ليأخذها. لم يجازف أي صبي بسبت معلق بذراعه ليأتي إلى هنا بحثاً عن روث طبيعي وبكل حيطة يمسك بأصابعه القرص الجاف، والمشقق أحيانًا مثل ثمرة فاكهة ناضجة. وتحت المطر، تلطخت الأرض الشاحبة والساخنة بنجوم سوداء، مباغتة، تساقطت سرًا فوق التراب الرخو، وبعد دفعة ماء كما الضرب بكف اليد، غمر الماء الأرض. لكن كان أمام المرأة وقت لتخرج الطفل من العربة، من العش المكوّن من مرتبة تبنية بين صندوقين. ضمته إلى صدرها، غطت وجهه بالجزء المتدلي من شالها وقالت “لم يستيقظ”، الطفل أهم ما نعتني به، بعده يأتي أي شيء. ” كل سيبتل”، نظر الرجل إلى السحب العالية، هرَشَ أنفه وقرّر بحكمته كرجل “إنه لا شيء، مجرد وابل من المطر”، لكنه على سبيل الاحتياط فكّ أحد البطاطين وفردها فوق الأثاث. “لا بد أنها ستمطر اليوم، لعنة الله عليّ”.

 

دفعتْ عصفة ريح قطرات المطر فتناثرت، ونفض الحمار أذنيه بشدة عندما لطمه الرجل على ظهره، فسحب عُرُش العربة بينما الرجل يساعده بدفع العجل. استأنفوا الصعود بالسفح الصغير. ما زالت المرأة في الخلف، تحمل ابنها بين ذراعيها، وبينما تتذوق سكينة الطفل تنظر في وجهه وتهمهم “ابني”. كان العشب يمتد على جانبي الطريق الممهد للعربات، بالإضافة لبعض السنديان الضال والمخنوق حتى منتصف جذعه، سنديان مهجور أو مولود هنا بالمصادفة. وبين الأرض المبلولة كانت العجلات تشق طريقها، مصدرة ضوضاء جافة مثل ضوضاء الحقول المسحوقة، ومن آن لآخر كانت تقفز قفزة فجائية، ذات ارتداد، عندما تطأ حجرًا يهز العُرُش. كان الأثاث يصر صريراً تحت البطانية. والرجل بجانب الحمار، بيده اليمنى مسنودةً على عريش العربة، ملتزماً الصمت. وهكذا وصلوا إلى أعلى الطريق.

 

كانت تأتي من الجنوب، في مواجهته، كتلة هائلة من السحاب، كثيفة ومكوّرة، تعلو السهل الذي يتميز بلون التبن. والطريق يختفي من بُعد، يصعب تمييزه بين الطرق المتاخمة التي تهدمت وكنستها رياح البادية. في العمق كان يدخل في طريق عريض، وهي طريقة طموحة للتحدث عن أرض بها طريق جانبي. على اليسار، في مستوى الأفق تقريبًا، ثمة قرية تطل حوائطها البيضاء صوب الغرب. السهل هائل، كما قد قيل، أملس ومستوٍ، به أشجار سنديان مفردة أو مزدوجة، وأشجار أخرى قليلة. من هذا التل لم يكن من الصعب تصديق أن الدنيا لا حدود معروفة لها. أما القرية التي هي المقصد، والتي تُرى كضوء أصفر تحت لوحة من رصاص الضباب، فكان يبدو أن الوصول إليها محال. “مدد يا قديس كريستوبال”، قال الرجل. بينما كانت المرأة، التي لم تسافر أبدًا نحو الجنوب بهذه المسافة، وأقصى ما وصلت إليه كان جبل لافري، فكان يبدو لها مكانًا متشابهًا، ربما كان نوعًا من النوستالجيا.

 

كانوا في منتصف الربوة عندما عاد المطر مجددًا. تساقطت في البداية عدة قطرات مهددة بقدوم شلال،  قد يغزو وابل من المطر. ثم مرّ الريح بالسهل، كنسه كما تفعل المكنسة، ارتفع الغبار والتبن، وتقدم المطر من الأفق مثل ستارة غامقة ستحجب سريعًا المنظر الطبيعي النائي. كان مطرًا منتظمًا مثل الأمطار التي تأتي في ساعات كثيرة، يتساقط ويغمر الأرض بمياهه، جاء ولم يتوقّف، وحين لا تستطيع الأرض احتمال غزارة المياه فمن الصعب معرفة إن كانت السماء هي التي تبلّنا أم أن الأرض هي التي تفيض علينا بمياهها. عاد الرجل ليقول “لعنة الله عليّ”، إنها فضفضة الناس عندما لا يتعلّمون  لكثرة قناعتهم. كل البيوت بعيدة، ولا مفر من شلالات المطر المتساقط من دون لحاف يحمي الظهر. من هنا حتى القرية، بخطوة الحمار يمشي الهوينى وبلا عزيمة، سيتأخر على الأقل ساعة كاملة، وأثناء ذلك سيعُمّ الليل بظلامه. وبعد أن تشرّبت بطانية الأثاث ما يكفيها من المطر، بدأت تقطر حبات تنزلق من أطرافها البيضاء، فكيف حال الملابس المختبئة في الصناديق! وهي أملاك مقتصدة لأسرة نازحة تعبر للوسية لأسباب ما. نظرت المرأة إلى السماء، وهي طريقة قديمة وريفية من خلالها تُقرأ صفحة كبيرة ومفتوحة فوق رؤوسنا، صفحة توضّح ولا توضّح إن كانت السماء محمّلة بحبر غامق أم لا. تقدّموا في طريقهم، كما المركب يسوقه الفيضان، كل شيء على وشك السقوط، لهذا كان الرجل يضرب حماره ليسرع في الوصول إلى شجرة سنديان، فقد تهبهم شيئًا من الحماية. ها قد وصل الرجل  والعربة والحمار، وما زالت المرأة تغرز في الوحل، لا تستطيع الركض كيلا توقظ الطفل، هذه هي الدنيا، لا يتقي البعض شر البعض الآخر حتى ولو كانوا شديدي القرب كالأم والابن.

 

تحت شجرة السنديان صدرت من الرجل إيماءات تعبّر عن ضيق صدر، من الواضح أنه لا يعرف معنى حمل طفل بين الذراعين، من الخير أن يشد الحبال التي تراخت من كثرة الجري حتى أصبح الأثاث مهددا بالانزلاق، “ذا ما ينقص، أن ينكسر القليل الذي خرجنا به من الدنيا!”. تحت الشجرة يقل المطر، لكن قطرات كبيرة تتساقط من الأوراق، فتلك الأغصان الهائلة والمفتوحة ليست رأس شجرة برتقال، وأنت تحتها كأنك تحت سقيفة مكشوفة، لا يعرف الواحد منا أين يحتمي، ولتكتمل المأساة شرع الطفل في البكاء، وصار هو الآن الشغل الشاغل. فتحتْ أمه بلوزتها وأعطته ثديها شبه الجاف كنوع من خداع فمه. أسكته الثدي قليلًا، وبقيت الأم والابن في جانب في سكينة، يغلفهما خرير المطر الواسع، بينما الأب يدور حول العربة يفك ويعيد عقد العُقد، يرتكز على ركبتيه فوق العُرُش ليلقي الحبال، أما الحمار، في مكان بعيد، ينفض أذنيه بقوة وينظر إلى برك المياه والخيوط التي تتشكل في الطريق. حينئذ قال الرجل “راق للأمطار أن تهطل ونحن على وشك الوصول!”. كانت كلمات تعبر عن غضب رقيق، قيلت بقلق وبلا أمل، لن يتوقف المطر لأنه يضايقني، إنه قول الراوي المعفي من المطر. انتبه جيدًا لحركات الأب الذي يسأل في النهاية “وكيف حال الولد؟” ويقترب، ينظر تحت تعرجات الشال، إنها حرية الزوج، لكن المرأة غطت نفسها سريعاً وبحياء حتى إنه لم يعرف حقيقة إنْ كان يريد رؤية الطفل أم حلمة نهدها الناتئة. مع ذلك ميّز عينيّ الطفل الزرقاوين بشدة من بين الظل المحيط بهما، بين سخونة ثنيات الملابس ذكية الرائحة، بينما نظر أيضًا لهذا النهد الحميم. كانت نظرة الطفل فريدة في بهائها، نظرة اعتادها منه منذ مولده، شفافة وصارمة، مثل إنسان يشعر أنه في منفى بين عينين سوداوين وأخرىين عسليين، في أي أسرة ولدتُ!

 

توارت الغيوم الكثيفة قليلًا، وانكسرت حدة الأمطار الأولى. خرج الرجل إلى الطريق ليتفحص الجو، التفت للجهات الأصلية الأربع وقال لزوجته “علينا أن نمضي، فلن نبقى هنا حتى تزداد علينا ظلمة الليل”، فأجابته الزوجة “هيا بنا “. ونزعت حلمة نهدها من شفتي ابنها الذي لم يكن يمص شيئًا. كان يبدو أنه سيشرع في البكاء لكنه لم يفعل، فقط فرك وجهه بنهدها وتنهد ثم سقط في سراديب النوم. كان رضيعًا هادئًا، جميل المحيا، صديقًا لأمه.

 

الآن يسيرون جنباً لجنب وقد اعتادوا المطر، لن يوقفهم شيء عن مقصدهم ولا حتى كوخ مريح، البيت والبيت فقط. كان الليل متعجلًا لينشر ظلمته، فحلّ سريعًا. وفي الغرب كان النور الأخير باهتًا يختبئ، ما زال في مكانه لكنه ينطفئ، وفي غمضة عين تستحيل الأرض بئرًا حالك الظلمة، شديد السكون ومترعاً بهمسات، برحابة العالم عند سقوط الليل! كان صرير عجلات العربة يُسمع جيداً، وأنفاس الحيوان المتهدّجة مفاجِئة مثل سرٍ خرج من بئره بغتة بصوت عال، حتى حكّة الملابس المبلولة كانت تبدو كحوار متتابع، هامس، بلا وقفات، مثل حديث الصحبة المحببّ للقلوب. كانت الدنيا مظلمة لدرجة أنهم لا يرون شيئًا على بعد فراسخ من حولهم. صلّبت المرأة على نفسها، وصلّبت على وجه رضيعها. في هذه الساعات من الأفضل الدفاع عن الجسد وحماية الروح، فقد تظهر في منعرجات الطريق أشباح موتى تركض متدافعة أو تجلس فوق أحجار في انتظار المسافرين، وتسأل ثلاث أسئلة لا جواب لها: من أنت، من أين جئت، أين تقصد. الرجل الذي يسير بجانب العربة يعشق الغناء، لكنه لا يستطيع أن يغني، فهو يدّخر كل جهده لمداراة خوفه من الظلام. “لقد سِرنا الكثير ويتبقى القليل، فحين نبلغ الطريق المرصوف سيكون الطريق مستويًا والسير أسهل”، قال الرجل.

 

أمام أعينهم، لكنه شديد البعد عنهم، أنار برق بالسحاب، لم يكن أحدٌ يتوقع شدة انخفاضه. ثم حدثت وقفة تبعها صوت الرعد المجلب للصمم. هذا ما كان ينقص. قالت المرأة “نستغيث بالقديسة باربارا”، لكن الرعد، إن لم يكن بقية العاصفة القادمة من بعيد، كان يبدو أنه يسير في اتجاه آخر أو ربما وجّهته القديسة باربارا المذكورة سلفاً إلى أماكن أخرى أقل إيمانًا. ها قد بلغوا الطريق الممهد، عرفوا ذلك لأنه أعرض، أيضًا لأنهم سيجدون اختلافات أخرى بعد مثابرة جمّة عند ضوء النهار، لقد جاؤوا من مطبات ووحل، وساروا فوق مطبات ووحل، والآن، في هذا الظلام، لا يمكنهم حتى أن يروا ما تحت أقدامهم. كان ظهر الرجل وزوجته غارقين بالماء. من حين لآخر كان يركض بلا بصيرة تقريبا، متمنيا أن يفتح الطريق أفقًا جديدًا حتى يرى كم يتبقى للوصول إلى سان كريستوبال. فجأة توقف المطر من دون أن ينتبهوا وظهرت لهم بالتحديد حوائط البيوت الأولى. كانت تُمطر ثم كفت عن المطر، كأن مظلة امتدت فوق الطريق.

 

ما أجمل أن تسال الزوجة “أين بيتنا؟”؛ إنه حنين من ترغب في رعاية ابنها وتفريغ أثاثها ووضعه في مكانه، قبل أن تفرد جسدها المرهق فوق سرير. فيجيبها الرجل “على الجانب الآخر”. كل الأبواب موصدة، فقط يمكن تخمين وجود بشر من خلال بصيص ضوء خافت يطل من فتحات ضيقة. في فناء ما ثمة كلب يعوي. إنها العادة، دومًا ثمة كلب يعوي عندما يمر أحد، أما الكلاب الأخرى، التي ربما كانت تشعر بالأمان، فتتخذ وضع الحارس وتقوم بدورها ككلاب. فُتِح باب صغير وأوصد، والآن وقد توقف المطر واقترب البيت، يشعر أكثر بهواء بارد يجوب الشارع، ينغمس في الدروب الجانبية الصغيرة، يهدهد سَعَفة تطل من الأسطح المنخفضة. وبفضل الهواء، بدا الليل أكثر جلاءً. كانت السحابة الكبيرة تنسحب، والآن تضيء السماء هنا وهناك. “لقد توقف المطر”، قالت المرأة لابنها النائم، حيث كان الوحيد من بين الأربعة الذي لم يعرف الخبر السعيد بعد.

  • المدن

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *