خديعة الإسلاميين: الحداثة تعني الخروج من الدين

سعيد ناشيد

من أبرز الخدائع المؤسسة للإسلام السياسي، وأشدها ضرراً على حياة المسلمين، إشاعة فكرة أنّ الإسلام والحداثة طريقان متعاكسان إلى أن يرث الله الأرض وما عليها: طريق الحق المبين وإن كان يعتريه بعض الباطل، وطريق الباطل المشين وإن كان يغمره بعض الحق. فلا خيار آخر للمسلمين بين حداثة تفرّط في قيم الإسلام، وإسلام يستغني عن قيم الحداثة.

 

أما وإن كانت الحداثة شر لا بد منه كما يشعر الكثيرون منهم، فلتكن حداثة في أدنى مستوياتها الممكنة، وبالجملة، حداثة يجرجرها التقليديون على هواهم، ووفق ما يحتملون.

 

 

ترفض التيارات الإسلامية الحداثة وكل ما يترتب عنها من مقولات ومنتجات فكرية وسياسية، اعتمادا على تخويف المسلمين بأن الحداثة نقيض للإسلام ذاته. ومن الثابت أن هذا الرفض لا يعبّر حقيقة عن التناقض بين الإسلام والحداثة، بل لأن الأدبيات التي تركن إليها التيارات الإسلامية تعبّر عن نكوص إلى مرحلة ماضوية لا مكان فيها للمقولات العصرية سياسيا أو اجتماعيا أو فكريا، ومن ذلك نتبيّن رفض الإسلاميين للديمقراطية وللحريات وللمساواة ولغيرها من التعبيرات الحديثة.

 

نحن أمام تصور خاطئ نظريا، وأما في المستوى العملي فالنتائج كارثية بكل تأكيد. بحيث يتصور المسلم نفسه قابضا على جمرة الدين الحارقة، بلا طموح، وبلا مشاريع، وبلا أهداف، يجتنب قيم التقدم اجتنابه للرجس، ويتقوقع على نفسه تقوقع الرخويات داخل الأصداف المظلمة، حفاظا على بيضة الإسلام كما يرددون. ولا بأس إن كان الإسلام قد بدأ غريباً وسيعود غريباً، وإلى آخر العويل.

 

الاعتقاد بأن حفظ الدين يقتضي اجتناب الحداثة ما أمكن ذلك، هو الفخ النفسي الذي تنصبه جماعات الإسلام السياسي بمختلف مشاربها، فتكرّس لدى الإنسان المسلم الشعور بالغربة وسط عالم يعاصره بالفعل لكنه لا يلائم مفاهيمه، ولا يناسب تصوراته، ولا يوافق أهواءه. ثم يتوهم في الأخير بأنّ غربته من صميم غربة الإسلام نفسه.

 

هكذا يشعر المسلم بأن العالم الذي يعاصره بحكم الواقع، ليس عالمه الذي يناسب خياله وغرائزه، ولا هو يصلح لكي يقيم فيه بكل أمن وسلام. انطلاقا من هذه اللحظة يبدأ العدّ العكسي لساعة الانفجار.

 

ليس الحذر من التقدم سوى غريزة من غرائز الانحطاط. ليست التربية على توخي الحذر والتوجس سوى تربية منحطة بكل المقاييس؛ لأنها تنتج أشخاصا فاشلين خانعين بلا طموح يُذكر، فلا يتقنون سوى أعمال التخريب والتدمير.

 

الحذر من العالم الجديد هو خوف إما من الفقدان الديني (الخوف من غضب الله، الخوف من عقاب الله، الخوف من العدم، أو باختصار عقدة الحرمان الديني)، وإما خوف من الفقدان الجنسي (الخوف من فقدان الرجولة، أو الفحولة، أو الخصوبة، أو باختصار عقدة الخصاء)، فمعناه، في الأخير، أن الخوف على الإسلام هو الآخر ليس سوى حالة مرضية تقابل ما يسميه البعض بالخوف من الإسلام.الخوف المرضي من الإسلام يُصطلح عليه في ديار الغرب باسم الإسلاموفوبيا. قد يكون التوصيف هنا دقيقا في بعض الحالات، لكن ثمة نوع آخر من الخوف المرضي المرتبط بالإسلام، لا يتعلق الأمر هذه المرّة بالخوف من الإسلام، وإنما يتعلق الأمر تحديداً بالخوف على الإسلام. هل من مصطلح مناسب؟ لا أعرف، لكن بوسعي التعبير على الظاهرة بالنحو التالي:

 

ثمة آلية نفسية تقوم بتحويل عقدة الخصاء إلى جهة الخوف على بيضة الإسلام. وبمعزل عن البيضة التي ترمز إلى الخصوبة، بوسعنا أن نفكر في شعور المسلمين وهم يشاهدون مئذنة أحد المساجد تنهار تحت ضربات القصف.

 

    الاعتقاد بأن حفظ الدين يقتضي اجتناب الحداثة هو الفخ النفسي الذي تنصبه جماعات الإسلام السياسي بمختلف مشاربها

 

إن التركيز في موضوع المؤامرة على ادعاء وجود مؤامرة تستهدف خصوبة المسلمين، أو تستهدف فحولتهم، أو تهدف إلى تهييج نسائهم حتى لا يقدرون عليهن، من خلال المحتويات السرية لبعض المواد الغذائية أو الطبية أو الإشهارية، لهو مجرد تحوير لعقدة الخصاء في آخر المطاف، من حيث هي عقدة خوف من فقدان شيء ذي طبيعة جنسية أو إيحاء جنسي.

 

نتذكر بالمناسبة التصريحات المثيرة للجدل التي سبق أن أطلقها وزير الداخلية لحكومة حركة حماس الإسلامية، فتحي حماد، إبان حفل تخرج ضباط في جهاز الأمن الوطني بغزة في شهر مايو من عام 2013، وقد هدد فيها بأن الأجهزة الأمنية ستراقب كل من يساهم في انخفاض منسوب الرجولة داخل قطاع غزة.

 

إن عقدة الخصاء الجنسي التي قد تدفع بالرجل إلى تكرار عبارة “أنا رجل”، وإلى الخوف من فقدان قدرته على الانتصاب، لتقابلها في مستوى اللاشعور الجمعي عقدة الخصاء الديني، التي قد تدفع بالإنسان المسلم إلى تكرار عبارة “أنا مسلم”، ومن ثمة الخوف من فقدان شعوره بأنه مسلم. لنفكر كذلك في أن اللحية التي تقول “أنا مسلم”،

 هي اللحية نفسها التي تقول قبل ذلك “أنا رجل”. هنا يصبح للقدرة على الخداع معنى واضح؛ إذ معناه -لكي نتحدث عن الإسلام السياسي بالذات- القدرة على استغلال المخاوف المرضية اللاشعورية للشعوب، قصد السيطرة عليها والتحكم فيها، بدل العمل على شفائها كما تقتضي المسؤولية التاريخية، إن كان ثمة من يشعر بالمسؤولية التاريخية بالفعل.

مقالات ذات صله

الرد


لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *